منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أزمة اجتماعية وشيكة.. انسحابات من سوق العمل وتراجع فرص التشغيل في بريطانيا

29 أبريل 2026
أزمة اجتماعية مرتقبة في بريطانيا بسبب تراجع فرص العمل
أزمة اجتماعية مرتقبة في بريطانيا بسبب تراجع فرص العمل

في بلد طالما قُدِّم كنموذج لاقتصاد السوق المرن، تبدو سوق العمل البريطانية اليوم كمرآة متشققة؛ تعكس أرقامها صورة اقتصادٍ يتماسك من الخارج، لكنه يتآكل من الداخل.

فبينما تُظهر البيانات الرسمية انخفاضاً مفاجئاً في معدل البطالة، تكشف التفاصيل الدقيقة تراجعاً في الوظائف، وانكماشاً في فرص العمل، وتباطؤاً في الأجور، وارتفاعًا في أعداد من غادروا سوق العمل أصلاً.

هذه الأرقام لا تُقرأ فقط بمنطق الاقتصاد، بل بمنظار الحقوق أيضاً، هل لا يزال “لحق في العمل”، مصوناً حين يصبح العثور على وظيفة مستقرة أكثر صعوبة؟ وهل تستطيع السياسات الاقتصادية البريطانية، وسط الحروب الخارجية وارتفاع الطاقة والضرائب، أن تحمي العمال من السقوط في فراغ البطالة أو هشاشة العمل المؤقت؟

وفق أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني الصادرة في أبريل 2026، انخفض عدد العاملين على كشوف الرواتب بمقدار 11 ألف وظيفة في مارس 2026، بعد انخفاض بنحو 6 آلاف وظيفة في فبراير، بينما تراجعت الوظائف الشاغرة إلى 711 ألف وظيفة، وهو أدنى مستوى منذ أبريل 2021، وفي الوقت ذاته تباطأ نمو الأجور الأساسية إلى 3.6%، وهو الأضعف منذ أواخر 2020.

هذه المؤشرات مجتمعة ترسم ملامح سوق عمل يدخل مرحلة “البرودة القسرية”، حيث يتراجع التوظيف، وتضعف القوة التفاوضية للعمال، وتتآكل ضمانات الاستقرار المعيشي.

انخفاض البطالة رقم مضلل

قد يبدو تراجع معدل البطالة في بريطانيا إلى 4.9% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير 2026 خبراً إيجابياً، مقارنة بـ5.2% في الفترة السابقة، لكن قراءة أكثر عمقاً تكشف أن هذا الانخفاض لم يكن نتيجة خلق وظائف جديدة، بل بسبب ارتفاع عدد الأشخاص “غير النشطين اقتصادياً”، أي الذين توقفوا عن البحث عن عمل.

وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني أن عدد غير النشطين اقتصادياً ارتفع بنحو 169 ألف شخص خلال الفترة نفسها، لترتفع نسبة الخمول الاقتصادي إلى 21% مقابل 20.7% سابقا، وكانت الفئة الأكثر مساهمة في هذه الزيادة هي الطلاب الذين توقفوا عن البحث عن وظائف أثناء الدراسة.

حقوقياً، هذا التحول مقلق لأن انخفاض البطالة الناتج عن انسحاب الناس من سوق العمل لا يعني تحسناً في الحق في العمل، بل قد يعكس يأساً متزايداً من القدرة على إيجاد وظيفة مناسبة أو مستقرة.

وبحسب خبراء سوق العمل، فإن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى اتساع دائرة “الفقر الوظيفي”، حيث لا يكون الفرد عاطلاً رسمياً، لكنه أيضاً لا يملك دخلاً أو فرصة حقيقية للعمل. وهنا يتحول الحق في العمل من ضمانة قانونية إلى مجرد رقم إحصائي قابل للتأويل.

أبواب العمل تضيق

إذا كانت البطالة تُخفي جزءاً من الصورة، فإن بيانات الوظائف الشاغرة تكشف الجزء الأكثر قسوة. فقد انخفض عدد الوظائف المتاحة في بريطانيا إلى 711 ألف وظيفة بين يناير ومارس 2026، وهو أدنى مستوى منذ نحو خمس سنوات، بحسب مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني.

