منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

يوم العمال العالمي في زمن الأزمات.. ملايين يواجهون الفقر والهشاشة رغم عقود من النضال

01 مايو 2026
الاحتفال بيوم العمال العالمي
الاحتفال بيوم العمال العالمي

يحل الأول من مايو هذا العام فيما يواجه ملايين العمال حول العالم واقعا معقدا يتسم بتصاعد الأزمات الاقتصادية واتساع رقعة النزاعات وتزايد الضغوط على أسواق العمل، في وقت يفترض أن يكون هذا اليوم مناسبة للاحتفاء بالإنجازات العمالية والتذكير بحقوق العمل اللائق والعدالة الاجتماعية، ويأتي الاحتفال في أكثر من مئة دولة وسط تحذيرات أممية من تراجع مكتسبات تاريخية تحققت عبر عقود من النضال.

تاريخ النضال العمالي

يعود تاريخ يوم العمال العالمي إلى احتجاجات العمال في مدينة شيكاغو عام 1886 للمطالبة بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميًا، وهو ما أصبح لاحقًا معيارا عالميا وقد تحوّل هذا اليوم إلى رمز للنضال العمالي والعدالة الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم وفق منظمة العمل الدولية.

رغم مرور عقود على إقرار العديد من الحقوق العمالية، تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة العمل الدولية إلى أن التحديات لا تزال قائمة، بل تتفاقم في ظل الأزمات الاقتصادية والحروب والتحولات التكنولوجية.

جدير بالذكر أن أكثر من 80% من دول العالم اتخذت 1 مايو يوماً لتكريم العمال على عملهم الدؤوب وجهدهم في بناء الأوطان، حيث تحتفل هذه الدول بهذا اليوم كعطلة رسمية وتستعد لسماع مطالباتهم في الحقوق التي تتعلق بالأجور أو ساعات العمل.

ويحتفي بهذا اليوم في العالم العربي: الأردن، والإمارات العربية المتحدة، والسعودية، ومصر، والجزائر، والمغرب، وفي أوروبا كل من فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وروسيا، وفي آسيا: الصين، والهند، وتركيا، وإندونيسيا، وفي أمريكا اللاتينية: البرازيل، والأرجنتين، والمكسيك.

تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض الدول الأخرى في العالم تحتفل بهذا اليوم لكن بتاريخ مختلف حسب بعض القوانين والظروف السائدة بها، حيث اتخذت الولايات المتحدة وكندا أول يوم اثنين من شهر سبتمبر كتاريخ الاحتفال بيوم العمال العالمي، كما تحتفل أستراليا بهذا اليوم حسب الولاية، إذ إن لكل ولاية يوماً مخصصاً للاحتفال وهو غالباً في مارس أو مايو.

تكشف أحدث بيانات تقرير آفاق التوظيف العالمي لعام 2025 الصادر عن منظمة العمل الدولية أن نحو ملياري شخص يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، أي ما يقارب 60 بالمئة من القوى العاملة عالميًا، ما يحرمهم من الحماية الاجتماعية، كما يقدّر التقرير عدد العاطلين عن العمل بأكثر من 214 مليون شخص حول العالم.

وتوضح بيانات تقرير التنمية البشرية لعام 2024 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 1.1 مليار شخص يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، فيما يواجه مئات الملايين من العمال صعوبة في تأمين احتياجاتهم الأساسية رغم عملهم.

العمال الفقراء واتساع الفجوة

تشير منظمة العمل الدولية في تقاريرها إلى أن أكثر من 630 مليون عامل يعيشون بأقل من 3.2 دولار يوميًا، وهو ما يعكس ظاهرة العمال الفقراء الذين لا يكفي دخلهم لتأمين حياة كريمة، وتؤكد هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة في العديد من الدول. 

الحروب والنزاعات تضاعف المعاناة

أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقرير الاتجاهات العالمية لعام 2025 بأن عدد النازحين قسرًا تجاوز 120 مليون شخص، ما أدى إلى فقدان واسع للوظائف ومصادر الدخل، خاصة في المناطق التي تشهد نزاعات ممتدة.

وفي الأراضي الفلسطينية، أكد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن معدلات البطالة، خاصة في قطاع غزة، شهدت ارتفاعًا حادًا نتيجة تدمير البنية الاقتصادية وقيود الحركة، ما أدى إلى تدهور غير مسبوق في أوضاع العمال.

المنطقة العربية تحت ضغط الأزمات

أوضحت منظمة العمل العربية، في بيانها بمناسبة يوم العمال لعام 2026، أن المنطقة العربية تشهد تصاعدًا في التحديات نتيجة النزاعات والاضطرابات الجيوسياسية، ما انعكس سلبًا على فرص العمل ومستويات الدخل، وزاد من هشاشة الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.

