منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

انظروا إلى الأرقام أيها المتشائمون.. تكلفة الغذاء ليست كما تتصورون

06 أغسطس 2026
العمدة زهران ممداني يحمل الموز خلال مؤتمر صحفي حول متاجر البقالة في بروكلين، 27 تموز 2026.
العمدة زهران ممداني يحمل الموز خلال مؤتمر صحفي حول متاجر البقالة في بروكلين، 27 تموز 2026.

ديفيد هارساني*

من حق الناخبين، بل من طبيعة السياسة، أن يشتكوا من أوضاعهم المعيشية. لكن لا ضرر في أن نتوقف أحياناً لنضع مشكلاتنا في سياقها التاريخي، وإلا سنجد أنفسنا أسرى دوامة من التشاؤم تدفعنا إلى فقدان الإحساس بالواقع.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن ثلثي الأمريكيين يرون أن أسعار المواد الغذائية أصبحت “غير ميسورة”. هذا القلق هو ما يدفع البعض إلى تأييد أفكار اشتراكية، مثل مشروع عمدة نيويورك زهران ممداني لإنشاء سلسلة متاجر بقالة مملوكة للمدينة بتكلفة 70 مليون دولار. وهو أيضاً ما يدفع بعض الشعبويين في اليمين إلى مطالبة الرئيس دونالد ترامب بالتخلي عن انشغاله بالسياسة الخارجية والتركيز على خفض أسعار الغذاء.

لكن الحقيقة أن كل هؤلاء يخطئون في تشخيص المشكلة. نحن لا نعيش أزمة غذاء غير مسبوقة كما يُصوَّر لنا.

في عام 1901 كانت الأسرة الأمريكية المتوسطة تنفق نحو 42% من دخلها المتاح على الطعام، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي. وانخفضت هذه النسبة إلى 23% عام 1945، ثم إلى 15% عام 1965، ونحو 12% عام 1985.

أما اليوم، فتشير تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن الإنفاق على الغذاء يمثل 9.7% فقط من ميزانية الأسرة.

وهذه النسبة تتضمن الإنفاق المرتفع تاريخياً على تناول الطعام خارج المنزل وخدمات توصيل الوجبات.

ولو استبعدنا المطاعم واكتفينا بالمشتريات من محال البقالة والسوبر ماركت، فإن الأسرة الأمريكية تنفق في المتوسط 7.9% فقط من دخلها على الغذاء، وربما يستطيع المستهلك الحريص أن يخفض هذه النسبة أكثر.

ولا يقتصر الأمر على انخفاض نسبة الإنفاق، بل إن المستهلك الأمريكي اليوم يتمتع بتنوع غذائي لم يكن يخطر على بال الأجيال السابقة.

فالنظام الغذائي في الولايات المتحدة يعد من الأكثر تنوعاً في العالم، مع توافر منتجات من مختلف القارات طوال العام. وبفضل سلاسل الإمداد العالمية، يستطيع أي شخص شراء خضروات من أمريكا الوسطى، ومشروبات من آسيا، وسلمون من الدول الإسكندنافية، وتوابل من الهند، وكل ذلك بأسعار معقولة.

ورغم هذا التنوع، تؤكد وزارة الزراعة الأمريكية أن الأمريكيين ما زالوا ينفقون نسبة من دخولهم على الغذاء أقل من أي شعب آخر في العالم.

ومع ذلك، يبدو أن كثيراً من الناخبين مقتنعون بأن كل شيء في الاقتصاد، خاصة أسعار الغذاء، يزداد سوءاً بوتيرة متسارعة.

لكن منذ تولي ترامب الرئاسة، ارتفعت أسعار الغذاء بوتيرة أبطأ من معدل التضخم العام، وعادت إلى نطاقها الطبيعي الذي كان سائداً قبل جائحة كورونا.

فالأسعار في الظروف الطبيعية ترتفع سنوياً بين 2% و3%.

وخلال عام 2025 ارتفعت أسعار الغذاء إجمالاً بنسبة 3%، في حين زادت أسعار السلع في محال البقالة والسوبر ماركت بنسبة 2.4%.

أما خلال العام الجاري، فقد سجلت أسعار الغذاء زيادة إجمالية قدرها 3%، في حين ارتفعت أسعار مشتريات المنازل بنسبة 2.7%.

لهذا، لا أرى أي حاجة إلى متاجر حكومية للمواد الغذائية. فمن يريد خفض نفقاته يستطيع ببساطة إعداد وجباته في المنزل بدلاً من شراء الطعام الجاهز.

ويعتقد كثيرون أيضاً أن أسعار الغذاء ارتفعت بوتيرة أسرع من الأجور، لكن هذا غير صحيح بالنسبة لمعظم الأمريكيين.

فعلى مدى العقد الماضي الذي شمل سنوات جائحة كورونا، ارتفعت الأجور بأكثر من 46%، في حين زادت أسعار الغذاء بنحو 34% فقط.

لا أنكر أننا ما زلنا نعيش آثار السياسات التضخمية التي صاحبت فترة الجائحة، وأن التضخم بطبيعته تراكمي، ومن غير المرجح أن تعود الأسعار إلى مستويات ما قبل كورونا.

لكن كثيراً من الزيادات الأخيرة في أسعار الغذاء لا علاقة لها بالسياسات الحكومية.

فانتشار إنفلونزا الطيور أدى إلى ارتفاع أسعار البيض، كما أسهم الجفاف الطويل في زيادة أسعار اللحوم. وهذه عوامل بيئية لا يستطيع أي رئيس التحكم فيها، تماماً كما لا يمكنه إلغاء المعدلات الطبيعية للتضخم.

وقد هاجم ترامب مؤخراً شركتي “إكسون” و”شيفرون” بدعوى أنهما تحققان أرباحاً مفرطة، وطالبهما بخفض أسعار الوقود.

لكن أسعار النفط سلعة عالمية تحددها الأسواق الدولية، وليس قرارات الرؤساء التنفيذيين.

والأمر نفسه ينطبق على متاجر البقالة، بل إن هوامش أرباحها من بين الأدنى في الاقتصاد الأمريكي، إذ تدور حول 2% فقط.

وخلال عام 2026، لم يتجاوز صافي أرباح السوبر ماركت 1.32%.

قد تكون سياسة استغلال تذمر الناس وسيلة ناجحة لكسب التأييد السياسي، لكن الحقيقة أن متاجر البقالة الكبرى ليست هي ما يستنزف جيوب المستهلكين.

أدرك أن كل جيل ينظر إلى العالم من خلال تجربته الخاصة، لكن يجدر بنا ألا ننسى حقيقة تاريخية بسيطة: على امتداد مئات آلاف السنين، عاش البشر على حافة المجاعة.

أما اليوم، فقد أصبحت هناك صناعات بمليارات الدولارات هدفها الوحيد مساعدة الناس على تناول كميات أقل من الطعام.

لهذا، أدعو إلى التوقف قليلاً عن التشاؤم الذي يطغى على الخطاب السياسي، والنظر إلى الحقيقة كما هي: نحن نعيش عصراً يتميز بوفرة غير مسبوقة، وبقدرة شرائية في مجال الغذاء لم تعرفها البشرية من قبل.

*نقلاً عن نيويورك بوست