منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مهنة على حافة الهاوية.. كيف تحوّل الصحفي العربي من شاهدٍ على الحقيقة إلى هدف للرصاص؟

29 أبريل 2026
انتهاكات متزايدة بحق الصحفيين في المنطقة العربية
انتهاكات متزايدة بحق الصحفيين في المنطقة العربية

كانت الحكاية تبدأ دائماً من هناك، من لحظةٍ صغيرة تشبه الشرارة التي لا يلحظها أحد، لكنها قادرة على إشعال غابة كاملة، كان المكان غرفة أخبار ضيقة في أحد المباني القديمة، مروحةٌ تتأرجح في السقف كأنها تحتضر، وأصوات متداخلة تشبه همسات الهاربين من شيء لا يريدون الاعتراف به.

في تلك اللحظة التي لا تتجاوز لحظات، تسلّلت رعشة غير مرئية إلى يد الصحفي الذي كان يضغط زر الإرسال، كأنه يطلق رصاصة قد ترتدّ إلى صدره، كان قد أمضى يوما كاملا في تتبع تفاصيل قضية يعرف جيدا أن أحد سطورها قادر على تغيير حياته كلها، وربما على إنهائها، ومع ذلك مضى يكتب، كما لو أنّ الكلام الذي يخرج من بين أصابعه ليس مجرد حروف، بل محاولة جريئة للبقاء، للنجاة، وللإشارة إلى الظلام بأن هناك من لا زال يرى.

حيدر عبد الكريم، صحفي سوداني يعيش في كينيا، أدرك منذ خطواته الأولى في هذا الطريق أن الكلمات ليست مجرد مهنة، بل مصير.. يعمل حيدر في التحقيقات الاستقصائية، يقطع الطرق بين المدن ويعبر الأزقة، يبحث عن الحقيقة كما يبحث الناس عن الماء في أرضٍ عطشى.

يقول في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إن حماية الصحفي لا تبدأ بالخوذة والسترة الواقية، بل بالوعي.. وعي بحقوقه، وواجباته، وحدود الظلال التي يتحرك داخلها يقول إنها شبكة خيوط، تشبه عباءة قديمة مرقعة، يضاف إليها كل يوم رقعة جديدة من الخوف، ورقعة من الإيمان، ورقعة من الصمود.

يتحدث عن أن التدريب ليس تفصيلا ثانوياً، بل حبل نجاة يُلقى للصحفي قبل أن يغرق في بحر التفاصيل الموحلة وعن ضرورة أن يمتلك الصحفي ما يشبه الأدوات معرفة بالقانون، بالخطر، قدرة على قراءة الوجوه، وفهمٌ للعبة الموازين التي تحدد ما إذا كانت جملة واحدة ستُقرأ كخبر أم كتهديد.

البيئة الصحفية الخطرة

ويصف حيدر البيئة الصحفية في بعض الدول بأنها مثل سماء مغطاة بغيوم لا تنقشع، الخوف لا يسكن فقط مكاتب الصحفيين، بل ينساب في شوارع المدينة، يدخل البيوت، يختبئ بين الكتب، يتسلل إلى مكالمات الهاتف، ويستقر في قلب كل فكرة قبل أن تخرج إلى الورق إنّ الحكومات المتعاقبة، والصراعات المستمرة، والمجموعات المسلحة، والجهات المتنفّذة كلها تصنع مزيجاً لا يُستهان به من الضغط، حتى يصبح الصحفي كمن يكتب على لوحٍ من الجمر.

يقول حيدر إن بعض المواد الصحفية يجب أن تُنشر بلا أسماء، لا خوفاً من الحقيقة، بل خوف على الذي يحملها، فالاسم في اللحظة الخطأ يمكن أن يصبح قيداً، ويمكن أن يتحول إلى مؤشر أحمر يفتح النار على صاحبه.

ويحكي حيدر أن أصعب لحظة في العمل ليست حين تجمع المعلومات، بل حين تقرر هل تُنشر أم تُؤجَّل؟ هل يمكن أن تؤذي شخصاً ما؟ هل ستعرض مصدراً للخطر؟ هل ستفتح باباً من الجحيم على الصحفي نفسه؟ إنها لحظة يشبه وقعها الإمساك بجمرة بيدين عاريتين.

