شهدت مدينة مونتغمري عاصمة ولاية ألاباما الأمريكية توافد آلاف الأشخاص من مختلف الولايات الأمريكية للمشاركة في مسيرة جماهيرية واسعة حملت شعار “كل الطرق تؤدي إلى الجنوب”، وذلك احتجاجا على قرار المحكمة العليا الأمريكية الأخير الذي اعتبره ناشطون ومنظمات حقوقية ضربة قوية لقانون حقوق التصويت وتقليصا للحماية القانونية ضد التمييز الانتخابي، خاصة بحق الأمريكيين السود في الولايات الجنوبية.
ووفقا لما نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، فقد وصل المشاركون إلى المدينة يوم السبت عبر الحافلات والسيارات والطائرات، في مشهد أعاد إلى الأذهان محطات مفصلية من تاريخ حركة الحقوق المدنية الأمريكية. وأقيمت الفعالية أمام مبنى الكابيتول في ولاية ألاباما، في الموقع ذاته الذي شهد قبل عقود المسيرات التاريخية من سلما إلى مونتغمري عام 1965، والتي لعبت دورا محوريا في إقرار قانون حقوق التصويت وإنهاء القيود العنصرية التي كانت مفروضة على الناخبين السود.
حشد سياسي وشعبي واسع
المسيرة نظمتها مجموعة واسعة من منظمات المشاركة المدنية والحقوقية المحلية والوطنية، وشارك فيها ناشطون وقادة سياسيون وأعضاء في الكونغرس الأمريكي، إلى جانب شخصيات بارزة في مجال الدفاع عن الحقوق المدنية، واعتبر المشاركون أن المرحلة الحالية تمثل اختبارا جديدا للديمقراطية الأمريكية في ظل ما وصفوه بمحاولات منظمة لإضعاف أصوات الأقليات داخل العملية الانتخابية.
وخلال الفعالية، ألقى ستيفن إل ريد، عمدة مونتغمري وأول أمريكي أسود يتولى هذا المنصب في المدينة، كلمة أمام الحشود أكد فيها أن التجمع لا يمثل مجرد وقفة احتجاجية عابرة، بل بداية لتحرك طويل من أجل حماية الحقوق الدستورية للأقليات.
وقال إن وجود هذا الحشد في مونتغمري يحمل دلالة رمزية كبيرة، لأن المدينة نفسها كانت شاهدة على تضحيات أجيال سابقة ناضلت من أجل انتزاع حق التصويت والمساواة السياسية، مشددا على أن الحفاظ على هذه المكتسبات بات مسؤولية الجيل الحالي.
خلاف حول إعادة تقسيم الدوائر
وجاءت هذه التحركات الشعبية بعد قرار المحكمة العليا الأمريكية في قضية “لويزيانا ضد كاليس”، وهو القرار الذي أثار موجة غضب بين جماعات الحقوق المدنية، بعدما اعتبرته تلك الجماعات تقليصا فعليا لقانون حقوق التصويت الذي شكل لعقود أحد أهم أدوات مواجهة التمييز العنصري في الانتخابات الأمريكية.
وبعد القرار مباشرة، سارعت عدة ولايات يقودها الجمهوريون إلى إعادة رسم خرائط الدوائر الانتخابية بصورة يرى منتقدون أنها تقلل من النفوذ السياسي للأمريكيين السود، وكانت ولايتا تينيسي وفلوريدا قد أقرتا بالفعل خرائط جديدة، بينما تستعد ولايات ألاباما ولويزيانا وجورجيا لاتخاذ خطوات مماثلة، في حين علقت ولاية ميسيسيبي مؤقتا خطط إعادة التقسيم وسط ضغوط سياسية وشعبية متزايدة.
وشارك في التجمع عدد من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الأمريكيين، من بينهم كوري بوكر ورافائيل وارنوك وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، الذين دعوا إلى تعبئة الناخبين والاستعداد لمواجهة ما وصفوه بمحاولات إضعاف التمثيل السياسي للأقليات في الولايات المتحدة.
رسائل تحدٍ من الجنوب
وخلال المسيرة، وجهت شارلين أوليفر، عضوة مجلس الشيوخ عن ولاية تينيسي، رسالة حماسية إلى الحضور أكدت فيها أن سكان الجنوب لن يقبلوا بإقصائهم سياسيا أو تهميش أصواتهم الانتخابية.
