لم تعد هايتي مجرد دولة تعاني اضطرابات سياسية عابرة، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر بؤر انتهاكات حقوق الإنسان تعقيدًا في العالم، ففي الوقت الذي يعقد فيه مجلس الأمن الدولي جلساته لبحث سبل إنقاذ البلاد، يواجه ملايين الهايتيين واقعًا قاسيًا عنوانه الخوف والجوع والنزوح، وسط انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة التي تخطف الدولة وتجعل الأطفال وقودًا لأزمة متفاقمة.
ومنذ اغتيال الرئيس جوفينيل مويس عام 2021، تراجعت قدرة الدولة على فرض سيادة القانون، فيما وسّعت العصابات المسلحة نفوذها على أحياء واسعة من العاصمة بورت أو برنس ومناطق أخرى.
وأشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال زيارته للبلاد في 16 يونيو 2026، إلى أن أكثر من 10% من سكان هايتي أُجبروا على النزوح من منازلهم، محذرًا من أن العنف المسلح يطول بشكل خاص النساء والأطفال والشباب.
أطفال هايتي.. ضحايا في قلب العنف
في قلب أزمة هايتي يقف الأطفال باعتبارهم الفئة الأكثر تضررًا؛ كشفت الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، فانيسا فريزر، عقب زيارتها الأولى للبلاد في مايو 2026، أن الأطفال في هايتي يعيشون في “دائرة عنف لا تنقطع”.
وأكدت فريزر، أمام مجلس الأمن، أن الأمم المتحدة تحققت في عام 2025 من وقوع 2,088 انتهاكًا جسيمًا استهدفت 1,661 طفلًا، شملت التجنيد القسري والقتل والتشويه والاختطاف والعنف الجنسي. وأضافت أن تجنيد الأطفال واستخدامهم تضاعف ثلاث مرات تقريبًا في عام 2025 مقارنة بالعام السابق.
وأوضحت فريزر أن التقديرات تشير إلى أن الأطفال قد يشكلون ما بين 30% و50% من أفراد العصابات المسلحة، كما حذرت من أن 18,000 مدرسة قد دُمرت أو تضررت أو أصبحت خارج الخدمة بسبب العصابات، مما يحرم مئات الآلاف من الأطفال من حقهم في التعليم.
معاناة النساء والعنف الجنسي
لا تَقِل معاناة النساء قسوة، فقد كشف تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن الفترة من يناير إلى مارس 2026 شهدت الإبلاغ عن 1,927 حادثة عنف قائم على النوع الاجتماعي، أكثر من 70% منها كانت حالات اغتصاب، مرتبطة بشكل كبير بالجماعات المسلحة.
وأشار التقرير إلى أن ما يقرب من 70% من الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي هن من النازحات داخليًا، مع محدودية شديدة في الوصول إلى خدمات الدعم الأساسية.
وتعيش هايتي واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخها الحديث. وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، يحتاج 6.4 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة، أي أكثر من نصف سكان البلاد.
ونزح نحو 1.5 مليون شخص داخليًا بسبب العنف، فيما يواجه ما يقرب من 5.8 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بمن في ذلك نحو 1.9 مليون شخص في مرحلة الطوارئ.
مجلس الأمن: لا حل أمنيًا فقط
خلال جلسة مجلس الأمن التي عُقدت في 20 يوليو 2026، أكد كارلوس رويز ماسيو، الممثل الخاص للأمين العام ورئيس مكتب الأمم المتحدة المتكامل في هايتي، أن “تحقيق النجاح يعتمد على أن يعزز الأمن والانخراط السياسي والعمل الإنساني بعضهما بعضًا”.
وشدد على أن العمليات الأمنية وحدها لن تحقق سلامًا دائمًا، بل تتطلب استراتيجية أشمل تشمل تعزيز منظومة العدالة ومؤسسات الدولة.
من جانبه، قال جاك كريستوفيدس، رئيس قوة قمع العصابات، إن نشر القوة “يمضي بخُطى ثابتة تبعث على التفاؤل”، مشيرًا إلى أن القوة نفذت عمليات ناجحة أسفرت عن ضبط أسلحة وتفكيك عبوات ناسفة. غير أنه حذر: “لا ينبغي لأحد أن يتوقع أن تُحل التحديات الأمنية في هايتي بين عشية وضحاها”.
تحذيرات دولية ونداءات
دعت فانيسا فريزر إلى التعامل مع الأطفال المرتبطين بالعصابات بوصفهم ضحايا في المقام الأول، وضمان حمايتهم وفقًا للمعايير الدولية.
وأكدت أن “حماية الأطفال ودعم جميع الأطفال المتضررين من العنف أمر لا غنى عنه لتحقيق استقرار دائم في هايتي”.
وفي كلمته خلال زيارته للبلاد، شدد الأمين العام أنطونيو غوتيريش على أن “هايتي لا تطلب الصدقة… هايتي تطلب من العالم أن يفي بوعوده”، محذرًا من أن “هايتي لا يمكنها الانتظار”.
وبينما يواصل مجلس الأمن بحث سبل إخراج هايتي من أزمتها، يبقى السؤال الأكبر: هل تنجح الإرادة الدولية في ترجمة التعهدات إلى إجراءات تعيد للدولة مؤسساتها، أم يظل ملايين الهايتيين عالقين في دوامة العنف والجوع والنزوح؟ فالتحدي لم يعد يقتصر على استعادة الأمن، بل بات يتمثل في إنقاذ مجتمع بأكمله من الانهيار، وإعادة الأمل لشعب أنهكته الأزمات المتراكمة.

