منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من محو الهوية إلى الصمت الدولي.. القصة الكاملة لأزمة مسلمي الإيغور في تركستان الشرقية

30 مايو 2026
احتجاجات ضد انتهاكات حقوق الإيغور
احتجاجات ضد انتهاكات حقوق الإيغور

في إحدى ضواحي إسطنبول، لا تزال الإيغورية زمرد تورسون تحتفظ بصورة قديمة لوالدتها التي اختفت داخل إقليم شينجيانغ الصيني منذ سنوات.. تقول في شهادتها التي وثقتها منظمة العفو الدولية إن آخر اتصال جمعها بوالدتها كان مقتضباً ومشحوناً بالخوف، قبل أن تنقطع أخبارها تماماً، وهذه القصة ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف الروايات التي تحولت خلالها حياة مسلمي الإيغور في تركستان الشرقية إلى ملف حقوقي وإنساني مفتوح، وسط اتهامات دولية متصاعدة للصين بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق تمتد من الاعتقال الجماعي إلى العمل القسري والمراقبة الرقمية والتضييق الديني والثقافي.

وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في تقريرها الرسمي الصادر عام 2022 والذي ما زال يمثل المرجعية الأممية الأهم حتى 2026، أن الانتهاكات المرتكبة بحق الإيغور وغيرهم من المسلمين في شينجيانغ “قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية”، وأشار التقرير إلى وجود أدلة موثوقة على الاحتجاز التعسفي واسع النطاق والتعذيب والعنف القائم على النوع الاجتماعي والقيود المفروضة على الحرية الدينية والثقافية، كما دعت المفوضية الحكومة الصينية إلى الإفراج الفوري عن المحتجزين وضمان احترام الحقوق الأساسية للسكان المسلمين في الإقليم.

جذور الأزمة

يقع إقليم شينجيانغ الذي يطلق عليه الإيغور اسم تركستان الشرقية، في شمال غربي الصين، ويضم نحو 26 مليون نسمة وفق بيانات المكتب الوطني للإحصاء في الصين لعام 2025، بينهم ما يقارب 12 مليوناً من الإيغور المسلمين الناطقين بالتركية، ويُعد الإقليم من أهم المناطق الاستراتيجية لبكين؛ نظراً لاحتوائه على احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والفحم، إضافة إلى موقعه المحوري في مشروع “الحزام والطريق” الصيني الذي يربط آسيا بأوروبا.

ومنذ ضم الإقليم إلى جمهورية الصين الشعبية عام 1949، تصاعدت التوترات بين السلطات الصينية والسكان المحليين، خاصة مع تنامي سياسات الدمج القسري والتغيير الديموغرافي. وتشير دراسات أكاديمية صادرة عن جامعة جورجتاون الأمريكية ومشروع بيانات الإيغور إلى أن نسبة قومية “الهان” الصينية ارتفعت بشكل كبير خلال العقود الماضية نتيجة برامج التوطين الحكومية، ما أدى إلى تراجع الوزن الديموغرافي والثقافي للإيغور داخل الإقليم.

مرحلة القبضة الأمنية

تقول منظمة هيومن رايتس ووتش إن التحول الأكبر في الأزمة بدأ بعد عام 2014، حين أطلقت الحكومة الصينية حملة “الضرب بقوة ضد الإرهاب والتطرف”، عقب سلسلة هجمات وأعمال عنف نسبت إلى متشددين من الإيغور، ومنذ ذلك الوقت، توسعت السلطات الصينية في بناء منظومة أمنية غير مسبوقة داخل الإقليم.

وبحسب منظمة العفو الدولية، فإن السلطات الصينية أنشأت منذ عام 2017 شبكة ضخمة من مراكز الاحتجاز السياسي ومعسكرات “إعادة التأهيل” التي مر عبرها أكثر من مليون شخص من الإيغور والكازاخ المسلمين، وفق تقديرات باحثين مستقلين والأمم المتحدة، وأكدت المنظمة أن المعتقلين تعرضوا لجلسات تلقين سياسي وإجبار على التخلي عن الممارسات الدينية الإسلامية، إلى جانب التعرض للتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من التواصل مع أسرهم.

العمل القسري والاقتصاد العالمي

أصبح ملف العمل القسري واحداً من أكثر المحاور حساسية في أزمة الإيغور، خاصة مع ارتباطه بسلاسل التوريد العالمية، ووفق تقرير وزارة العمل الأمريكية لعام 2025، فإن منتجات عديدة من شينجيانغ لا تزال مرتبطة بمخاطر العمل القسري، خصوصاً في قطاعات القطن والطاقة الشمسية والمنسوجات.

