في إيران، لم يعد المرض أزمة طبية معزولة عن الواقِعَين الاقتصادي والسياسي، بل أصبح مؤشرا كاشفا لهشاشة النظام الاجتماعي واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي عن التغطية الصحية، وبين واقع المرضى الذين يواجهون نقص الدواء وارتفاع التكاليف وصعوبة الوصول إلى العلاج.
فبينما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 95% من السكان في إيران مشمولون بالتأمين الصحي العام، وأن الإنفاق على الصحة يقترب من 6% من الناتج المحلي الإجمالي، تكشف الوقائع اليومية عن نظام يعاني من أزمات عميقة، أبرزها ضعف التغطية الفعلية لبعض الخدمات، ونقص الكوادر، وعدم المساواة الجغرافية، وتزايد الأعباء المالية على المرضى.
وتتسع هذه الأزمة مع كل اضطراب اقتصادي أو توتر جيوسياسي أو حرب، لتضع المرضى وذوي الإعاقة والفئات المهمشة أمام معركة قاسية من أجل البقاء، حيث لا يتعلق الأمر بوجود المستشفيات أو الأطباء فقط، بل بقدرة المنظومة الصحية والاجتماعية على حماية الحق في الحياة والصحة والكرامة، وفق شبكة “إيران إنترناشيونال”.
تآكل في الواقع
تملك إيران شبكة علاجية واسعة تشمل المدن والقرى، وتستند إلى نظام رعاية صحية أولية ممتد، غير أن هذه الصورة تخفي اختلالات كبيرة في جودة الوصول إلى العلاج، خصوصا في القطاع الخاص والعلاجات الخارجية التي لا تغطيها أنظمة التأمين بشكل فعال.
ويوجد نحو 62 طبيبا اختصاصيا فقط لكل 100 ألف نسمة، مع تركز أكثر من 52% من الأطباء الاختصاصيين في أربع محافظات فقط، ما يعكس اختلالا حادا في توزيع الخدمات الطبية بين المركز والأطراف.
وتتفاقم الأزمة بفعل هجرة الكفاءات الطبية، إذ غادر نحو 6500 طبيب وممرض البلاد خلال عامي 2022 و2023، في مؤشر على تآكل داخلي في قدرة النظام الصحي على الاستمرار، رغم اتساعه الظاهري.
وعود الإصلاح ونقص التمويل
يركز الخطاب الرسمي لوزارة الصحة الإيرانية على مشروعات مثل “طبيب الأسرة”، و“نظام الإحالة”، و“الوصفة الإلكترونية”، وإعادة تنظيم الموارد بهدف تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين.. غير أن هذه السياسات بقيت لسنوات معلقة بين الوعود والتنفيذ الجزئي.
وتوضح المعطيات أن ميزانية برنامج “طبيب الأسرة” لعام 2025 لم تتجاوز 30 ألف مليار تومان، في حين كانت وزارة الصحة تطالب بـ80 ألف مليار تومان، بينما تشير تقديرات واقعية إلى أن التطبيق الكامل للمشروع يحتاج إلى نحو 159 ألف مليار تومان.
وتنتج عن ذلك سياسة صحية هجينة؛ فمن جهة تُطرح مفاهيم حديثة مثل الرقمنة والرعاية القائمة على القيمة، ومن جهة أخرى يستمر نقص التمويل وتأخر مستحقات شركات التأمين واتساع عدم المساواة في توزيع الخدمات.
وفي ظل هذا الواقع، يتحول المريض إلى طرف داخل سوق تتحكم فيه الندرة والأسعار والقدرة على الدفع. فبحسب المعطيات الواردة، يدفع المرضى في أغلب أنظمة التأمين 10% من تكاليف الاستشفاء و30% من تكاليف العلاج الخارجي.
وتزداد الأعباء مع اعتماد واسع على القطاع الخاص، الذي يقدم نحو 80% من خدمات العيادات الخارجية و30% من خدمات الاستشفاء.
وكلما احتاج المريض إلى فحوص متقدمة أو أدوية أو أطباء اختصاصيين أو علاج طويل الأمد، ارتفعت احتمالات تعرضه للدفع المباشر أو المدفوعات غير الرسمية، خاصة في ظل تأخر تسديد مستحقات التأمين، ويعني ذلك أن الحق في العلاج لا يتحدد فقط بالحاجة الطبية، بل بالقدرة الاقتصادية ومكان السكن ونوع الخدمة المطلوبة.
العلاج يتحول إلى امتياز طبقي
يظهر الضغط على النظام الصحي الإيراني بوضوح أكبر في قطاع الأدوية. وتشير المعطيات إلى أن إيران تواجه نقصا في ما لا يقل عن 300 نوع من الأدوية، مع انعدام نحو 100 صنف دوائي بشكل كامل.
كما ارتفعت أسعار بعض الأدوية خلال الشهرين الأخيرين بنسبة تصل إلى 400%، وشمل النقص أدوية حيوية مرتبطة بالسرطان، والتصلب اللويحي، وغسيل الكلى، وزراعة الأعضاء، والهيموفيليا، وأمراض القلب، والجهاز التنفسي، والاضطرابات النفسية.
وتتفاقم الأزمة مع تراكم ديون شركات التأمين للصيدليات، والتي تتراوح بين 500 مليار و4 تريليونات ريال.. وعندما لا تحصل الصيدليات على مستحقاتها، تتراجع قدرتها على شراء الأدوية، فيُجبر المرضى على الحصول على وصفات ناقصة أو شراء العلاج بأسعار السوق الحرة، وبذلك يتحول الدواء من سلعة علاجية أساسية إلى امتياز طبقي، يتحدد الوصول إليه بقدرة المريض على الدفع لا بحقه في الصحة.
