منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تصاعد العنف ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا يدفع الكونغو الديمقراطية إلى إعادة مواطنيها

19 يوليو 2026
احتجاجات ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا
احتجاجات ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا

بدأت جمهورية الكونغو الديمقراطية تنفيذ أولى عمليات إعادة مواطنيها من جنوب إفريقيا، في ظل تصاعد أعمال العنف والاحتجاجات التي تستهدف المهاجرين، وهو تطور يعكس اتساع نطاق الأزمة الإنسانية والأمنية التي دفعت آلاف الأفارقة إلى مغادرة البلاد خلال الأسابيع الأخيرة.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه الدعوات الإقليمية لاتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المهاجرين، في حين تواجه السلطات الجنوب إفريقية ضغوطاً متصاعدة لاحتواء أعمال العنف وإعادة الاستقرار إلى المناطق المتضررة.

وذكرت وكالة فرانس برس، نقلاً عن وزارة الخارجية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أن أول رحلة إعادة طوعية وصلت إلى العاصمة كينشاسا وعلى متنها 121 مواطناً كونغولياً، بينهم نساء وأطفال.

وأوضحت الوزارة أن العملية جاءت استجابة لتدهور الأوضاع الأمنية التي أعقبت موجة من أعمال العنف المعادية للأجانب، والتي اندلعت مطلع مايو، مؤكدة أن الحكومة تتابع أوضاع مواطنيها في جنوب إفريقيا وتعمل على توفير سبل العودة الآمنة للراغبين في مغادرة البلاد.

بداية عمليات الإجلاء

استقبلت السلطات الكونغولية العائدين في مطار كينشاسا، حيث وفرت لهم إجراءات الاستقبال والدعم الأولي، في إطار خطة حكومية تهدف إلى إعادة المواطنين الذين تأثروا بالأحداث الأخيرة.

وأكدت وزارة الخارجية أن هذه الرحلة تمثل المرحلة الأولى من عمليات الإجلاء، مع استمرار التنسيق مع سلطات جنوب إفريقيا والجهات المعنية لتسهيل عودة مواطنين آخرين إذا استدعت الظروف ذلك.

وتضم المجموعة التي عادت إلى الكونغو الديمقراطية نساءً وأطفالاً إلى جانب عدد من العمال الذين اضطروا إلى مغادرة أماكن إقامتهم بعد تصاعد الاعتداءات على المهاجرين في عدد من المدن الجنوب إفريقية.

اتساع دائرة العنف

شهدت جنوب إفريقيا خلال الأسابيع الماضية موجة من الاحتجاجات التي ركزت على وجود المهاجرين غير النظاميين، وتحولت في عدد من المناطق إلى أعمال عنف واعتداءات استهدفت أجانب وممتلكاتهم، كما رافقتها عمليات نهب وإحراق لمحال تجارية يملكها مهاجرون.

وأدت هذه التطورات إلى نزوح أعداد كبيرة من المهاجرين داخل البلاد، في حين فضل آخرون العودة إلى أوطانهم خشية تعرضهم للاعتداءات، في ظل حالة من القلق وعدم اليقين بشأن قدرتهم على مواصلة العمل أو الإقامة بأمان.

وأحصت وكالة فرانس برس مغادرة ما لا يقل عن 150 ألف أجنبي من جنوب إفريقيا خلال الأسابيع الأخيرة، ينتمون إلى عدد من الدول الإفريقية، منها غانا ونيجيريا وملاوي وموزمبيق وأوغندا وزيمبابوي، في واحدة من كبريات موجات النزوح الإقليمي المرتبطة بالعنف ضد المهاجرين في السنوات الأخيرة.

اعتقالات ومحاولات لاحتواء الأزمة

تحركت السلطات الجنوب إفريقية لاحتواء الاضطرابات، إذ أعلنت الشرطة اعتقال 69 شخصاً بعد تحول إحدى المظاهرات المناهضة للمهاجرين إلى أعمال عنف وعمليات نهب في جنوب البلاد.

وتواصل الأجهزة الأمنية انتشارها في عدد من المناطق التي شهدت اضطرابات، في محاولة لمنع تجدد الاعتداءات وحماية السكان والممتلكات، في حين تؤكد الحكومة أنها ترفض استهداف أي شخص على أساس جنسيته أو وضعه القانوني، وتدعو إلى احترام القانون ومعالجة القضايا المتعلقة بالهجرة عبر الأطر القانونية.

