منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“هانتا”.. الفيروسات القاتلة ستتسلل دائماً لكن الوقاية لا تزال ممكنة

14 مايو 2026
ركاب سفينة الرحلات البحرية "هونديوس" يستقلون طائرة في جزر الكناري الإسبانية يوم الاثنين.
ركاب سفينة الرحلات البحرية "هونديوس" يستقلون طائرة في جزر الكناري الإسبانية يوم الاثنين.

قبل نحو عام من جائحة كوفيد-19، في قرية إيبويين الصغيرة جنوب الأرجنتين، كانت تحديات احتواء تفشي فيروس فتاك واضحة.

حضر رجل يبلغ من العمر 68 عاماً، كان يعاني من الحمى، حفل عيد ميلاد في 3 نوفمبر 2018، حضره نحو 100 ضيف، وأبلغ خمسة أشخاص جلسوا بالقرب منه عن شعورهم بالمرض بعد نحو أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، توفي أحدهم بعد 16 يوماً من ظهور الأعراض، ناقلاً العدوى إلى ستة آخرين.

حضرت زوجته التي كانت تعاني من أعراض الحمى مراسم العزاء، وأصيب عشرة أشخاص آخرون كانوا على اتصال مباشر بالأرملة في الجنازة بالمرض.

أكد مسؤولو الصحة أن فيروس هانتا الأنديزي القادر على الانتقال بين البشر ويسبب متلازمة خطيرة قد تكون مميتة تهاجم القلب والرئتين، هو المسؤول عن تفشي المرض.

كان الرجل البالغ من العمر 68 عاماً المريض الأول، وبلغ إجمالي الإصابات المؤكدة 34 إصابة، و11 حالة وفاة في مقاطعة تشوبوت الأرجنتينية خلال الأشهر القليلة التالية.

وقد حظي تفشي فيروس هانتا الأنديزي الأخير على متن سفينة الرحلات البحرية “هونديوس” باهتمام دولي واسع النطاق بعد وفاة ثلاثة ركاب، والإبلاغ عن حالات إصابة بشرية متعددة في غضون أيام.

ويصعب احتواء فيروس هانتا الأنديزي، فبالإضافة إلى انتقاله بين البشر عن طريق الاتصال المباشر، يمكنه الانتقال عبر الرذاذ أو الهباء الجوي، ما قد يؤدي إلى انتشار واسع النطاق كما حدث في تفشي المرض عام 2018، علاوة على ذلك، لا يسبب الفيروس عادةً أعراضاً لعدة أسابيع بعد التعرض له.

وعند ظهور الأعراض، لا تكون غير مألوفة بما يكفي لتحديد نوع الفيروس، وقد أصيب الراكب الذي سجلت لديه أول حالة إصابة بفيروس هانتا على متن “هونديوس” بالحمى والصداع والإسهال الخفيف في 6 أبريل، وتوفي بسبب فشل تنفسي بعد خمسة أيام. هذه فترة حرجة ينتشر فيها الفيروس بسرعة، إذ تكون الأعراض خفيفة لدرجة تسمح للشخص بالتنقل والاختلاط دون أن يدرك إصابته.

غادر العديد من الركاب السفينة قبل اكتشاف تفشي المرض، وعادوا إلى بلدانهم، ما يعني تفاوتاً في مستوى مراقبة الأمراض من قبل سلطات الصحة العامة.

تعد سفينة هونديوس مؤشراً على مواطن الضعف في نظام الوقاية من الأوبئة العالمي، ورغم استحالة تجنب تفشي الأمراض تماماً، فإن اتباع نهج استباقي قد يقلل من المخاطر.

تعتمد أنظمة الوقاية من الأمراض في السفر، كالرحلات البحرية، على فحص الأعراض قبل الصعود إلى السفينة، يسأل الركاب عما إذا كانوا يعانون من أي حمى أو قشعريرة أو إسهال أو سعال.