ويعترف أن أصعب ما يمكن أن يواجهه الصحفي هو الوصول إلى المصادر في بلدٍ تُعدّ فيه الثقة عملة ثمينة، وفي زمن تنتشر فيه الشكوك كالدخان، يصبح الوصول إلى شاهد أو ضحية أشبه بالبحث عن إبرة في صحراء.

يلجأ حيدر أحياناً إلى منظمات دولية أو مجموعات من المجتمع المدني لخلق حلقة وصل، أو لكسر الحاجز بينه وبين الأشخاص الذين يمتلكون المعلومات يقول إن الشجاعة لا تكفي، بل تحتاج إلى جسر، وإلى يد تمتد إليك حين تقع.

وعلى الرغم من هذا، يصرّ على أن الصحافة هي النموذج الأهم للعدالة الاجتماعية.. إنها ليست مجرد مهنة، بل مرآة تكشف ما يراد له أن يبقى مخفيا ومع كل انتهاك يقع على صحفي، يضيق هذا الهامش، وتصبح الحقيقة سجينة لا تجد من يحررها، الصحفيون يعملون بين الخطر والأمل، وكل خطوة لهم تشبه السير على حافة سكين.

ويؤكد أن حرية التعبير ليست شعاراً، بل مساحة حياة، وأن الصحفي لا يجب أن يمشي كمن يتحسس الأرض خوفاً من حفرة غير مرئية، المهنة تستحق بيئة آمنة، لأن الصحفي حين يخاف، يصمت؛ وحين يصمت، يصبح المجتمع بلا صوت.

ويرى أن الإنقاذ الحقيقي يبدأ حين يصبح للصحافة احترام ثابت، لا يتغير بتغير الحكومة أو تبدل المزاج السياسي، حين يدرك الجميع أن الصحفي ليس حامل فوضى، بل حامل نور.

الصحافة في مرمى الأرقام

سجلت لجنة حماية الصحفيين مقتل 129 صحفيا وصحفية خلال العام الماضي 2025، قالت إن ثلثيهم في الأراضي الفلسطينية وحدها، وقالت إن ثلثي عدد القتلى وقع في سياق النزاعات العسكرية.

وحتى الأول من ديسمبر 2024، كان 361 صحفية وصحفياً خلف قضبان السجون حول العالم في قضايا مرتبطة بعملهم، وهو رقم يضع العام في ذيل تصاعدي بدأ قبل سنوات ويعكس توجّهاً واضحاً نحو تجريم العمل الصحفي كوسيلة لنسف الحقائق.

هذا العدد ليس مجرد رقمٍ تقني؛ إنه حياةٌ معلّقة، إنه أوتار تطايرت في فضاء العائلات والأطفال الذين فقدوا مَصدر رزقهم، وهو مؤشر على أن الصحفي لم يعد فقط ناقلاً للمعلومة بل صار هدفاً بحد ذاته.

وتقدّر منظماتٌ أخرى العدد بمدى أوسع، فمنظمة مراسلون بلا حدود رصدت 550 حالة احتجاز لصحفيين خلال 2024، بزيادة نسبتُها 7.2% عن العام السابق، ما يعني أن الضغوطات لم تكتفِ بتشديد القيود بل تكاثرت لتشمل المزيد من الأسماء والمؤسسات، وأن الفجوة بين دولةٍ وأخرى تتسع؛ ليفوز الخوف بمساحاتٍ جديدة في ساحات النشر، هذه الحقيقة تُظهر أن التهجير الداخلي للمعلومات لم يعد حدثاً عرضياً، بل سياسة منظّمة في عددٍ لا يقلّ عن مئات الحالات سنوياً.