وفي مارس 2026، تراجعت الوظائف الشاغرة بمقدار 10 آلاف وظيفة مقارنة بالفترة السابقة، فيما انخفضت الإعلانات الوظيفية في معظم القطاعات، خصوصاً البناء، والتجزئة، والضيافة، والخدمات الإدارية.

كما أظهرت بيانات KPMG/REC أن عدد المتقدمين للوظائف الدائمة ارتفع بأسرع وتيرة في أربعة أشهر خلال ديسمبر 2025، في وقت استمرت فيه الوظائف الشاغرة بالتراجع، ما زاد من حدة المنافسة بين الباحثين عن العمل.

هذا الانكماش يضعف عملياً قدرة العمال على التفاوض بشأن الأجور وظروف العمل. فمن منظور حقوقي، كلما قلّ عدد الفرص، زادت هشاشة العامل وقبوله بشروط أقل عدالة.

القدرة الشرائية تتآكل

في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة والطاقة، جاءت ضربة أخرى للعمال البريطانيين من بوابة الأجور، فقد تباطأ نمو متوسط الأجور الأسبوعية  باستثناء المكافآت إلى 3.6% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير 2026، مقارنة بـ 3.8% في الفترة السابقة، وهو أبطأ معدل نمو منذ أواخر 2020.

أما أجور القطاع الخاص فتراجعت وتيرة نموها إلى 3.2%، وهو مستوى لا يزال أعلى قليلاً من الحد الذي يعتبره بنك إنجلترا متوافقاً مع هدف التضخم البالغ 2%.

لكن المشكلة أن التضخم مرشح للارتفاع مجدداً إلى 3.3% في مارس 2026، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة بعد الحرب الإيرانية، ما يعني أن نمو الأجور الحقيقي قد يتآكل سريعاً.

هذا التآكل يهدد “الحق في أجر عادل وكافٍ للمعيشة”، وهو حق منصوص عليه في المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فالعامل الذي يحتفظ بوظيفته لكنه يفقد قدرته على تغطية احتياجاته الأساسية، يصبح عملياً في دائرة الهشاشة الاقتصادية.

وبحسب بيانات برايتمين الصادرة في أبريل 2026، فإن زيادات الأجور في الربع الأول بلغت 3.5% فقط، مع مؤشرات على مزيد من التباطؤ في أبريل إلى 3%

من يحمي الحق في العمل؟

لم تأتِ هذه الأزمة من فراغ فالسوق البريطانية تتعرض لضغوط مزدوجة: داخلية وخارجية.

داخلياً، تواجه الشركات ارتفاعاً في الضرائب على الرواتب، وزيادة في تكاليف الامتثال للتشريعات العمالية الجديدة، وارتفاع الحد الأدنى للأجور، وخارجياً، أدت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران منذ 28 فبراير 2026 إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما زاد تكاليف الإنتاج والتشغيل.

وحذّر صندوق النقد الدولي من أن بريطانيا ستكون من بين أكثر الاقتصادات المتقدمة تضرراً من صدمة الطاقة، وخفّض توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني إلى 0.8% في 2026 بدلاً من 1.3%، متوقعاً ارتفاع البطالة إلى 5.6% خلال العام.

وفي المقابل، يجد بنك إنجلترا نفسه أمام معادلة صعبة، رفع الفائدة لكبح التضخم، أو تثبيتها لحماية النمو وسوق العمل وفي كلتا الحالتين، يدفع العمال الثمن أولاً.

متغيرات اقتصادية وجيوسياسية

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة جامعة الأزهر، الدكتور صلاح الدين فهمي، إن التراجع الذي تشهده سوق العمل البريطانية في الفترة الراهنة، وما يصاحبه من انخفاض في الوظائف وتراجع فرص العمل، يرتبط بصورة مباشرة بجملة من المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، وفي مقدمتها قطاعات الاتصالات، والنقل، والخدمات اللوجستية، والسياحة.