كانت أول حالة إصابة في هونديوس لرجل يحتمل أنه أصيب بالمرض قبل الرحلة البحرية أثناء مروره بمناطق في الأرجنتين شهدت تفشي فيروس هانتا الأنديزي، لم تظهر عليه أي أعراض عند صعوده إلى السفينة.

وينطبق هذا الأمر أيضاً على عام ٢٠١٤، عندما سجلت أول حالة إصابة بفيروس إيبولا في الولايات المتحدة، ما يبين قصور فحص صحة الركاب في بعض الأحيان، لم تظهر على توماس إريك دنكان أي أعراض عند صعوده على متن رحلة جوية من ليبيريا، كما لم يفصح عن تعرضه للإيبولا.

شخصت حالته خطأً في البداية في مستشفى بدالاس، حيث توفي لاحقاً بعد أن نقل العدوى إلى ممرضتين، إحداهما صعدت على متن رحلة تجارية ونقلت العدوى دون علمها إلى عدد أكبر من الأشخاص.

ينتقل فيروس هانتا عن طريق براز أو بول القوارض، مثل جرذ الأرز القزم طويل الذيل في حالة فيروس الأنديز، في منتزه يوسيميتي الوطني عام ٢٠١٢ توفي ثلاثة مخيمين بعد استنشاقهم -على الأرجح- جزيئات الفيروس المنتشرة في الهواء من فضلات القوارض المخزَنة داخل جدران إحدى الكبائن.

قد يساعد إجراء فحوصات أكثر تفصيلاً قبل المغادرة أطباء السفينة على تشخيص المرضى بشكل أفضل، لو علمت السلطات أن الشخص الأول الذي جلب الفيروس إلى سفينة هونديوس لم يسافر إلى الأرجنتين فحسب، بل زار أيضاً مناطق ريفية معروفة بانتشار فيروس هانتا، لكان من الممكن تشخيص إصابته بفيروس الأنديز بشكل أسرع.

مع ذلك، فإن فعالية هذا النهج تعتمد كلياً على مدى دقة الأشخاص الذين يبلغون عن تعرضهم للعدوى. ففي بعض الأحيان، قد لا يعلمون بتعرضهم لها، أو قد لا يفصحون عنها. لذا، ينبغي إخضاع بعض المسافرين لفحوصات أكثر دقة، ومنهم السياح والباحثون وغيرهم ممن يشاركون في أنشطة تتطلب احتكاكاً مباشراً بالحيوانات.

وتشمل الحلول الأخرى استخدام تقنيات تشخيصية أوسع نطاقاً وأسرع، مثل التسلسل الجيني الشامل الذي يمكنه تحديد مسببات الأمراض دون أي معلومات مسبقة، أو اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) التي تتيح فحص الركاب للكشف عن عدة مسببات أمراض في آن واحد على متن السفن السياحية.

ومع ذلك، في حالات العدوى النادرة، كفيروس هانتا، قد تكون تكلفة التشخيص في الموقع باهظة للغاية بحيث لا تسمح باستخدامه على نطاق واسع، فبالنسبة للعديد من هذه الفيروسات الفتاكة، يتطلب الاختبار إجراءه في ظروف السلامة البيولوجية غير المتوفرة على متن السفن، وقد تكون اختبارات المستضدات السريعة، كتلك المستخدمة لفيروس كوفيد-19، مفيدة، لكنها ليست دقيقة تماماً في كثير من حالات العدوى، كما أنها غير متوفرة لحالات أخرى.

ويمكن أن تسهم زيادة الاستثمار الحكومي والخاص في تطوير تقنيات تشخيصية دقيقة تجرى في نقاط الرعاية الصحية للكشف السريع عن مسببات الأمراض المسببة للأوبئة في الحد من تفشي مثل هذا الوباء.

قد يتعين علينا تقبل حقيقة أن مسببات الأمراض قد تتسلل أحياناً عبر الحدود وبوابات الصعود إلى الطائرات، ورغم أنه لا يمكن منع كل تفشٍّ، فإنه ينبغي تحسين الأنظمة المصممة لمنع انتشار الفيروسات المدمرة.

نقلاً عن واشنطن بوست