اليونسكو وثّقت حتى ديسمبر 2024 ما لا يقلّ عن 68 صحفياً وإعلامياً قُتلوا أثناء تأدية مهامهم، وأكثر من 60% من هذه الجرائم وقعت في مناطق نزاع، مما يدلّ على أن الحقول القتالية أصبحت ساحات استهداف ممنهج لمن يحمل الكاميرا أو القلم، وعلى نحوٍ تكميلي، رصدت منظمات أخرى أعداداً أعلى في بعض التلاوين الإحصائية، فقد وصل عدد القتلى بحسب بعض قواعد البيانات إلى أكثر من 100 حالة في فترة زمنية قريبة، وهو ما يبرز أن كل عملية إحصاء تلتقط زاوية من المأساة.

أما على مستوى الدول والمناطق فالأرقام تكشف عن بؤر تتركز فيها الأزمة: آسيا احتوت أكثر من 30% من الصحفيين المعتقلين في 2024 (أي نحو 111 شخصاً)، بينما بعض دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهدت زيادات.

الاقتصاد السياسي للضغط على الصحافة لا يقل تأثيراً، فإحصاءات سلاسل الحرمان من الحريّات تقترن بتآكل الموارد.

تقارير مؤشر حرية الصحافة لسنة 2024 تبيّن انخفاض نسبة الدول المصنفة «مُرضية» من 36% إلى 21%، ما يترجم إلى أن 15% من البلدان التي كانت تمنح هامشاً محدوداً للصحافة فقدت ذلك الهامش خلال سنةٍ واحدة، وبالتالي تراجعاً ملموساً في مساحات العمل الآمنة، هذا التحول يعني أن عدد المؤسسات الإعلامية التي اضطرت لتقليص نشاطها أو الفصل من موظفيها أو نقل عملها خارج الحدود زاد بنسب ملموسة.

وفي قراءةٍ تُقوّم أثر الحروب والنزاعات على حياة الصحفيين، تكشف بيانات اليونسكو أن أكثر من 50% من حالات القتل المسجلة في السنوات الأخيرة حدثت في مناطق نزاع وبالقياس إلى العدد المطلَق لقتلى الإعلام في 2024، فإن نحو 40 حالة على الأقل تندرج في هذا الباب، ما يعني أن كل خريطة نزاع تحمل في هامشها أرقاماً دقيقة لضحايا الإعلام.

وعلى مستوى العالم، تؤكد قاعدة بيانات منظمات الحماية أن 2024 كان من أسوأ الأعوام من حيث الاستهداف المباشر، لجنة الحماية وثّقت 124 حالة وفاة للعاملين في الإعلام خلال عامٍ واحد في بعض قواعدها، فيما رصدت هيئات أخرى أعداداً متفاوتة حسب المعايير المستخدمة، لكنّ الثابت أن زيادة نسبتها تفوق المعدلات التاريخية، إذ سجلت بعض المنظمات ارتفاعاً بنسبة تقارب 20–30% في قتلى الصحافة مقارنةً بعام 2022–2023 في مناطق معيّنة هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات، بل نقاط تَجمُّع لسيناريوهات إنسانية وقانونية وسياسية تتطلب استجابة دولية متناسقة.

تقارير منظمات العمل الصحفي أفادت بزيادات في بلاغات التعرض للتهديدات الإلكترونية بنسبة تقارب 40% خلال العام الماضي، وبحالات اختراق حسابات ومراسلات رسمية تجاوزت 200 حالة موثّقة في مؤسسات صحفية صغيرة ومتوسطة الحجم هذا التحول الرقمي في أساليب الاستهداف يعني أن حماية الصحفي لم تعد محصورة في الأدوات التقليدية (خوذ وسترات) بل تتطلّب تقنيات رقمية، وبنية تحتية آمنة، وتدريباً لآلاف العاملين على أدوات تشفير أساسية

الصحافة تحت الضغط

قال الكاتب الصحفي أبو السعود محمد، عضو مجلس نقابة الصحفيين المصريين الأسبق، إن المشهد الإعلامي العربي اليوم يشبه السير فوق خيط مشدود في عرض سيرك، خيط لا يسمح للصحفي بخطأ واحد، لأن السقوط فيه قد يكون قاسياً ومباشراً، مدفوعاً بمجموعة من القوانين المقيدة التي تحاصر حرية العمل الإعلامي وتضع الصحفي تحت تهديد دائم هذه المنظومة القانونية، حيث تمنح جهات مختلفة سلطة القبض على الإعلامي أو معاقبته، وتمنحها الحق في حجب المؤسسات الإعلامية أو إغلاقها، ورفض تراخيصها أو سحبها تحت ذرائع تمتد من الأمن القومي إلى التنظيم الإداري، ما يجعل الصحفي يعمل في حقل ألغام غير مرئي.

