منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

حين يصبح البيت أخطر مكان.. العنف المنزلي كجريمة حقوقية لا كخلاف عائلي

24 يونيو 2026
العنف المنزلي خطر يهدد حياة ملايين النساء والفتيات
العنف المنزلي خطر يهدد حياة ملايين النساء والفتيات

لم يعد ممكناً التعامل مع العنف المنزلي ضد النساء والفتيات باعتباره شأناً عائلياً خاصاً أو خلافاً داخلياً يمكن احتواؤه بالصمت أو التسوية الاجتماعية، فالمنزل، الذي يفترض أن يكون مساحة أمان وكرامة واستقرار، يتحول في حياة ملايين النساء والفتيات إلى مكان للخوف والسيطرة والإكراه والعزلة.

ومن هنا تأتي خطورة العنف المنزلي.. فهو لا يقع في الهامش، بل في قلب الحياة اليومية، داخل العلاقات الأسرية والزوجية التي يفترض أن تقوم على الثقة والحماية.

العنف المنزلي ليس شكلاً واحداً من الانتهاك، فهو قد يكون جسدياً أو نفسياً أو جنسياً أو اقتصادياً أو رقمياً، وقد يظهر من خلال الضرب والتهديد، أو من خلال السيطرة على المال، أو العزل عن الأسرة والأصدقاء، أو تقييد الحركة، أو المراقبة، أو الإهانة المستمرة، أو استخدام الأطفال كوسيلة ضغط.

وفي كثير من الأحيان، لا ترى المؤسسات والمجتمعات إلا الشكل الأخير من العنف، بينما تتجاهل سنوات طويلة من السيطرة والتهديد والتقويض النفسي.

خطورة العنف المنزلي

تكمن المشكلة في أن كثيراً من الضحايا لا يستطعن الإبلاغ، فهناك خوف من الانتقام، وخوف من الوصم، وخوف من فقدان الأطفال، وخوف من التشرد، وخوف من ألّا تصدقهن المؤسسات أصلاً.

كما أن الاعتماد الاقتصادي على المعتدي يجعل الخروج من دائرة العنف قراراً شديد الصعوبة، خصوصاً عندما لا تتوفر ملاجئ آمنة أو دعم قانوني أو حماية اجتماعية أو فرص اقتصادية بديلة.

ولهذا فإن التصدي للعنف المنزلي لا يمكن أن يقتصر على تجريم العنف بعد وقوعه، بل المطلوب منظومة حماية متكاملة تبدأ من الوقاية، وتمر بالإبلاغ الآمن، وتنتهي بالمساءلة وجبر الضرر.

وتشمل هذه المنظومة تدريب الشرطة والقضاة والعاملين في الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، وتوفير أوامر حماية فعالة، وملاجئ آمنة، وخطوط مساعدة، ودعم نفسي وقانوني، وآليات تقييم مبكر للمخاطر.

هل يحمي المجتمع الأسرة؟

إن أخطر ما في العنف المنزلي أنه يتغذى من الصمت، فحين يُقال للمرأة إن عليها أن تتحمل من أجل الأسرة، أو أن ما يحدث داخل البيت لا يجوز أن يخرج إلى العلن، فإن المجتمع لا يحمي الأسرة، بل يحمي المعتدي، حماية الأسرة لا تعني إبقاء الضحية داخل دائرة الخطر، بل تعني حماية حق كل فرد داخلها في الحياة والكرامة والأمان.

من منظور حقوق الإنسان، لا يمكن لأي دولة أن تدعي التزامها بالمساواة إذا كانت النساء غير آمنات داخل منازلهن، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتحدث عن العدالة بينما تُترك النساء وحيدات في مواجهة عنف يعرفه الجميع ولا يوقفه أحد.

العنف المنزلي ليس قدراً، بل نتيجة لاختلالات قانونية واجتماعية ومؤسسية يمكن تغييرها إذا توفرت الإرادة السياسية والموارد والوعي والمساءلة.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print