وقالت إن الولايات الجنوبية تشهد محاولات لإعادة رسم خرائط انتخابية وصفتها بالعنصرية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الناخبين سيواصلون الدفاع عن حقوقهم من خلال المشاركة المكثفة في الانتخابات المقبلة، مؤكدة أن الجنوب الأمريكي يمتلك القدرة على تغيير المشهد السياسي إذا توحدت أصوات ناخبيه.
واتسمت أجواء الفعالية بطابع وجداني وروحي واضح، حيث تخللتها ترانيم دينية ودعوات جماعية، في مشهد أعاد التذكير بالدور التاريخي الذي لعبته الكنائس السوداء خلال حركة الحقوق المدنية في ستينيات القرن الماضي.
كما تحولت الهتافات المطالبة بالتصويت وحماية الحقوق الانتخابية إلى جزء أساسي من أجواء الحدث، فيما حرص المنظمون على ربط النضال الحالي بتاريخ طويل من المقاومة المدنية السلمية في الولايات الجنوبية.
ذكريات الماضي تعود بقوة
بالنسبة للكثير من المشاركين، لم يكن الحضور مجرد نشاط سياسي، بل امتدادا لتاريخ عائلي وشخصي مرتبط بالنضال ضد التمييز العنصري، وتحدث عدد من الحاضرين عن أقارب وأفراد من عائلاتهم شاركوا في احتجاجات الحقوق المدنية خلال الستينيات وتعرضوا للاعتقال والعنف بسبب دفاعهم عن حق السود في التصويت.
وقالت كارول بيرتون، وهي من سكان مونتغمري، إن أفراد عائلتها شاركوا في احتجاجات تاريخية وتعرضوا للاعتداءات والملاحقات خلال تلك الفترة، مؤكدة أن التضحيات التي قدمتها الأجيال السابقة لا يمكن السماح بإهدارها اليوم عبر قرارات سياسية أو قضائية تقلص الحقوق المكتسبة.
وبدأت الفعاليات من مدينة سلما التاريخية، حيث أقيمت صلاة جماعية داخل كنيسة تابيرناكل المعمدانية، أعقبها تنظيم مسيرة صامتة عبر جسر إدموند بيتوس، الموقع الذي شهد أحداث “الأحد الدامي” عام 1965 عندما تعرض متظاهرون سلميون للضرب الوحشي أثناء مطالبتهم بحقوق التصويت.
ومن هناك، انتقل المشاركون بالحافلات إلى مونتغمري، حيث انضم إليهم آلاف آخرون في واحدة من أكبر الفعاليات الحقوقية التي شهدتها الولاية خلال السنوات الأخيرة.
حراك يتجاوز ألاباما
ولم تقتصر التحركات على ولاية ألاباما فقط، إذ نظم ناشطون أكثر من خمسين فعالية متزامنة في مدن أمريكية مختلفة تضامنا مع مسيرة “كل الطرق تؤدي إلى الجنوب”، بهدف توسيع دائرة الضغط الشعبي والسياسي ضد أي محاولات لتقليص حقوق التصويت.
وأكدت روكيا لومومبا، مديرة ائتلاف الاستجابة السريعة لقانون حقوق التصويت في ولاية ميسيسيبي، أن المعركة الحالية لا تتعلق فقط بالحفاظ على إرث الماضي، بل ببناء نظام ديمقراطي أكثر عدالة يضمن التمثيل الحقيقي لجميع المواطنين دون تمييز.
يعد قانون حقوق التصويت الصادر عام 1965 من أبرز التشريعات في تاريخ الولايات المتحدة الحديثة، إذ جاء بعد سنوات طويلة من الاحتجاجات والنضال ضد السياسات العنصرية التي كانت تمنع الأمريكيين السود من التصويت، خاصة في الولايات الجنوبية، وأسهم القانون في إزالة القيود التي فرضت سابقا على تسجيل الناخبين السود، كما منح الحكومة الفيدرالية صلاحيات لمراقبة الانتخابات في الولايات التي لها تاريخ في التمييز العنصري، إلا أن المحكمة العليا الأمريكية أصدرت خلال السنوات الماضية عدة قرارات قلصت من صلاحيات القانون، وهو ما أثار مخاوف متزايدة لدى جماعات الحقوق المدنية من عودة أساليب التمييز الانتخابي بشكل غير مباشر عبر إعادة تقسيم الدوائر أو فرض قيود جديدة على التصويت.