ولا تتوزع الأزمة الصحية في إيران بالتساوي، حيث يعمل أكثر من 96% من خريجي كليات الطب في المناطق الحضرية، بينما تعاني مناطق محرومة مثل سيستان وبلوشستان من نقص مزمن في الكوادر الطبية.
ويعني ذلك أن المرضى في المدن الصغيرة والمناطق الريفية يواجهون أعباء إضافية للحصول على العلاج التخصصي، تشمل تكاليف السفر والسكن والانتظار، فضلا عن الحاجة إلى شبكة دعم اجتماعي.
وفي كثير من الحالات، يؤدي هذا التأخر إلى تشخيص المرض في مراحل متقدمة وارتفاع كلفة العلاج لاحقا، وهنا يصبح غياب نظام إحالة فعال ليس مجرد خلل إداري، بل عاملا مباشرا في تعميق الفجوة الصحية بين السكان.
الحرب تضاعف الهشاشة
تكشف المعطيات المتعلقة بظروف الحرب والأزمات عن واقع أكثر قسوة، حيث تُرك بعض المرضى على النقالات في الممرات وخارج المستشفيات، بينما نُقل جراحون من المحافظات إلى طهران، كما تأخرت أو توقفت فعليا في بعض المناطق خدمات أساسية مثل رعاية الأمهات، وغسيل الكلى، وعلاج السرطان.
وفي مثل هذه الظروف، يتراجع المرضى المزمنون وذوو الاحتياجات المستمرة إلى الهامش، لأن النظام الصحي يوجه موارده المحدودة إلى الحالات الطارئة والإصابات الظاهرة، بينما تصبح الرعاية طويلة الأمد أكثر صعوبة وتعقيدا.
وإذا كان المرضى في إيران يواجهون ضغطا متزايدا، فإن الأشخاص ذوي الإعاقة يعيشون أزمة أعمق، فالإعاقة لا ترتبط فقط بالحالة الجسدية أو الذهنية، بل تتداخل مع الفقر والبطالة وغياب الوصول إلى الخدمات وضعف الحماية القانونية الفعلية، بحسب الوكالة الأوروبية للجوء EUAA.
ويعيش 11.5% من سكان إيران، أي نحو 9.8 مليون شخص، مع نوع من الإعاقة، ومع ذلك، لا يشمل دعم منظمة الرعاية الاجتماعية سوى 1.6 مليون شخص فقط، ما يعني أن أكثر من 8 ملايين شخص يعيشون عمليا دون دعم رسمي.
كما أن نحو 60% من الأشخاص ذوي الإعاقة عاطلون عن العمل، بينما لا تتجاوز المعاشات والإعانات والمساعدات المعيشية التي يحصل عليها الشخص ذو الإعاقة الشديدة نحو 30 مليون ريال شهريا، في وقت يتراوح فيه خط الفقر التقديري بين 300 و700 مليون ريال.
وتكشف هذه الفجوة أن الدعم الرسمي لا يقترب من الحد الأدنى المطلوب للبقاء الكريم.
قوانين لا تصل إلى الحياة اليومية
لا تقتصر أزمة ذوي الإعاقة على ضعف الدخل، بل تمتد إلى ضعف تنفيذ القوانين، ولا يزال نحو 300 ألف شخص من المستحقين للمساعدات ما زالوا على قوائم الانتظار، كما أن الالتزام القانوني بدفع مخصصات شهرية لذوي الإعاقة لا يقل قدرها عن 20% من الحد الأدنى للأجور السنوية لم يُنفذ بالكامل.
كما أن نسبة التوظيف المخصصة قانونيا للأشخاص ذوي الإعاقة، والبالغة 3%، لم يتحقق منها فعليا سوى نحو 1% فقط.
وفي الخطاب الرسمي قد تُقدَّم هذه المشكلات باعتبارها تأخيرات تنفيذية، لكنها في الحياة اليومية تعني بقاء كثيرين داخل دائرة التبعية، والعزلة، والإقصاء من سوق العمل، والانتظار المستمر لمساعدات لا تصل.
وتتفاقم معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة بسبب ضعف تهيئة الأماكن العامة والمؤسسات الصحية. فكثير من المستشفيات والعيادات تفتقر إلى منحدرات ومصاعد مناسبة، بينما يواجه ضعاف البصر صعوبات في الوصول المستقل إلى الخدمات، ويحرم غياب مترجمي لغة الإشارة الأشخاص الصم من التواصل الفعال داخل المؤسسات العلاجية.
كما بقي نحو 30 ألف طفل من ذوي الإعاقة خارج المدارس، ما يعني أن الإقصاء يبدأ من التعليم، ثم يمتد لاحقا إلى العلاج والعمل والحياة العامة.
الحرب كعامل تسريع للمعاناة
تُحوّل الحرب هذه الأزمات من هشاشة مزمنة إلى خطر مباشر على الحياة. فعندما تتعرض المستشفيات للاستهداف، وتتضرر سيارات الإسعاف، ويُعاد توزيع الكوادر الطبية، وتُسحب الأدوية من الشبكات المدنية، يكون الأشخاص ذوو الإعاقة والمرضى المزمنون بين الأكثر تضررا.
فهؤلاء يعتمدون على مراجعات متكررة، وأدوية دائمة، والكراسي المتحركة، وأجهزة سمع، وأطراف صناعية، وعلاج فيزيائي، ورعاية منزلية.
ومع انهيار هذه الشبكات أو تعطلها، لا تعني الحرب زيادة الإصابات فقط، بل تعني أيضا تعميق الإعاقة وتحويلها إلى معاناة سياسية واجتماعية مستمرة.
