منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الغذاء على الرفوف لا يكفي.. 1.24 مليون شخص في لبنان يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي

07 أكتوبر 2026
1.24 مليون شخص في لبنان يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي
1.24 مليون شخص في لبنان يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي

حين فرت رُقية من منزلها تحت القصف، لم تكن تبحث عن مكان آمن فقط، بل عن مكان تستطيع فيه إطعام أطفالها. أم لأربعة أطفال نزحت مع عائلتها الممتدة المؤلفة من عشرة أشخاص إلى غرفة صغيرة داخل مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في بيروت، لتصبح الوجبة اليومية الواحدة من أثقل تفاصيل النزوح.

وبعد رحلة نزوح متكررة، اختصرت رُقية واقع أسرتها بعبارة وردت في قصة نشرها برنامج الأغذية العالمي: “على الأقل نستطيع أن نأكل”. لكن حتى هذا الحد الأدنى أصبح مهدداً بالنسبة إلى مئات آلاف الأسر.

ففي لبنان لا تكمن أزمة الغذاء في وجوده في الأسواق فقط، بل في قدرة الناس على شرائه، في حين تتداخل تداعيات النزاع والنزوح وارتفاع الأسعار واضطراب مصادر الدخل وتراجع المساعدات، لتدفع مزيداً من الأسر إلى تقليص كميات الطعام أو التخلي عن تنوع وجباتها.

1.24 مليون شخص في دائرة الخطر

يكشف أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي حجم التدهور؛ إذ يواجه نحو 1.24 مليون شخص، يمثلون 24% من السكان المشمولين بالتحليل، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، عند المرحلة الثالثة أو أعلى، خلال الفترة من أبريل/نيسان إلى أغسطس/آب 2026.

وتزداد دلالة الرقم عند مقارنته بالفترة السابقة، حين كان نحو 874 ألف شخص يواجهون هذه المستويات، ما يكشف اتساع دائرة المتضررين بصورة لافتة. ويربط التحليل هذا التدهور بتصاعد النزاع والنزوح واضطراب مصادر الدخل وارتفاع الأسعار وتراجع المساعدات الإنسانية، وهي عوامل تجعل الحصول على الغذاء أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسر الأكثر هشاشة.

وتقول الدكتورة ندى الدرة، الباحثة المختصة في سلامة وجودة الغذاء، لـ”صفر” إن قدرة الأسر على الوصول إلى غذاء كافٍ ومتنوع تراجعت، خصوصاً لدى الفئات الأكثر هشاشة، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وعدم استقرار مصادر الدخل.

وتوضح الدرة أن بعض الأسر باتت تلجأ إلى تقليص كميات الطعام أو الاستغناء عن أصناف غذائية من وجباتها، معتبرة أن مواجهة الأزمة تحتاج إلى تعزيز القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية، وضمان استمرار المساعدات للفئات الأكثر احتياجاً.

الحرب تضرب الأرض والإنتاج

ولا تتوقف الأزمة عند دخل الأسرة؛ إذ أصابت الحرب جزءاً من القاعدة الزراعية التي يعتمد عليها إنتاج الغذاء نفسه.

ويقول وزير الزراعة اللبناني نزار هاني لـ”صفر” إن الأمن الغذائي في لبنان تأثر “بشكل كبير جداً”، مشيراً إلى أن تحليلاً أعدته الوزارة بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة أظهر ارتفاع نسبة السكان الذين يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي من 18% إلى 24% بعد التصعيد الأخير.

ويوضح الوزير هاني أن نحو 60 ألف هكتار من أصل 260 ألف هكتار من الأراضي الزراعية تضررت جراء الحرب، ما انعكس على القطاع الزراعي والإنتاج.

وفي مقابل هذه الضغوط، يقول الوزير إن الحكومة تعمل على تأمين احتياجات الأسواق وتعويض النقص من خلال تسهيل عمليات الاستيراد، بالتوازي مع خطة لدعم القطاع الزراعي المتضرر.

كما أكدت وزارة الزراعة، في بيان مشترك مع منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، أن حماية الأمن الغذائي مسؤولية وطنية ودولية مشتركة، محذرة من تداخل آثار النزاع والنزوح وارتفاع الأسعار واضطراب الأسواق وتراجع المساعدات.

