في كل أربع سنوات، يتوقف العالم أمام الحدث الرياضي الأكبر؛ كأس العالم، حيث تمتلئ الشوارع بالمشجعين، وتُرفع الأعلام، وتتحول الساحات والميادين إلى فضاءات للاحتفال بلعبة تجمع الشعوب على اختلاف ثقافاتها ولغاتها.
لكن مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، يبدو المشهد في قطاع غزة على النقيض تمامًا، فالحرب المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف العام لم تترك مساحة لكرة القدم، بعدما دفعت الرياضة إلى هامش الحياة، وحوّلت الملاعب إلى مراكز لإيواء النازحين، والأحلام الرياضية إلى معركة يومية من أجل البقاء.
ولم تعد المدرجات تستقبل الجماهير، ولا الملاعب تحتضن اللاعبين، بينما استبدل الأطفال الركض خلف الكرة بالبحث عن الماء والغذاء، أو عن بقعة آمنة بين الخيام والركام.
وفي هذه المفارقة، لا تبدو القضية مرتبطة بالرياضة وحدها، بل بحرمان مئات آلاف الفلسطينيين من حق إنساني تكفله المواثيق الدولية.
الرياضة ليست ترفًا
قد ينظر البعض إلى الرياضة باعتبارها نشاطًا ترفيهيًا يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات، إلا أن القانون الدولي يتعامل معها بوصفها حقًا أصيلًا.
وتكفل المادة (31) من اتفاقية حقوق الطفل حق الطفل في الراحة ووقت الفراغ، وممارسة اللعب والأنشطة الترفيهية المناسبة لسنه، والمشاركة بحرية في الحياة الثقافية والفنية، انطلاقًا من دور اللعب في النمو الجسدي والنفسي والاجتماعي.
ويؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حق كل إنسان في المشاركة في الحياة الثقافية، وهو حق فسّرته هيئات الأمم المتحدة بأنه يشمل الأنشطة الرياضية باعتبارها جزءًا من الحياة الثقافية للمجتمعات.
وفي عام 1978، اعتمدت اليونسكو الميثاق الدولي للتربية البدنية والنشاط البدني والرياضة، الذي اعتبر ممارسة الرياضة حقًا أساسيًا لكل إنسان، بصرف النظر عن ظروفه الاجتماعية أو السياسية.
غير أن هذه الضمانات القانونية تبدو بعيدة عن واقع غزة، حيث لم يعد السؤال يتعلق بتطوير الرياضة أو اكتشاف المواهب، بل بإيجاد مساحة آمنة يستطيع طفل أن يركل فيها كرة دون أن يخشى القصف أو النزوح.
أهالي غزة يشاهدون كأس العالم وسط الدمار
عندما تُذكر آثار الحرب على غزة، تتجه الأنظار غالبًا إلى المنازل والمستشفيات والمدارس، بينما يحظى القطاع الرياضي باهتمام أقل، رغم أنه تعرض لخسائر واسعة.
وألحقت الحرب الإسرائيلية دمارًا كبيرًا بالبنية الرياضية، إذ دُمّرت أو تضررت عشرات الملاعب والصالات الرياضية ومقار الأندية، وتوقفت البطولات المحلية، وتعطل عمل الأكاديميات الرياضية، وانقطعت برامج اكتشاف المواهب وتدريب الأطفال.
ولم تقتصر الخسائر على المنشآت، بل طالت الكوادر الرياضية أيضًا، إذ فقدت الأسرة الرياضية الفلسطينية عددًا كبيرًا من اللاعبين والمدربين والإداريين، فيما اضطر آخرون إلى النزوح أو التوقف عن ممارسة نشاطهم الرياضي.
وتعكس الأرقام حجم الكارثة؛ إذ تجاوز عدد قتلى الأسرة الرياضية الفلسطينية ألف قتيل حتى فبراير 2026، بينهم مدرب المنتخب الأولمبي الفلسطيني هاني المصدر، ولاعب منتخب فلسطين لكرة القدم الشاطئية محمد بركات، ولاعب المنتخب الفلسطيني السابق سليمان العبيد، كما طال الدمار نحو 90% من البنية التحتية الرياضية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في النشاط الرياضي.