ويوضح أبو السعود محمد، في تصريحات لـ”صفر”، أن هذا المناخ المتوتر ينعكس مباشرة على الرسالة الإعلامية، خصوصاً عند تناول الشؤون السياسية أو الملفات الحساسة، فتخرج المواد الإعلامية بطابع رسمي أو شبه رسمي، كأنها تُكتب من خلف زجاج معتم لا يُظهر ملامح الحقيقة كاملة، ومع زيادة حدة القوانين والضغوط، يتجنب الصحفيون ملفات جوهرية، وعلى رأسها ملفات الفساد، فيفقد الإعلام أحد أهم أدواره الرقابية.

ويشرح أن الصحفي حين يعمل تحت ضغط الخوف تمر رسالته الإعلامية بسلسلة من التشوهات تبدأ بالرقابة الذاتية، وهي أخطر المراحل، فالصحفي قبل أن تصله رقابة المؤسسة أو الدولة، يصبح هو أول من يراقب نفسه، ويعيد صياغة الحقائق بطريقة لا تصطدم مع الخطوط الحمراء، فيتحول النص من شهادة موضوعية إلى نص محسوب بدقة، يخشى الاقتراب من جوهر المسألة، ثم تأتي مرحلة يشعر فيها الجمهور بفراغ الحقيقة، بوجود فجوة غير مفهومة في الخبر أو التقرير، كأن شيئاً مهماً تم حذفه أو تحوير مساره.

ويؤكد أبو السعود محمد أن هذا الانهيار التدريجي للثقة يحوّل خوف الصحفي إلى اضطراب عام في وعي الجمهور، إذ تصبح الثغرات في التغطية سبباً مباشراً في تعزيز المحتوى الشعبوي، ونشر الشائعات، وإضعاف المؤسسات الإعلامية التقليدية وبهذا يصبح التضييق في العالم العربي كالزجاج نصف المعتم، لا يحجب الحقيقة بالكامل، لكنه يبترها أو يحرّف سياقها بحيث لا تُرى بوضوح، ويظل الصحفي قادراً على العمل، لكن تحت سقف منخفض جداً يفرض عليه ما ينشر وما يمتنع عن نشره.

ويؤكد أن مؤسسات الإعلام تستطيع، إن أرادت، أن توفر مظلة حماية نسبية للصحفي، عبر وضع سياسات تحريرية تمنع التضحية بالعاملين خلال الأزمات، وتأسيس وحدات قانونية قادرة على الدفاع عنهم عند النزاع مع السلطات، إضافة إلى توفير تدريبات على العمل في البيئات الخطرة لضمان السلامة المهنية وصياغة المحتوى دون فقدان جوهر الحقيقة.

ويختم أبو السعود محمد بالتأكيد على أن الجمهور العربي، رغم القيود، يملك دوراً محورياً في الدفاع عن الإعلام الحر فدعم الجمهور للمحتوى الجاد والمسؤول يشجع المؤسسات على تبني خط أكثر استقلالية، كما أن توسيع النقاش العام عبر منصات التواصل يدفع الإعلام التقليدي إلى تناول قضايا كانت تُستبعد سابقاً، ويحتاج الجمهور أيضاً إلى وعي نقدي يميز بين التغطية الناقصة بسبب القيود وبين التضليل المتعمد، لأن هذا الوعي وحده قادر على حماية المجال العام من الفوضى.

رقابة الخوف الصحفي

قال الإعلامي المصري محمد زكي، إن الصحافة، بما تمثله من قيمة معرفية ودور اجتماعي، ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تمرير المعلومات، بل هي في جوهرها أداة لتشكيل الوعي العام وحماية المجتمع من الجهل والتضليل، فالمعلومة حتى وإن جاءت في صورة بسيطة أو ترفيهية، قد تحمل قدرة هائلة على إعادة صياغة توجهات الرأي العام، وتحديد مسار تفكير شرائح واسعة من المواطنين.