وتعكس مضامين بيان منظمة العمل العربية صورة مركبة للأوضاع العمالية في المنطقة، حيث جمعت بين الإشادة بدور العمال والتحذير من التحديات المتفاقمة التي تهدد استقرار أسواق العمل.

وأكدت المنظمة، في بيانها الرسمي، أن عمال الوطن العربي يواصلون أداء دورهم في البناء والإنتاج رغم قسوة الظروف وتفاقم الأزمات والحروب، معتبرة أن هذه المرحلة تتسم باضطرابات جيوسياسية عميقة ألقت بظلالها على الاقتصادات الوطنية وأثرت بشكل مباشر على فرص العمل ومستويات الدخل وسبل العيش.

وأوضحت المنظمة أن تداعيات النزاعات في عدد من الدول العربية أدت إلى تآكل المكاسب التنموية التي تحققت خلال السنوات الماضية، مع زيادة الضغوط على أسواق العمل وتراجع القدرة على توليد فرص جديدة، إلى جانب تفاقم هشاشة الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، خاصة في ظل ضعف نظم الحماية الاجتماعية في بعض الدول، كما لفت البيان إلى أن هذه الأوضاع انعكست على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ما يهدد بتوسيع دائرة الفقر والبطالة في المنطقة.

وفي سياق إنساني، سلّطت المنظمة الضوء على أوضاع العمال في مناطق النزاع، مشيرة إلى أن العمال في فلسطين يواجهون ظروفًا شديدة القسوة نتيجة القيود المفروضة على الحركة والعمل وتعطل سبل العيش، إلى جانب ما يتعرض له العمال في جنوب لبنان والجولان السوري من ضغوط إضافية نتيجة الاعتداءات المستمرة والتضييق الاقتصادي، وهو ما يمثل انتهاكًا واضحًا للحقوق الأساسية في العمل اللائق والحياة الكريمة.

كما تناول البيان أوضاع فئات مهنية بعينها، خاصة العاملين في قطاعات النقل البحري والخدمات اللوجستية في مناطق التوتر، حيث يواصل هؤلاء أداء مهامهم في بيئات عمل عالية الخطورة، في ظل اضطراب الملاحة وارتفاع المخاطر المهنية، مؤكدة أن هؤلاء العمال يمثلون ركيزة أساسية لاستمرار سلاسل الإمداد العالمية، ما يستدعي توفير حماية دولية عاجلة لهم.

وشددت منظمة العمل العربية على رفضها القاطع لأي اعتداءات تستهدف العمال أو المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية، معتبرة أن ذلك يشكل انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية ويقوض فرص التنمية والاستقرار. كما جددت التزامها بالدفاع عن حقوق العمال وتعزيز مبادئ العدالة الاجتماعية والعمل اللائق، داعية إلى تعزيز التعاون بين الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال لضمان تحسين ظروف العمل وصون الكرامة الإنسانية في مختلف الدول العربية.

كما أشار تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2024 إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تسجل من أعلى معدلات بطالة الشباب عالميًا، حيث تتجاوز النسبة 25 بالمئة في العديد من الدول، ما يشكل تحديًا هيكليًا أمام استقرار أسواق العمل.

المرأة وعمالة الأطفال

تشير بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة لعام 2024 إلى أن معدل مشاركة النساء في سوق العمل عالميًا يبلغ نحو 47 بالمئة مقارنة بـ 72 بالمئة للرجال، مع استمرار فجوة الأجور التي تصل إلى نحو 20 بالمئة في المتوسط.

وفق تقرير مشترك بين منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، لا يزال نحو 160 مليون طفل يعملون حول العالم، نصفهم في أعمال خطرة، ما يمثل تحديًا كبيرًا أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

اقتصاد المنصات والعمل غير المستقر

يشهد اقتصاد المنصات الرقمية توسعًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بالتحول التكنولوجي وتغير أنماط التشغيل، حيث يعتمد ملايين العمال حول العالم على تطبيقات رقمية للحصول على دخلهم. ويشير تقرير مشترك صادر عام 2023 عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي حول قياس العمل عبر المنصات إلى أن هذا النوع من العمل أصبح مكونًا متناميًا في سوق العمل العالمي، رغم صعوبة حصره بدقة بسبب طبيعته غير الرسمية وتعدد أشكاله.

وتكشف بيانات البنك الدولي أن عدد العاملين في اقتصاد العمل الرقمي حول العالم قد يصل إلى نحو 435 مليون شخص، مع ارتفاع الطلب على هذا النوع من العمل بنسبة 41 بالمئة بين عامي 2016 و2023، وهو ما يعكس تحوله إلى مصدر رئيسي للدخل خاصة في الدول النامية.

