منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أكبر تجمع للحقوق الرقمية عالميًا

إلغاء “رايتس كون 2026” يثير مخاوف الحقوقيين

04 مايو 2026

تفجر واقعة إلغاء قمة “رايتس كون 2026” في زامبيا جدلاً حقوقياً واسعاً، بعدما تحول قرار حكومي مفاجئ إلى نموذج مكثف لما تصفه الأوساط الحقوقية بـ”القمع العابر للحدود”، في لحظة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع حرية التعبير والحيز المدني، وتطرح فيها أسئلة جوهرية حول قدرة المجتمع الدولي على حماية الفضاءات الرقمية من التدخلات السياسية.

وأعلن منظمو المؤتمر من منظمة أكسس ناو، وفقاً لمنصة “تشاينا ديجيتال تايمز”، أنهم فوجئوا بقرار تأجيل ثم إلغاء المؤتمر قبل أيام من انعقاده في العاصمة لوساكا، رغم شهور من التنسيق مع الحكومة الزامبية، وأوضح البيان أن القرار صدر دون إشعار مسبق أو مشاورات، في خطوة اعتبرت خرقاً لمسار شراكة كان يفترض أن يضمن شفافية تنظيم الحدث.

وأشار فريق المؤتمر إلى أن أول تواصل رسمي جاء عبر رسالة على تطبيق “واتساب” من وزارة النقل، بررت فيها السلطات القرار بالحاجة إلى مراجعة “القضايا الموضوعية” لضمان توافقها مع “القيم الوطنية” والمصلحة العامة، إلا أن هذا التبرير جاء خالياً من تفاصيل ملموسة، ما أثار شكوكاً حول الدوافع الحقيقية.

ونقلت مصادر غير رسمية، بحسب المنصة ذاتها، أن الحكومة اشترطت تعديل أجندة المؤتمر واستبعاد مشاركين من مجتمعات معينة، وعلى رأسهم المشاركون من تايوان، بوصفه شرطاً لاستمرار الحدث. ووصفت المنظمة هذه الشروط بأنها “خط أحمر” يتعارض مع جوهر المؤتمر القائم على الشمول والانفتاح.

واعتبر منظمو الحدث أن القرار يعكس اتساع نطاق الضغوط العابرة للحدود التي تستهدف المجتمع المدني، مشيرين إلى أن ما حدث يمثل سابقة خطيرة في تقليص المساحات المتاحة للنقاش الحقوقي، خاصة في دول الجنوب العالمي.

تقاطعات جيوسياسية

كشف تقرير لمجلة “وايرد” أن إلغاء المؤتمر جاء في سياق ضغوط مارستها الصين على الحكومة الزامبية، خاصة بعد إدراج جلسات تناقش النفوذ الرقمي الصيني عالمياً، ومنه قضايا المراقبة والتضليل وتصدير نماذج “الاستبداد الرقمي”.

وأوضحت المديرة التنفيذية المشاركة لمنظمة أكسس ناو، أرزو غيبولا، أن مشاركة وفود من تايوان أثارت حساسية سياسية دفعت السلطات الصينية إلى التدخل، في محاولة للتأثير في قرارات زامبيا المتعلقة بتنقل المشاركين، وتزامن ذلك مع إشارات رسمية من الحكومة الزامبية إلى “بروتوكولات دبلوماسية” وموافقات أمنية معلقة.

وأفادت منظمات تايوانية، وفق التقرير ذاته، بأنها طُلب منها تعليق خطط السفر بسبب مخاوف تتعلق بالتدخل الصيني، في حين أكد مصدر في منظمة حقوقية أن الضغوط استمرت لعدة أيام قبل صدور قرار الإلغاء.

ربطت تقارير أخرى، منها ما نشرته “هيومن رايتس ووتش”، بين القرار وبين استياء صيني من استضافة وفود تايوانية في مؤتمر يعقد داخل منشأة ممولة من بكين، فقد جدد مركز المؤتمرات الذي كان سيستضيف الحدث بتمويل صيني بلغ 60 مليون دولار، وصف حينها بأنه “هدية” لزامبيا.

وأشار الباحث في هيومن رايتس ووتش، إدريس علي نصاح، إلى أن التبريرات الرسمية تبدو “واهية”، وتعكس رغبة في السيطرة على أجندة حقوق الإنسان، مطالباً بتفسير واضح لهذا الإلغاء الذي وصفه بأنه “خسارة فادحة”.