ورغم هذه الإجراءات، ما زالت المخاوف قائمة لدى آلاف المهاجرين الذين يعتمدون على أعمالهم في جنوب إفريقيا بوصفها مصدراً رئيسياً لإعالة أسرهم في بلدانهم الأصلية.

ردود فعل إفريقية

أثارت التطورات الأخيرة ردود فعل واسعة داخل القارة الإفريقية، حيث أدانت نيجيريا وغانا أعمال العنف المستمرة ضد المهاجرين، وطالبتا بإدراج قضية الاعتداءات على الأجانب وما يعرف بمعاداة الأفارقة ضمن جدول أعمال القمة المقبلة للاتحاد الإفريقي.

وترى حكومات إفريقية أن استمرار استهداف مواطني الدول الإفريقية داخل دولة عضو في الاتحاد الإفريقي يتطلب موقفاً جماعياً يضمن حماية حقوق المهاجرين، ويعزز التعاون بين الدول لمعالجة أسباب التوتر بعيداً عن العنف.

كما دعت منظمات حقوقية إلى توفير الحماية لجميع المقيمين في جنوب إفريقيا، بغض النظر عن أوضاعهم القانونية، مؤكدة أن مكافحة الهجرة غير النظامية لا تبرر الاعتداء على المدنيين أو تعريض حياتهم للخطر.

أسباب التوتر

موجات العنف المتكررة والمرتبطة بعوامل اقتصادية واجتماعية معقدة، منها ارتفاع معدلات البطالة والفقر واتساع الفجوة الاقتصادية، دفعت بعض الفئات إلى تحميل المهاجرين مسؤولية المنافسة على فرص العمل والخدمات العامة.

وتسجل جنوب إفريقيا أحد أعلى معدلات البطالة في العالم، كما تواجه تحديات اقتصادية متواصلة أثرت في مستويات المعيشة، الأمر الذي أسهم في تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين خلال السنوات الأخيرة.

ورغم إسهام المهاجرين في قطاعات اقتصادية مختلفة، ولا سيما التجارة والخدمات والبناء والزراعة، فإنهم يواجهون بين الحين والآخر حملات تتهمهم بالاستحواذ على الوظائف أو ممارسة أنشطة تجارية بصورة غير قانونية، وهو ما يغذي الاحتقان الاجتماعي في بعض المناطق.

وجهة رئيسية للمهاجرين

تعد جنوب إفريقيا أكبر اقتصاد صناعي في القارة الإفريقية، الأمر الذي جعلها لعقود وجهة رئيسية للعمال القادمين من دول الجوار ومن مناطق أخرى في القارة بحثاً عن فرص العمل وتحسين مستويات الدخل.

وتشير بيانات وكالة الإحصاء الجنوب إفريقية إلى أن نحو ثلاثة ملايين أجنبي يقيمون داخل البلاد، وهو ما يعادل نحو 5.1 في المئة من إجمالي السكان، ويعمل كثير منهم في قطاعات تعتمد بصورة كبيرة على العمالة الوافدة.

ويؤكد خبراء الهجرة أن استمرار العنف ضد المهاجرين قد يؤثر في سوق العمل والاستثمارات، كما قد ينعكس سلباً على العلاقات بين جنوب إفريقيا والدول الإفريقية التي ينتمي إليها هؤلاء العمال.

وقد شهدت جنوب إفريقيا موجات متكررة من العنف ضد المهاجرين منذ عام 2008، عندما أسفرت اضطرابات واسعة عن مقتل عشرات الأشخاص ونزوح آلاف آخرين. وتكررت هذه الأحداث في أعوام لاحقة، مدفوعة بعوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية، أبرزها ارتفاع البطالة واتساع معدلات الفقر وعدم المساواة.

وتؤكد الحكومة الجنوب إفريقية في كل مرة رفضها للاعتداءات على الأجانب، لكنها تواجه انتقادات من منظمات حقوق الإنسان التي تطالبها بتعزيز حماية المهاجرين، وتسريع ملاحقة المتورطين في أعمال العنف، إلى جانب تطوير سياسات للهجرة وسوق العمل تحد من التوترات الاجتماعية وتحافظ على التزامات البلاد الإقليمية والدولية في مجال حقوق الإنسان.