حين يكون الطعام موجوداً ولا يستطيع الناس شراءه

تكشف الإجراءات الحكومية جانباً أساسياً من مواجهة الأزمة، يتمثل في الحفاظ على الإمدادات و توفير الغذاء في الأسواق، لكن الأمن الغذائي لا يتوقف عند هذا الحد؛ إذ تبقى قدرة الأسرة على دفع ثمن ما تحتاج إليه جزءاً أساسياً من المعادلة.

ويرى الدكتور فاضل الزعبي، الخبير الدولي في الأمن الغذائي ومدير مركز جينيفا للدراسات والبحوث، أن الضغوط الاقتصادية واضطرابات سلاسل الإمداد تجعل الأسر محدودة الدخل أكثر عرضة لفقدان قدرتها على الوصول إلى الغذاء.

وفي لبنان، تصبح هذه المشكلة أكثر حدة مع الاعتماد الكبير على الاستيراد وتراجع القدرة الشرائية، بحيث تصبح العلاقة بين دخل الأسرة وأسعار الغذاء عاملاً حاسماً في تحديد قدرتها على تأمين احتياجاتها.

وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى استمرار توفر الغذاء في مناطق عديدة، في حين تبقى القدرة على تحمل كلفته تحدياً بالنسبة إلى الأسر التي فقدت دخلها أو جزءاً منه. وهنا يظهر الفارق بين توافر الغذاء في السوق والقدرة الفعلية على الوصول إليه.

الحق في الغذاء أبعد من رفوف المتاجر

يقول كمال بن عمر، الخبير القانوني المختص بحقوق الإنسان، لـ”صفر” إن الحق في الغذاء بموجب القانون الدولي لا يقتصر على وجود المواد الغذائية في الأسواق، وإنما يشمل قدرة الأفراد والأسر على الوصول إليها مادياً واقتصادياً وبصورة مستدامة.

وتقر المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحق الإنسان في مستوى معيشي كافٍ، ومنه الغذاء الكافي، كما تقر بالحق الأساسي في التحرر من الجوع.

ويوضح بن عمر أن التزامات الدولة تشمل اتخاذ التدابير اللازمة لضمان حصول الفئات الأكثر هشاشة على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍّ، خصوصاً عندما تعجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية بوسائلها الخاصة، وبذلك، لا يكفي أن يبقى الطعام متوفراً في الأسواق إذا اضطرت الأسرة إلى تقليل وجباتها، أو الاستغناء عن أصناف أساسية، أو الاختيار بين شراء الغذاء وتأمين الدواء أو السكن.

ومن هنا تتسع مسؤولية الدولة من الحفاظ على الإمدادات والأسواق إلى توفير الحماية والمساندة للفئات التي لم تعد قادرة على الوصول إلى الغذاء بمواردها الذاتية.

ما لا تقوله الأرقام

لا تكشف نسبة الـ24% وحدها ما يحدث داخل المنازل ومراكز الإيواء، فالأرقام لا تقول كم وجبة حذفتها أسرة من يومها، وكم صنفاً غذائياً اختفى من مائدتها، وكم أُمّاً قللت حصتها ليأكل أطفالها، ولا كم مرة اضطرت عائلة إلى المفاضلة بين الطعام والدواء أو كلفة السكن.

وهنا تعود عبارة رُقية التي فرت من القصف وانتهت مع عشرة أفراد داخل غرفة في مركز إيواء: “على الأقل نستطيع أن نأكل”. في بلد يواجه فيه 1.24 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، لم تعد العبارة تفصيلاً عابراً في قصة نزوح، بل تختصر المسافة بين وجود الطعام والقدرة على الوصول إليه.

فالحق في الغذاء لا يتحقق بامتلاء رفوف المتاجر، بل بقدرة الناس على الوصول إلى ما فوقها بكرامة واستمرار، وحين يصبح مجرد القدرة على الأكل مدعاة للارتياح، تكون الأزمة قد تجاوزت الأسعار والأسواق إلى الحق نفسه.