ويؤكد أمين عام الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، مصطفى صيام، أن 285 منشأة رياضية، تضم ملاعب وأندية وصالات وأكاديميات، تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي خلال الحرب.
ويضيف صيام لـ”صفر” أنّ ما تبقى من نحو 56 منشأة تحول إلى مراكز لإيواء آلاف النازحين، فيما دُمّرت الملاعب العشبية العشرة التي كانت تستضيف مسابقات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، إلى جانب توقف بطولات كرة القدم الخماسية والشاطئية بعد تدمير مرافقها.
ويشير إلى أنّ استهداف المنشآت الرياضية حرم آلاف الأطفال والشباب من حقهم في ممارسة الرياضة، وحوّل فضاءات كانت تمثل متنفسًا للحياة إلى أماكن للنزوح والركام.
وفي ظل أولوية تأمين الاحتياجات الأساسية، تجمدت الحياة الرياضية في القطاع بصورة شبه كاملة.
حين تتحول الملاعب إلى مراكز إيواء
في أوقات السلم، تمثل الملاعب العامة فضاءات للرياضة والتلاقي والأنشطة المجتمعية، أما في غزة فقد تبدلت وظيفتها بالكامل.
ويجسد ملعب “اليرموك” هذا التحول بوضوح؛ فبعدما كان يحتضن المباريات والبطولات، أصبح مخيمًا مكتظًا بالخيام، في صورة تختزل كيف امتدت آثار الحرب إلى الفضاءات المخصصة للحياة والرياضة.
المدرجات التي كانت تضج بالجماهير تحوّلت إلى أماكن لنشر الأغطية والملابس، وغرف اللاعبين أصبحت مخازن للمساعدات الإنسانية، فيما غابت صافرة الحكم لتحل محل أصوات الطائرات والانفجارات.
ولا يعكس هذا التحول حجم الدمار فحسب، بل يكشف أيضًا كيف فقدت المدينة مساحاتها العامة، التي تشكل عنصرًا أساسيًا في حياة أي مجتمع.
حتى الكرة فقدها الفلسطينيون
يقف المواطن الغزي نسيم الزين متأملًا المكان الذي اعتاد أن يصطحب إليه أطفاله لمشاهدة المباريات واللعب.
ويقول لـ”صفر”: “قبل الحرب كان أطفالي يحملون الكرة ويقضون ساعات في اللعب، أما اليوم فنأتي إلى المكان نفسه بحثًا عن مأوى، إذ لم يعد هناك ملعب، ولا حتى مساحة صغيرة يركضون فيها”.
ويضيف الزين: “كنا نجتمع مع الجيران لمتابعة مباريات كأس العالم وتشجيع المنتخبات، أما الآن فأولويتنا تأمين الماء والطعام، وحتى مشاهدة مباراة أصبحت حلمًا مع انقطاع الكهرباء واستمرار النزوح”.
ويختم حديثه: “أقسى ما في الأمر أن الأطفال لم يفقدوا منازلهم فقط، بل فقدوا طفولتهم أيضًا، وحين يسألني ابني: متى سنعود إلى الملعب؟ لا أجد جوابًا”.
أطفال بلا ملعب ولا طفولة
تكشف مشاهد النزوح وحدها حجم ما خسره أطفال غزة؛ فالكرة التي كانت ترافقهم في الأزقة والساحات اختفت، لتحل محلها أحاديث عن المياه والخيام وفقدان الأحبة.
وبدلًا من انتظار مباراة نهاية الأسبوع أو التدريب بعد المدرسة، أصبح كثير من الأطفال يقضون أيامهم في مراكز الإيواء أو بين أنقاض منازلهم.
ويرى مختصون في الصحة النفسية أن اللعب ليس ترفًا، بل وسيلة أساسية للتعامل مع الضغوط والصدمات، واستعادة الشعور بالأمان والانتماء.
وتساعد الرياضة الأطفال على استعادة جزء من حياتهم الطبيعية بعد النزاعات، ويؤدي حرمانهم منها لفترات طويلة إلى مضاعفة الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب.
وتؤكد الأخصائية النفسية للأطفال داليا مشعل أنّ فقدان الملاعب لا يعني خسارة مساحة للترفيه فحسب، بل حرمان الأطفال من إحدى أهم وسائل التعافي النفسي.