ويضيف زكي، في تصريحات لـ”صفر”: “أدوات السلطة المتشابكة -السلطة السياسية، والسطوة الاقتصادية، والنفوذ الفكري- تظل دائماً في حالة بحث عن وسائل لترويض الصحافة، سواء بالاستحواذ المباشر عبر الملكية، أو بالترهيب عبر التضييق والملاحقة، أو بالمنع عبر القيود المنظمة أو غير المنظمة”، معتبرا أن هذه الممارسات موجودة بنسب متفاوتة في كل دول العالم، لكنها تبلغ ذروتها في المجتمعات القمعية التي تُحاصَر فيها الكلمة الحرة، بينما تقل حدتها في المجتمعات الديمقراطية.

ويشير زكي إلى أن العمل الصحفي في مناخ معادٍ ليست مسألة عابرة؛ بل هي بيئة تتآكل فيها قدرة الصحفي على أداء مهمته الطبيعية فليس كل صحفي مقاتلاً بطبيعته، ولا مطلوباً من كل صحفي أن يخوض المعارك وحده من أجل الحقيقة، فالصحفي كما يوضح “إنسان قبل أن يكون صاحب رسالة”، يخشى فقدان منبره الإعلامي الذي يمثّل مصدر رزقه، ويخشى أكثر أن تتحول مهنته إلى باب يقوده إلى السجن أو الملاحقة.

ويشدد زكي على أن المؤسسات الإعلامية تلعب دوراً محورياً في رسم ملامح حرية الصحفي، فالمؤسسة قد تكون سيفاً مُسلّطاً على قلم الصحفي، وقد تتحول إلى شبكة حماية، وكل ذلك يتوقف على طبيعة ملكيتها، ومدى الارتباط بين أجندة المالك والخط التحريري العام. فالمؤسسات الإعلامية، كما يصفها، “أسيرة اتّجاهات مالكيها”، لكن بعض المؤسسات التي تُدار بقدر من الذكاء تسمح بوجود مساحة محدودة من التنوع المهني داخلها، لا تؤثر على خطها العام، لكنها تمنح شعوراً بالموضوعية والانفتاح.

ويرى زكي أن منصات التواصل الاجتماعي أحدثت تحولاً كبيراً في موازين القوة، فهي المخرج الحديث للصحفيين، والوسيلة الأقرب للجمهور والأسرع انتشاراً والأقل كلفة، وتمكّن الصحفي من تقديم مادته في شكل بصري جاذب يحقق له مردوداً مادياً مستقلاً، ويكسر احتكار رأس المال للمهنة. لكن، رغم هذا الانفتاح، تبقى سلطة الدولة حاضرة في المشهد، يظل رضاها أو غضبها مؤثراً في حياة الصحفي ومساحة حريته.

وختم زكي تصريحه قائلاً إن مستقبل الصحافة لا ينفصل عن مستقبل الحرية في أي مجتمع، وإن حماية الكلمة لا تتحقق بالشعارات بل بضمانات قانونية، وبيئة اقتصادية عادلة، وظهير نقابي قوي، وإيمان مجتمعي بأن الحقيقة ليست ترفاً بل حقاً أصيلاً لكل مواطن.

على ان أزمة الصحافة لا تختبر قدرة الصحفيين على الصمود فقط، بل تختبر قدرة المجتمعات على حماية حقها في المعرفة أيضا، فحين يضيق الهامش، لا يخسر الصحفي وحده؛ بل يخسر المجال العام، وتتراجع الثقة، وتتمدد الشائعات في الفراغ.

حماية الصحافة ليست امتيازاً لمهنة، بل ضمانة لاستقرار المجتمع نفسه، لأن الحقيقة حين تحاصر، لا تختفي، لكنها تبحث عن طرق أقل انضباطا للظهور. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل ننتظر أن تصبح الكلمة تهمة كاملة، أم نعيد رسم العلاقة بين السلطة والإعلام على أساس الشراكة في خدمة المجتمع؟