من الدار البيضاء، المدينة التي تبدو في حكايات فرقة “هوبا هوبا سبيريت” كأنها كوكب قريب لا يشبه غيره، خرجت قبل نحو ثلاثين عاماً تجربة موسيقية مغربية قررت أن تكسر الحدود كلها: حدود اللغة، والنوع الموسيقي، والموضوعات التقليدية، وحتى المسافة بين الفنان والجمهور.
لم تكن “هوبا هوبا سبيريت” مجرد فرقة تغني، بل حالة ثقافية وإنسانية تعبر عن حق الناس في أن يجدوا أنفسهم في الموسيقى، بلغاتهم ودوارجهم وأسئلتهم اليومية، لا في قوالب جاهزة لا تشبههم، بحسب ما ذكر موقع “هيسبريس” المغربي.
تغني الفرقة بالدارجة والعربية والفرنسية والإنجليزية، وتفتح أغانيها لكلمات أمازيغية ومفردات من لغات أخرى، كما تمزج بين الروك وكناوة والريغي والراي والشعبي وطرب الآلة والجذبة الصوفية والجاز.
هذا التنوع لا يبدو عند أعضائها استعراضاً فنياً، بل انعكاس طبيعي لهوية مغربية متعددة، تسمع كل شيء، وتعيد صياغته على طريقتها.
المسألة هي حب الموسيقى
يقول رضى علالي المغني الرئيسي للفرقة إن المسألة ببساطة هي حب الموسيقى، لا الانشغال بتصنيفها، فالموسيقى، في نظره، ليست شرقاً أو غرباً، ولا قالباً مغلقاً، بل صناعة أحاسيس وإطلاقها، وما عدا ذلك مجرد “بهارات” تضيف النكهة، وينبغي ألا تتحول إلى قيود.
في هذا المعنى، تدافع “هوبا هوبا” عن حق ثقافي أصيل: حق الإنسان في التعبير عن نفسه بلغته، وحق المجتمع في أن يرى تنوعه حاضراً على المسرح، لا محاصراً في الهامش.
وحين تلتقي “جرّة” الكمان الشعبي بالقيثار الكهربائي، أو يدخل الريغي على الراي، أو تحضر كناوة بجوار الروك، لا تكون الفرقة تخلط الأنغام فقط، بل تفتح مساحة رمزية يتساوى فيها المختلفون.
موسيقى تشبه الناس
بدأت الحكاية، كما يروي أعضاء الفرقة، من شعور بسيط: الموسيقى التي يسمعونها لا تتحدث عنهم كما يريدون. لم يجدوا فيها أسئلتهم اليومية ولا لغتهم الحقيقية ولا توترهم مع المجتمع والإدارة والسياسة والانتماء، فقرروا أن يصنعوا موسيقاهم بأنفسهم.
ومن هنا خرجت أغنيات لا تنتمي إلى الرومانسية التقليدية وحدها، ولا إلى الشكوى القديمة من الأطلال، بل إلى أسئلة المواطن العادي: أين مكاني داخل المجتمع؟ ما الذي يضايقني؟ ما الذي يفرحني؟ هل البلاد بيتنا فعلاً أم نحن مجرد ساكنين في بيت الآباء؟ كيف نتعامل مع سلطة إدارية لا تفهمنا؟ وكيف نضحك من الخسارات دون أن نستسلم لها؟
هذه الأسئلة تمنح تجربة “هوبا هوبا” بعدها الإنساني والحقوقي، فالموسيقى هنا ليست ترفاً، بل وسيلة للتعبير عن القلق الاجتماعي، والاختناق البيروقراطي، والبحث عن الانتماء، والسخرية من القهر، واستعادة القدرة على الضحك وسط الضغوط.
في أغانيها، يظهر المواطن البسيط الذي يحاول فهم السياسة والدين والكرة وكل شيء، ويظهر الباحث عن شهادة حياة أمام “السوبر قايد”، وتظهر الشعوب التي تحذر من احتكار “حلوى” العالم، وتظهر الهجرة بوصفها رسالة لمن يأكلون وحدهم ثم يخشون الاختناق من قطعة كعك كبيرة.
هذه ليست مجرد صور ساخرة، بل نقد اجتماعي بلغة الناس، فالسخرية هنا تصبح أداة مقاومة، والضحك طريقة لتعرية الخلل، والغناء مساحة آمنة لقول ما يصعب قوله في الخطاب المباشر.
الحق في الفرح
في حفلات “هوبا هوبا سبيريت” لا يقف الجمهور متفرجاً بعيداً عن الخشبة، فهناك علاقة مختلفة تُبنى لحظة بلحظة، حين تطلب الفرقة من الحاضرين أن يثقوا بها، وأن يتركوا هواتفهم قليلاً، أو يغلقوا عدساتها، وأن يعيشوا اللحظة بدلاً من توثيقها فقط.
تقول الفرقة لجمهورها: “ثقوا بنا، فنحن محترفون”، ثم تخف الأضواء الساطعة، وتبدأ لحظة أقرب إلى التحرر الجماعي، فلا يعود الحفل مساحة للاستماع فقط، بل مساحة للحركة، والقفز، والرقص، والتنفيس، والتعافي.
هنا يصبح الفرح حقاً إنسانياً، فالمواطن الذي يخرج من ضغط العمل، والقلق، والمدينة، والأخبار الثقيلة، يحتاج إلى مساحة عامة لا يُطلب منه فيها أن يكون منتجاً أو صامتاً أو مراقباً، بل أن يكون موجوداً بجسده وصوته وفرحه.
الموسيقى تخلق المحبة
يرى رضى علالي أن مداواة الناس مهمة شريفة؛ لأنها تخلق المحبة وتغير جو المكان، وتجعل الناس ينصرفون أكثر ارتياحاً، وهذا المعنى يكشف جانباً عميقاً من دور الفن: ليس فقط أن يرفّه، بل أن يرمم ما تكسره الحياة اليومية في داخل البشر.
في زمن بات فيه كثيرون يستهلكون الموسيقى فرادى، عبر سماعات صغيرة وشاشات شخصية، تعيد “هوبا هوبا” التذكير بأن الإنسان يحتاج إلى رابطة جماعية. يحتاج إلى مهرجان، إلى مباراة، إلى إيقاع مشترك، إلى لحظة يشعر فيها أن المجتمع لا يزال ينبض حوله.
بعض أغاني الفرقة تغير معناها مع الزمن، أغنية ساخرة عن انتظار المستحيل “يوم يفوز المغرب بكأس العالم” لم تعد تحمل المعنى نفسه بعد صعود كرة القدم المغربية وتغير نظرة الناس إلى أنفسهم وإمكاناتهم.
هذا التحول لا يغير الكلمات فقط، بل يغير علاقة الجمهور بها، فالأغنية التي كانت تعبر عن الخيبة صارت شاهداً على زمن تغيرت فيه الثقة الجمعية. ما كان حلماً بعيداً أصبح احتمالاً، وما كان نكتة صار باباً للأمل.
تعبير عن الحزن والفرحة
يعترف رضى علالي بأن تغير نظرة شعب بأكمله لا يغير معنى الكلمات وحدها، بل يغير الفنانين أنفسهم ورؤيتهم لذواتهم، فالفن لا يعيش خارج المجتمع، بل يتبدل معه، ويعيد قراءة نفسه كلما تبدلت أحلام الناس.
ومع ذلك، لا تمحو الانتصارات ذاكرة الخسارة، فأغنية مثل “بلاك موصيبة” التي خرجت من خيبات كروية قديمة، لا تزال تُغنى لأنها لا تتعلق بفريق واحد أو لحظة واحدة، بل بحق الناس في أن يضحكوا من خيباتهم، وأن يحولوها إلى طاقة جماعية بدلاً من أن تبقى جرحاً صامتاً.
وفي جوهر تجربة “هوبا هوبا”، يبدو المسرح كأنه مساحة حقوقية مفتوحة، لا بمعنى الشعارات، بل بمعنى ممارسة الحرية، هناك لغة متعددة بلا اعتذار، وأجساد تتحرك بلا خوف، وجمهور يشارك لا يستهلك فقط، وأغانٍ تسخر وتنتقد وتحلم دون أن تفقد مرحها.
هذه المساحة مهمة في أي مجتمع؛ لأنها تمنح الناس فرصة الظهور كما هم، فالحق في الثقافة لا يعني فقط الوصول إلى الكتب والمتاحف، بل يشمل أيضاً الحق في الموسيقى، وفي الرقص، وفي التعبير الجماعي، وفي أن يجد الشباب لغة فنية تشبههم وتسمح لهم بأن يقولوا: نحن هنا.
وتبدو دعوة الفرقة إلى ترك “السيلفي” والعيش داخل اللحظة نقداً ناعماً لعصر يوثق كل شيء ويفرغ أحياناً من التجربة نفسها، فالحفل، كما يقول أعضاء الفرقة، ليس مناسبة لتسجيل المقاطع فقط، بل نشاط هدفه تحقيق الارتياح.
هذا المعنى يتقاطع مع التراث المغربي المشبع بالموسيقى الروحية، مثل كناوة التي لا تُختزل في الإيقاع، بل تحمل بعداً علاجياً وجماعياً. لذلك لا يأتي الناس إلى الحفل فقط ليروا الفرقة، بل ليشاركوا في حالة تشبه التفريغ والشفاء.
هوية بلا أسوار
ما تقدمه “هوبا هوبا سبيريت” ليس مجرد خليط موسيقي، بل تصور للهوية بلا أسوار، هوية لا تخاف من تعدد اللغات، ولا من التقاء الشعبي بالعالمي، ولا من حضور كناوة والروك والريغي والراي في الجملة الموسيقية نفسها.
في عالم يزداد انغلاقاً حول الهويات الضيقة، تقدم الفرقة نموذجاً مختلفاً: يمكن أن تكون محلياً جداً وعالمياً في الوقت نفسه، يمكن أن تغني بالدارجة وتلمس جمهوراً واسعاً، وأن تستعير من لغات وأنغام متعددة دون أن تفقد مكانك الأول.
هذه هي قوة التجربة.. أنها تجعل التنوع يبدو طبيعياً لا استثنائياً. فالمغاربة، كما يقول أعضاء الفرقة، يسمعون “عشرين ألف نوع موسيقي في اليوم”، وما تنتجه “هوبا هوبا” ليس غريباً عنهم، بل ترجمة فنية لهذا التنوع اليومي الذي يعيشونه في الشارع والبيت والمقهى والذاكرة.
بعد نحو ثلاثين عاماً، لا تزال الفرقة تقفز على الخشبة بروح لم تخفّ رغم تقدم العمر، وربما في هذا وحده رسالة إنسانية كافية: أن الفن حين يخرج من الناس ويعود إليهم، لا يكبر بالسن، بل يتجدد في كل جمهور يضحك ويرقص ويجد في الأغنية شيئاً من نفسه.
“هوبا هوبا سبيريت” ليست فقط فرقة موسيقية مغربية، بل مساحة للحق في الفرح، والحق في الاختلاف، والحق في التعبير، والحق في أن تكون الموسيقى مرآة للناس كما هم، لا كما يراد لهم أن يكونوا.