ورغم هذا النمو، تبرز تحديات جوهرية تتعلق بغياب الاستقرار الوظيفي، حيث يعمل غالبية هؤلاء دون عقود رسمية أو تأمينات اجتماعية أو حماية قانونية، ما يجعلهم عرضة لتقلبات الدخل وساعات العمل غير المنتظمة.

وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نقص البيانات الرسمية حول هذا القطاع يعكس في حد ذاته مشكلة هيكلية، إذ لا تزال أنظمة الإحصاء التقليدية عاجزة عن رصد هذه الفئة بدقة، ما يعوق وضع سياسات فعالة لحمايتهم.

كما تؤكد دراسات اقتصادية أن جائحة كورونا أسهمت في تسريع نمو هذا النمط من العمل، حيث ارتفع عدد العاملين عبر المنصات بشكل ملحوظ، مع تسجيل ما لا يقل عن 5 ملايين عامل في بعض الاقتصادات الكبرى ضمن هذا القطاع بحلول عام 2021، خاصة في مجالات النقل والتوصيل والخدمات الرقمية.

وفي ظل هذه المعطيات، يحذر خبراء من أن اقتصاد المنصات، رغم مساهمته في خلق فرص عمل، قد يعمق هشاشة سوق العمل إذا لم ترافقه إصلاحات تشريعية تضمن حقوق العمال وتوفر لهم الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.

التحول الرقمي ومستقبل الوظائف

يُعد التحول الرقمي أحد أبرز العوامل التي تعيد تشكيل سوق العمل عالميًا، حيث تتسارع وتيرة إدخال التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة في مختلف القطاعات الاقتصادية، ويشير تقرير مستقبل الوظائف لعام 2023 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنه من المتوقع فقدان نحو 83 مليون وظيفة بحلول عام 2027، مقابل خلق 69 مليون وظيفة جديدة، ما يعني خسارة صافية في فرص العمل على المستوى العالمي.

ويعكس هذا التحول تغيرًا عميقًا في طبيعة الوظائف، حيث تتراجع الأعمال الروتينية لصالح الوظائف المرتبطة بالمهارات الرقمية والتكنولوجية، ما يفرض تحديات كبيرة على العمال ذوي المهارات المحدودة، ويؤكد التقرير أن نحو 44 بالمئة من مهارات العاملين الحاليين ستحتاج إلى تحديث خلال السنوات القليلة المقبلة لمواكبة متطلبات السوق.

وفي السياق ذاته، تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نحو 27 بالمئة من الوظائف في الدول الصناعية معرضة لخطر الأتمتة بدرجات متفاوتة، ما يثير مخاوف من فقدان وظائف واسعة النطاق أو تحولها بشكل جذري.

كما توضح دراسات حديثة حول تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي أن ما يقارب 80 بالمئة من القوى العاملة قد تتأثر بعض مهامها بهذه التقنيات، في حين يمكن أن تتغير طبيعة نحو 15 إلى 50 بالمئة من المهام الوظيفية بشكل كبير نتيجة الاعتماد على الأنظمة الذكية.

ورغم هذه التحديات، يشير خبراء إلى أن التحول الرقمي لا يقتصر على فقدان الوظائف، بل يخلق أيضًا فرصًا جديدة في مجالات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والخدمات الرقمية، إلا أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب استثمارات كبيرة في التعليم والتدريب وإعادة تأهيل العمال.

وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات من المنظمات الأممية والدولية إلى ضرورة تبني سياسات توازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية العمال، بما يضمن انتقالًا عادلًا نحو اقتصاد رقمي أكثر شمولًا واستدامة.

الإطار القانوني وواقع التطبيق

تؤكد منظمة العمل الدولية أن مبادئ العمل اللائق تشمل الحق في أجر عادل وبيئة عمل آمنة وحرية التنظيم النقابي، إلا أن تقاريرها تشير إلى فجوة واضحة بين هذه المعايير والتطبيق الفعلي في العديد من الدول، خاصة في الاقتصادات النامية.

كما شددت منظمة العفو الدولية في تقاريرها الحقوقية لعام 2024 على استمرار الانتهاكات المرتبطة بالعمل القسري وسوء ظروف العمل، داعية إلى تعزيز الرقابة والمساءلة.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الأول من مايو مناسبة لتقييم واقع العمال عالميًا، وإعادة طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية على ضمان عمل لائق وحياة كريمة لملايين البشر الذين يشكلون عماد الإنتاج والتنمية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية