منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الأدوية النادرة وحق العلاج.. عندما تصبح الحياة رهينة القدرة على الدفع

12 يوليو 2026
التمويل عنصر أساسي في خدمات الوقاية من الأمراض
التمويل عنصر أساسي في خدمات الوقاية من الأمراض

لا يواجه مرضى الأمراض النادرة نقصاً في العلم بقدر ما يواجهون نقصاً في القدرة على الوصول إلى نتائجه. ففي وقت تحقق فيه المختبرات الطبية قفزات غير مسبوقة في تطوير علاجات لأمراض كانت تُعد مستعصية قبل سنوات قليلة، يجد آلاف المرضى أنفسهم أمام مفارقة قاسية: الدواء موجود، لكن الوصول إليه ليس متاحاً للجميع.

وتثير هذه المفارقة سؤالاً حقوقياً يتجاوز حدود الطب والاقتصاد: هل يبقى العلاج حقاً إنسانياً عندما يصبح ثمنه خارج قدرة معظم المرضى؟ وبين التطور العلمي وارتفاع أسعار الأدوية النادرة، تتسع الفجوة بين ما أصبح ممكناً طبياً وما هو متاح فعلياً للمرضى.

وتبرز الولايات المتحدة ومصر ولبنان بوصفها نماذج مختلفة لهذه الإشكالية؛ فالأولى تمثل سوقاً متقدمة تقود الابتكار الدوائي عالمياً، في حين تكشف مصر ولبنان التحديات التي تواجهها الدول متوسطة ومنخفضة الموارد في توفير علاجات مرتفعة الكلفة لمرضى يحتاجون إليها للبقاء على قيد الحياة.

أرقام تكشف حجم التحدي

تشير تقديرات المنظمة الوطنية الأمريكية للأمراض النادرة إلى وجود نحو 30 مليون شخص يعانون أمراضاً نادرة في الولايات المتحدة، في حين تقدر الدراسات الدولية عدد المصابين بالأمراض النادرة حول العالم بنحو 300 مليون شخص.

ورغم أن كل مرض نادر يصيب عدداً محدوداً من المرضى، فإن العدد الإجمالي للمصابين يجعل القضية واحدة من أبرز التحديات الصحية العالمية المرتبطة بالعدالة في الوصول إلى العلاج.

وفي الولايات المتحدة، حيث يُطوَّر بعض أكثر العلاجات تقدماً في العالم، تجاوزت أسعار بعض العلاجات الجينية المخصصة للأمراض النادرة حاجز المليوني دولار للمريض الواحد، ما جعل النقاش حول الحق في العلاج يتداخل بصورة متزايدة مع قضايا التأمين الصحي والعدالة الاجتماعية.

الولايات المتحدة.. الابتكار باهظ الثمن

يرى الدكتور حسونة فضيلة، رئيس الجامعة الأمريكية في تونس، أن فهم تكلفة العلاج في الولايات المتحدة يتطلب النظر إلى بنية النظام الصحي بأكملها. فطالب الطب الأمريكي قد يتخرج وهو مثقل بديون دراسية ضخمة نتيجة ارتفاع رسوم التعليم الطبي، وهو ما ينعكس لاحقاً على تكلفة الخدمات الصحية.

ويشير في حديثه لـ”صفر” إلى أن نظام التأمين الصحي، رغم توسعه، لا يغطي في كثير من الحالات جميع الأعباء العلاجية، بل يترك جزءاً مهماً من التكلفة على عاتق المرضى أنفسهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعلاجات المتخصصة أو الأدوية مرتفعة الثمن.

وفي هذا السياق أثار برنامج “أوباما كير” نقاشات واسعة داخل الولايات المتحدة بين من يرى أن الرعاية الصحية حق يجب أن يحصل عليه الجميع، ومن ينظر إليها من زاوية اقتصادية تربط حجم التغطية والمسؤولية الفردية عن السلوك الصحي.

لبنان ومصر.. تحديات مختلفة

في لبنان، أدت الأزمة الاقتصادية وتراجع قيمة العملة المحلية إلى تعقيد وصول المرضى إلى الأدوية المستوردة، خاصة تلك المخصصة للأمراض المزمنة والنادرة. وتشير تقارير صادرة عن منظمات صحية محلية ودولية إلى أن كثيراً من المرضى واجهوا صعوبات متزايدة في الحصول على أدويتهم بسبب ارتفاع الأسعار أو انقطاع بعض الأصناف من الأسواق.

أما في مصر، فرغم الجهود الحكومية لتوسيع مظلة التأمين الصحي ودعم علاج بعض الأمراض النادرة، ما تزال تكلفة العلاجات الحديثة تمثل تحدياً كبيراً أمام عدد من المرضى وأسرهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأدوية المستوردة أو الفحوصات المتخصصة المرتفعة الكلفة.

وتؤكد جمعيات معنية بمرضى الأمراض النادرة أن بعض العائلات تضطر إلى الاعتماد على حملات التبرع أو المساعدات الخيرية لتغطية تكاليف العلاج، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين الاحتياجات الصحية والإمكانات المتاحة.

الصحة حق وليست امتيازاً

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الوصول إلى الأدوية الأساسية والعلاجات الفعالة يمثل جزءاً لا يتجزأ من الحق في الصحة، محذرة من أن التفاوت في القدرة على الحصول على العلاج يؤدي إلى تعميق الفوارق الصحية والاجتماعية بين الأفراد والدول.

وفي هذا السياق شددت المديرة العامة السابقة لمنظمة الصحة العالمية مارغريت تشان على أن “الحصول على الأدوية الأساسية حق إنساني أساسي وليس امتيازاً”، وهي عبارة أصبحت مرجعاً رئيسياً في النقاشات المتعلقة بالعدالة الدوائية حول العالم.

ويرى مختصون في أخلاقيات الطب أن قضية الأدوية النادرة تضع الحكومات وشركات الأدوية أمام معادلة معقدة: فمن جهة تحتاج الشركات إلى استرداد تكاليف البحث والتطوير وتشجيع الابتكار، ومن جهة أخرى يحتاج المرضى إلى علاجات قد تكون الخيار الوحيد لإنقاذ حياتهم.

هل يمكن شراء الحق في الحياة؟

يشير الدكتور حسونة فضيلة إلى ظاهرة متنامية تُعرف بالسياحة العلاجية، حيث يتجه بعض الأمريكيين إلى دول مثل الهند وماليزيا وإندونيسيا وتركيا للحصول على خدمات طبية وجراحية بكلفة أقل بكثير من تلك المتاحة داخل الولايات المتحدة.

ويعكس هذا الواقع مفارقة لافتة؛ فحتى في الدول التي تقود الابتكار الطبي عالمياً، قد يصبح العلاج بعيد المنال بالنسبة إلى بعض المرضى بسبب كلفته المرتفعة.

وتكشف قضية الأدوية النادرة أن التقدم العلمي وحده لا يكفي لضمان الحق في الصحة. فبين المختبرات التي تطور علاجات جديدة والمرضى الذين ينتظرونها، يبقى التحدي الحقيقي في ضمان ألا تتحول القدرة على الدفع إلى معيار يحدد من يملك فرصة العلاج ومن يُحرم منها. وعندما يصبح الوصول إلى الدواء مرتبطاً بالحسابات الاقتصادية أكثر من الحاجة الطبية، يتحول أحد أبسط الحقوق الإنسانية إلى امتياز لا يملكه الجميع.