ثمانٍ وثمانون غرزة في وجه خديجة وشهادة طبية تثبت عجزها لمدة 35 يوماً، قابلها حكم قضائي بسجن المعتدي عليها شهرين نافذين فقط. صدر الحكم عن المحكمة الابتدائية بمدينة مشرع بلقصيري المغربية في مايو/ أيار 2025، وأثار احتجاج منظمات حقوقية اعتبرت العقوبة غير متناسبة مع خطورة الاعتداء وآثاره الجسدية والنفسية في الضحية.
انهارت خديجة أمام المحكمة عقب النطق بالحكم، وفق ما وثقته وسائل إعلام مغربية، بينها “الجريدة 24” و”أنفاس بريس”، وانتقلت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة إلى المدينة للاطلاع على القضية، في حين طالبت الفدرالية الجهوية لرابطة حقوق النساء بمراجعة الحكم وتشديد العقوبة.
أعادت القضية طرح تساؤلات بشأن فعالية الحماية القانونية للنساء في المغرب، ومدى قدرة التشريعات والإجراءات القضائية على إنصاف ضحايا العنف، بعد سنوات من دخول القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء حيز التنفيذ عام 2018.

عشرات الآلاف من الشكاوى
سجلت النيابات العامة المغربية خلال 2025 نحو 79,059 شكوى تتعلق بالعنف ضد النساء، مقابل 73,645 شكوى عام 2024، وفق معطيات رسمية وردت في جواب لوزارة العدل عن سؤال برلماني، وأوردها رئيس النيابة العامة بمناسبة افتتاح السنة القضائية لعام 2026.
وشهدت هذه القضايا متابعة 25,885 شخصاً وفتح 24,806 ملفات قضائية، في حين تظل الوقائع التي لا تصل إلى مؤسسات العدالة خارج هذه الإحصاءات.
وتشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط التي استندت إليها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى أن 57% من النساء والفتيات المشمولات بالمسح الوطني لعام 2019 أفدن بتعرضهن لأحد أشكال العنف خلال السنة السابقة للمسح. كما تشير بيانات أممية إلى تعرض 10.5% من النساء بين 15 و49 عاماً لعنف جسدي أو جنسي من شريك حالي أو سابق خلال الفترة المرجعية.
وتقول الكاتبة الصحفية المغربية والمهتمة بقضايا المرأة حجيبة ماء العينين، في تصريح خاص لـ”صفر”، إن العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي لا يزال حاضراً داخل المجتمع المغربي، خصوصاً في العلاقات الأسرية التي قد تمنع ضغوطها وصول الانتهاكات إلى القضاء.
وتوضح أن الخوف من الانتقام والاعتماد الاقتصادي والضغوط الاجتماعية وضعف معرفة بعض النساء بحقوقهن عوامل تحد من التبليغ.
وترى ماء العينين أن القانون 103.13 شكل خطوة مهمة، لكن فعاليته تتطلب إجراءات ميسرة للتبليغ، وحماية تشجع النساء على طلب المساعدة، وبيئة أسرية واجتماعية لا تبرر العنف أو تدفع الضحية إلى الصمت.

عنف يصعب إثباته
تتجاوز الانتهاكات الاعتداء الجسدي إلى التهديد والإهانة والسيطرة والحرمان الاقتصادي والعنف الرقمي، وهي ممارسات قد يصعب إثبات بعضها، خصوصاً داخل الأسرة.
وبحسب التقرير السنوي لفدرالية رابطة حقوق النساء، رصدت مراكزها 28,980 حالة عنف بين يوليو/ تموز 2024 ويونيو/ حزيران 2025، توزعت بين العنف النفسي بنسبة 47%، والاقتصادي والاجتماعي 23%، والقانوني 10%، والجسدي 8%، والرقمي 7%، والجنسي 5%.
وتطالب الفدرالية بتحسين آليات البحث والاستماع إلى الضحايا، وتوفير المساعدة القانونية والنفسية والاجتماعية.
وتقول المحامية والناشطة الحقوقية فاطمة الزهراء الشاوي لـ”صفر” إن العنف الرقمي بات يتخذ أشكالاً جديدة، بينها استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للتشهير بالنساء والتضييق عليهن في العمل والحياة العامة.
وتؤكد أن المغرب حقق إصلاحات دستورية وتشريعية ومؤسساتية مهمة، غير أن القانون 103.13، بحسب وصفها، “قانون زجري أكثر منه حمائي أو وقائي”.
وترى أن النصوص القائمة لا تراعي احتياجات النساء بما يكفي، وأن المعوقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تزيد صعوبة الوصول إلى العدالة.