وتقول لـ”صفر”: “اللعب وسيلة للتعبير عن المشاعر والتخفيف من آثار الصدمات، وعندما يُحرم الطفل منه تتفاقم مشاعر الخوف والقلق والعزلة، خصوصًا في ظل النزوح المستمر وفقدان الأمان”.
وتضيف مشعل أنّ الرياضة كانت تمثل متنفسًا لآلاف الأطفال في غزة، لكنها أصبحت شبه غائبة مع تدمير الملاعب وتحول كثير منها إلى مراكز إيواء.
وتشدد على أنّ توفير مساحات آمنة للعب والأنشطة الرياضية يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي استجابة إنسانية، إلى جانب الغذاء والتعليم والرعاية الصحية.
المونديال مناسبة لقياس الفقد
لطالما كانت كرة القدم في غزة مساحة للهروب من ضغوط الحياة اليومية؛ إذ كانت المقاهي تمتلئ بالمشجعين خلال البطولات الكبرى، وتنتشر الأعلام في الشوارع، ويتنافس الأطفال في تقليد أهداف نجومهم المفضلين.
أما اليوم، فيجد كثير من سكان القطاع أنفسهم خارج هذا المشهد، لا لأنهم فقدوا شغفهم بكرة القدم، بل لأن الحرب أعادت ترتيب أولوياتهم قسرًا.
وحتى متابعة مباريات كأس العالم أصبحت مهمة شاقة في ظل انقطاع الكهرباء، وضعف خدمات الإنترنت، واستمرار النزوح، وفقدان كثير من الأسر لأجهزتها المنزلية.
الرياضة كوسيلة للتعافي
تؤكد تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن إعادة الإعمار لا تقتصر على إزالة الأنقاض وإصلاح البنية التحتية، بل تشمل أيضًا إعادة الحياة إلى المدارس والجامعات والمراكز الثقافية والملاعب.
فالرياضة ليست مجرد منافسة، بل أداة لتعزيز الصحة النفسية، وتقوية التماسك المجتمعي، وتهيئة مساحات آمنة للأطفال والشباب.
ولهذا، تُدرج منظمات دولية عديدة البرامج الرياضية ضمن خطط التعافي بعد الحروب، باعتبارها وسيلة لإعادة دمج الأطفال والشباب في الحياة الطبيعية، والتخفيف من آثار الصدمات النفسية.
وفي الحالة الفلسطينية، تبدو الحاجة إلى هذه البرامج أكثر إلحاحًا، بالنظر إلى حجم الدمار الذي لحق بالمجتمع، والأعداد الكبيرة من الأطفال الذين عاشوا الحرب والنزوح وفقدان أفراد من أسرهم.
ما بعد صافرة النهاية
ستنتهي مباريات كأس العالم بعد أسابيع، وسيحتفل العالم ببطل جديد، لكن غزة ستبقى تواجه معركة مختلفة؛ معركة استعادة الحياة.
فالحق في الرياضة ليس منفصلًا عن الحق في التعليم والصحة والثقافة والحياة الكريمة، بل يشكل جزءًا من حق الأطفال في النمو داخل بيئة آمنة تسمح لهم باللعب والتعلم والحلم.
وربما تكمن المفارقة الأكثر قسوة في أن البطولة التي تحتفي بقيم الفرح والمنافسة تتزامن مع حرمان مئات آلاف أطفال غزة من أبسط حقوقهم؛ الركض خلف كرة، أو ارتداء قميص فريقهم المفضل، أو الجلوس مع أسرهم لمشاهدة مباراة.
لقد فقدت غزة أكثر من ملاعبها؛ فقدت المساحات التي كانت تصنع الذكريات، وتحتضن المواهب، وتمنح الأطفال والشباب متنفسًا للحياة وسط واقع مثقل بالأزمات.
وحين يأتي يوم إعادة الإعمار، لن يكون بناء ملعب جديد مجرد مشروع هندسي، بل استعادة لحق إنساني غاب طويلًا، ورسالة بأن الحياة لا تكتمل إلا عندما يستعيد الأطفال حقهم في اللعب، وتستعيد المجتمعات حقها في الفرح