تداعيات حقوقية

انتقدت منظمات المجتمع المدني، القرار باعتباره تضييقاً مباشراً على حرية التعبير والتجمع، وأكد بيان لتحالف يضم أكثر من 130 جهة حقوقية أن إلغاء المؤتمر يثير مخاوف جدية بشأن تآكل الحريات المدنية في زامبيا، وفقاً لمنصة “تشاينا ديجيتال تايمز”.

وصفت نائبة مدير قسم التكنولوجيا والحقوق في هيومن رايتس ووتش، ديبورا براون، الخطوة بأنها “إغلاق لباب النقاشات الحيوية”، معتبرة أنها ضربة لحركة الحقوق الرقمية عالمياً، وليس فقط داخل زامبيا.

ومن جانبها، أبرزت صحيفة الغارديان أن المؤتمر كان سيجمع أكثر من 2600 مشارك من ناشطين وخبراء وصناع سياسات، لمناقشة قضايا مثل خطاب الكراهية، وقطع الإنترنت، والمراقبة، والذكاء الاصطناعي، والتضليل الإعلامي، وهي ملفات تمس صميم الحقوق الرقمية.

لفتت المحامية والناشطة الزامبية ليندا كاسوندي إلى أن القرار يعكس “تدهوراً تدريجياً” في الحقوق الأساسية، خاصة حرية التعبير والحق في التجمع، مشيرة إلى ارتباط الخطوة بالسياق السياسي الداخلي، ومنه الانتخابات المرتقبة في 2026.

أشارت كاسوندي إلى أن الحكومة التي كانت تقدم نفسها بوصفها مدافعة عن سيادة القانون، باتت تتبنى سياسات تقيد الحيز المدني، ومنها الحد من قدرة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني على الاجتماع.

فرصة ضائعة

أعرب مشاركون محتملون عن خيبة أملهم من إلغاء المؤتمر، مشيرين إلى الخسائر المالية واللوجستية، فضلاً عن ضياع فرصة نادرة للتواصل وتبادل الخبرات. وأكدت ناشطة من ساحل العاج أن التحضير للمشاركة استغرق شهوراً، وأن الإلغاء شكل “خسارة مزدوجة”.

أوضحت ناشطات في مجال الصحة الإنجابية أن المؤتمر كان يمثل منصة حيوية لمناقشة قضايا مثل الرقابة على المحتوى المتعلق بالإجهاض، والمضايقات الرقمية، وتهديدات السلامة الشخصية، وهي قضايا تمس فئات مهمشة.

أشارت مديرة منظمة “تيك هير”، تشيوما أغويغبو، إلى أن الحادثة تعكس نمطاً مقلقاً من استخدام أدوات “الامتثال” لتقييد الحوار والاختلاف، مؤكدة أن هذه القيود تضعف الأنظمة التي تحمي الحقوق الأساسية، خاصة للنساء والفتيات.

أكدت أصوات حقوقية أخرى أن المؤتمر كان يمثل مساحة نادرة للعاملين في مجالات حساسة، مثل حقوق مجتمع الميم والعاملات في مجال الجنس، لتبادل الخبرات ووضع استراتيجيات، وأن إغلاق هذه المساحة يعد تراجعاً خطيراً.

ووفقاً لمنصة “تيك بوليسي” حلل خبراء، منهم مايكل كاستر من منظمة المادة 19، الواقعة باعتبارها مثالاً واضحاً على القمع العابر للحدود، حيث تمتد تأثيرات دولة إلى سياسات دولة أخرى، ما يقيد الفضاء المدني العالمي.

دعا كاستر إلى تعزيز مشاركة المجتمع المدني التايواني في الفعاليات الدولية، وإلى دعم دبلوماسي من الحكومات المتقاربة في التوجهات، معتبراً أن القضية تتجاوز التضامن السياسي إلى الاعتراف بخبرات هذه المجتمعات في مواجهة التهديدات الرقمية.

حذر من أن النفوذ الصيني المتزايد في إفريقيا، في ظل غياب بدائل قائمة على الحقوق، يتيح لبكين التأثير في مسارات الحوكمة الرقمية، مؤكداً أن مواجهة ذلك تتطلب حلولاً عملية تستجيب لاحتياجات التنمية الرقمية.

اختتم التحليل بتأكيد أن الاستجابة لهذه الواقعة يجب أن تشمل إعادة تأكيد الالتزام بالحوكمة متعددة الأطراف، وتعزيز الضمانات القائمة على حقوق الإنسان في مجال التكنولوجيا، خاصة مع صعود التقنيات الناشئة.