الحماية قبل صدور الحكم
قد يستمر الخطر بعد تقديم المرأة شكواها، خصوصاً عندما تعيش مع المعتدي أو تضطر إلى التواصل معه بسبب الأطفال، وفي هذه الحالات، تصبح تدابير إبعاد المعتدي ومنع الاتصال وتوفير المأوى و المساعدة القانونية والنفسية إجراءات ضرورية لحماية الضحية قبل انتهاء المحاكمة.
وسبق أن انتقدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” القانون 103.13، معتبرة أن ارتباط أوامر الحماية بالمسار الجنائي يحد من استقلاليتها وقدرتها على توفير تدخل مبكر، وتطالب الشاوي بأوامر حماية عاجلة وفعالة، وإجراءات قضائية أسرع، وتطوير مراكز الإيواء والتكفل، وتوفير تدريب متخصص للشرطة والقضاة.
كما تدعو إلى تحقيق الانسجام بين مدونة الأسرة والقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية وقانون محاربة العنف ضد النساء، معتبرة أن إصلاح مدونة الأسرة فرصة لتعزيز سلامة النساء وكرامتهن.
وتشدد على ضرورة تبني سياسة عامة للوقاية تشمل التربية ومناهج التعليم والإعلام والمجال الرقمي، بحيث تتكامل التوعية مع الحماية والمساءلة.
الموقف الرسمي ومطالب الإصلاح
في المقابل، تؤكد وزارة العدل المغربية، في مواقفها المعلنة، أن حماية النساء وإصلاح منظومة العدالة من أولوياتها، مشيرة إلى تحديث التشريعات وتطوير آليات التكفل وتيسير الوصول إلى العدالة.
ويمتلك المغرب خلايا للتكفل بالنساء ضحايا العنف وآليات قضائية ومنصة إلكترونية للشكايات، بالتوازي مع مسار إصلاح مدونة الأسرة. لكن الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب وفدرالية رابطة حقوق النساء تطالبان بإصلاحات أعمق تعالج الثغرات التشريعية وأوجه التمييز التي تظهر أثناء التطبيق.
وتنتقد الجمعية الديمقراطية عدم إدماج مقترحات الحركة النسائية بصورة كافية في إصلاح القانون 103.13 وقانون المسطرة الجنائية، وترى أن تأخر إصلاح القانون الجنائي يترك ثغرات تؤثر في حماية النساء.
أما ماء العينين فتشير إلى التقدم الذي أحرزه المغرب، مستحضرة الدعوات الملكية لتعزيز مكانة المرأة، وإقرار العاشر من أكتوبر/ تشرين أول يوماً وطنياً للمرأة المغربية، إلى جانب نضالات الحركة النسائية.
وتؤكد أن استمرار العنف يستدعي تطبيق القوانين بفعالية وتغيير المواقف الاجتماعية التي تبرره أو تعده شأناً عائلياً خاصاً.
وتلتقي مع الشاوي في ضرورة الجمع بين التشريع والوقاية والحماية والتكفل، بما يضمن للمرأة الأمان عند الإبلاغ عن العنف.
اختبار الحماية
تبدأ اللحظة الأكثر حساسية بالنسبة إلى المرأة المعنفة بعد اتخاذ قرار الإبلاغ، حين يصبح عليها التعامل مع احتمال الانتقام أو فقدان مصدر رزقها أو العودة إلى المنزل الذي تعرضت فيه للاعتداء. في تلك الساعات، قد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة إليها ليس مقدار العقوبة التي سينالها المعتدي، بل أين ستقضي ليلتها بأمان، ومن يستطيع حمايتها قبل أن يصدر الحكم.