وأوضح فهمي في تصريحات خاصة لـ“صفر”، أن الظروف العالمية الراهنة، وما وصفه بـ”التحول من الجيوسياسي إلى الجيو-اقتصادي”، نتيجة تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وامتدادها إلى لبنان واليمن ودول الخليج، خلقت حالة من الارتباك الاقتصادي العالمي، انعكست على الاقتصادات الأوروبية، وخاصة الاقتصاد البريطاني.

وأضاف أن الحرب الحالية وعدم الاستقرار السياسي والعسكري والاقتصادي أثّرت بشكل مباشر على الأعمال المرتبطة بالنقل البحري، والسفن، والخدمات اللوجستية، وحركة التجارة الدولية، مشيراً إلى أن بريطانيا بحكم انفتاحها التجاري واعتمادها على سلاسل الإمداد العالمية، تعد من أكثر الدول تأثراً بهذه الصدمات.

وأشار إلى أن الصدمات الخارجية باتت تنتقل بسرعة غير مسبوقة بين الاقتصادات العالمية، موضحاً أنه في السابق كانت آثار الأزمات تحتاج إلى وقت حتى تنتقل من دولة إلى أخرى، أما الآن، ففي ظل الترابط الاقتصادي العالمي، فإن أي صدمة في منطقة ما تنعكس فوراً على الأسواق الدولية، بما فيها سوق العمل.

وأكد فهمي أن أي تصعيد إضافي في المنطقة من شأنه أن يفاقم حالة الارتباك الاقتصادي العالمي، سواء من خلال تقلبات أسعار النفط والطاقة، أو اضطراب أسعار العملات، وعلى رأسها الدولار، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف المعيشة ومستويات التشغيل وفرص العمل.

وأضاف أن أحد الأسباب الجوهرية أيضاً يتمثل في عدم التوافق الكامل بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، مشيراً إلى أن بريطانيا، رغم امتلاكها قاعدة عمالية واسعة، تعاني من نقص في العمالة الماهرة في بعض الصناعات الحيوية، ما يضطرها إلى استقدام عمالة أجنبية، وهو ما يخلق تحديات إضافية تتعلق بالإدارة، والتأقلم المجتمعي، والأمن، والرواتب.

وأوضح أن نقص العمالة الماهرة يضغط على الأجور ويرفع تكلفة التشغيل، وفي المقابل قد تلجأ بعض الشركات إلى تقليص العمالة أو إعادة توزيع الأدوار الوظيفية للحد من النفقات.

وأضاف أن بعض الحكومات أو أصحاب الأعمال قد يلجؤون إلى ما يعرف اقتصادياً بـ”وهم المال” أو “Money Illusion”، عبر زيادة الأجور النقدية شكلياً، بينما تتآكل القيمة الحقيقية لهذه الزيادات بفعل التضخم وارتفاع الأسعار، ما يجعل العامل يشعر بتحسن ظاهري فقط، دون تحسن فعلي في مستوى معيشته.

وفي ما يتعلق بالخدمات الاجتماعية، أشار فهمي إلى أن بعض الدول، مثل الولايات المتحدة، تطبق أنظمة دعم واضحة للعاطلين عن العمل، سواء لأسباب صحية أو نتيجة فقدان الوظيفة، من خلال مكاتب العمل وبرامج التعويض المؤقت، لكنه شدد على أن هذه الحلول لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن الوظيفة المستقرة.

وأضاف أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء، والخضراوات، والدواء، والخدمات، نتيجة ارتفاع أسعار النفط والطاقة، يضاعف الضغوط على الأسر، لافتاً إلى أن أخطر ما في موجات التضخم أنها ترفع الأسعار بسرعة، بينما يكون من الصعب للغاية عودتها إلى مستوياتها السابقة.

واختتم فهمي تصريحه بالتأكيد على أن الحلول لا بد أن تكون شاملة، عبر وضع خطط اقتصادية وتعليمية متوسطة المدى، تمتد من خمس إلى سبع سنوات، لإعادة مواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتأهيل الشباب للوظائف الجديدة، خاصة في المجالات التكنولوجية والرقمية.

الأمان الوظيفي في مهب الأزمات

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي، الدكتور خالد الشافعي، إن التراجع الذي تشهده سوق العمل البريطانية خلال الفترة الأخيرة لا يمكن فصله عن التطورات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، وفي مقدمتها تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد حول العالم، ما انعكس بشكل مباشر على معدلات التشغيل وفرص العمل في بريطانيا.

وأوضح الشافعي، في تصريحات خاصة لـ“صفر”، أن بريطانيا، شأنها شأن كثير من الاقتصادات الكبرى، تأثرت خلال شهر مارس والأشهر الماضية بتداعيات الحرب، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة والأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز، حيث يمر نحو 20% من حجم الطاقة العالمية، إلى جانب ما يقرب من ثلث تجارة الأسمدة المتجهة إلى دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما تسبب في اضطرابات واسعة في حركة التجارة الدولية.

وأضاف أن هذه التطورات أدت إلى تباطؤ حركة سلاسل الإمداد والتوريد، وارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، وهو ما انعكس سلباً على اقتصادات العالم أجمع، عبر إبطاء معدلات النمو وتقليص قدرة المصانع والوحدات الإنتاجية على التشغيل بكفاءة عالية، الأمر الذي يدفع كثيراً من الشركات إلى خفض العمالة أو تجميد التوظيف.

وأشار إلى أن التأثير لم يقتصر على بريطانيا وحدها، بل امتد إلى معظم اقتصادات العالم، إلا أن بريطانيا تبدو أكثر حساسية لهذه المتغيرات بحكم اعتمادها الكبير على التجارة الخارجية والطاقة المستوردة، ما يجعل سوق العمل فيها أكثر عرضة للتقلبات.

وحول تأثير تراجع الأمان الوظيفي على الحقوق الاجتماعية للأفراد، قال الشافعي، إن فقدان الوظيفة أو غياب الاستقرار المهني ينعكس مباشرة على مستوى معيشة المواطن وعلى الاستقرار الأسري والنفسي، موضحاً أن العمل لا يمثل فقط مصدراً للدخل، بل يمثل أيضاً عنصر أمان وطمأنينة واستقرار داخل الأسرة والمجتمع.

وأشار إلى أن غياب الوظائف يدفع الأفراد إلى الاعتماد على الإعانات الحكومية أو المساعدات الاجتماعية، وهي وإن كانت تخفف من وطأة الأزمة، فإنها لا تعوض الشعور بالأمان والاستقلال الاقتصادي الذي تمنحه الوظيفة المستقرة.

وأضاف أن غياب مصدر دخل ثابت ومنتظم يخلق حالة من القلق وعدم اليقين، ويؤثر سلباً على قدرة الأسر على توفير مستوى معيشي لائق، كما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية ونفسية واسعة النطاق.

وشدد على ضرورة توفير مظلة حماية اجتماعية قوية للأشخاص الذين فقدوا وظائفهم، بما يضمن استمرار حصولهم على مزايا أو دخول قريبة من مستويات أجورهم السابقة، حفاظاً على الاستقرار الأسري والنفسي، ومنع حدوث اختلالات اجتماعية داخل المجتمع البريطاني.

وفي ما يتعلق بالحلول المقترحة لإعادة الثقة إلى سوق العمل، أوضح الشافعي أن الخطوة الأولى تبدأ بفهم متطلبات السوق الجديدة، وتحديد المهارات التي يحتاجها أصحاب الأعمال، ومقارنتها بقدرات ومهارات العمال الحاليين.

وأشار إلى أهمية إطلاق برامج تدريب وتأهيل مهني متطورة لإعادة صقل مهارات العمال وتمكينهم من شغل الوظائف الجديدة، خصوصاً في القطاعات التي تشهد نمواً أو تحولاً تقنياً متسارعاً.

وأضاف أن خلق حالة من التفاعل والتواصل بين أصحاب الأعمال والعمال والجهات الحكومية من شأنه أن يسهم في سد الفجوات داخل سوق العمل، والحد من هشاشته، واستعادة الثقة بين أطراف المنظومة كافة.

واختتم الشافعي تصريحه بالتأكيد أن بناء سوق عمل قوي ومستقر يتطلب منظومة متكاملة تقوم على التدريب، والدعم، والحماية الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار، بما يحقق التوازن بين مصالح العمال وأصحاب الأعمال، ويضمن استدامة النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي في بريطانيا.