وتشير بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن إلى أن إقليم شينجيانغ ينتج نحو 20 بالمئة من القطن العالمي، إضافة إلى نسبة كبيرة من مادة “البولي سيليكون” المستخدمة في صناعة الألواح الشمسية، وأكد تقرير التحالف العالمي لإنهاء العمل القسري للإيغور أن مئات الشركات الدولية تعرضت لضغوط حقوقية خلال 2025 و2026 بسبب مزاعم الاستفادة غير المباشرة من منتجات مرتبطة بمصانع أو برامج نقل عمالة داخل الإقليم.

وفي فبراير 2025 ذكرت وكالة رويترز أن جماعات حقوقية تقدمت بدعاوى قانونية مرتبطة بملف العمل القسري ضد شركات أزياء عالمية، متهمة إياها بعدم التحقق بشكل كافٍ من مصادر المنتجات القادمة من شينجيانغ.

المراقبة الشاملة

وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش إقليم شينجيانغ بأنه مختبر عالمي للمراقبة الرقمية، حيث تستخدم السلطات الصينية تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجوه وجمع البيانات البيومترية بشكل مكثف.

وأكد تقرير صادر عن منظمة “أكسس ناو” الحقوقية عام 2025 أن السلطات الصينية تواصل تشغيل أنظمة مراقبة تعتمد على تحليل البيانات الضخمة والهواتف المحمولة والكاميرات الذكية لرصد تحركات السكان وأنشطتهم اليومية، كما تحدث التقرير عن نقاط تفتيش أمنية واسعة وإجراءات تفتيش متكررة تستهدف الإيغور بشكل خاص.

وفي أبريل 2026 كشفت وكالة أسوشيتد برس استمرار القيود المفروضة على المحتوى الثقافي الإيغوري، ومنها التضييق على الموسيقى واللغة والنشاط الفني، في إطار سياسة وصفتها منظمات حقوقية بمحاولة “إعادة تشكيل الهوية الثقافية” للسكان المسلمين.

تفكيك الهوية الدينية

أكدت منظمة العفو الدولية أن السلطات الصينية فرضت قيوداً واسعة على الممارسات الإسلامية، شملت منع بعض الموظفين والطلاب من الصيام، وحظر الأسماء الإسلامية في بعض المناطق، وإغلاق أو هدم آلاف المساجد والمراكز الدينية منذ عام 2017.

ووثق المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية تدمير أو إلحاق أضرار بنحو 16 ألف مسجد في شينجيانغ خلال السنوات الأخيرة، أي ما يعادل نحو 65 بالمئة من المساجد في الإقليم. كما أشارت تقارير أممية إلى نقل أعداد كبيرة من أطفال الإيغور إلى مدارس داخلية حكومية بعيداً عن أسرهم، حيث تتم إعادة صياغة هويتهم الثقافية واللغوية وفق المناهج الرسمية الصينية.

يرى عدد  من خبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان أن نمط الانتهاكات الموثقة في إقليم شينجيانغ قد يندرج ضمن الإطار القانوني للجرائم ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تشمل الاضطهاد والاعتقال التعسفي والتعذيب والترحيل القسري عندما تُرتكب بوصفها جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد مجموعة سكانية مدنية، وتستند هذه القراءة القانونية إلى تقييمات صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان التي أكدت في تقريرها لعام 2022 أن الأدلة المتوفرة تشير إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان قد ترقى إلى هذا المستوى من الجرائم الدولية، مع دعوة صريحة إلى اتخاذ إجراءات دولية لحماية المتضررين وضمان المساءلة.

وتعززت هذه التقديرات القانونية من خلال ما صدر عن ما يُعرف بمحكمة الإيغور في لندن، وهي هيئة شعبية قانونية مستقلة عقدت جلساتها في 2021 و2022 برئاسة خبراء قانون دولي، حيث خلصت في حكمها النهائي إلى أن الحكومة الصينية ارتكبت أفعالاً قد ترقى إلى جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية بحق الإيغور وغيرهم من المسلمين في شينجيانغ، ومنها التعذيب، والاضطهاد الديني، والتعقيم القسري، والتفكيك المنهجي للأسرة، وقد استندت المحكمة في استنتاجاتها إلى شهادات مباشرة من ناجين ووثائق وتقارير حقوقية دولية متعددة، بينها تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.

وفي السياق ذاته، أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقاريرها السنوية لعامي 2025 و2026 إلى أن استمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة يعكس فجوة خطيرة في منظومة العدالة الدولية، خاصة مع تعذر إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية نتيجة عدم تصديق الصين على نظام روما الأساسي، إضافة إلى استخدام بكين لحق النقض داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ما يعطل أي مسار قضائي دولي ملزم.

كما تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن آليات التحقيق الدولية واجهت قيوداً سياسية واضحة حالت دون فتح تحقيق قضائي دولي مستقل وملزم، رغم تزايد الأدلة على نطاق الانتهاكات، وتشير تقارير صادرة عن البرلمان الأوروبي في 2025 إلى أن غياب التوافق داخل مجلس حقوق الإنسان يعطل جهود المساءلة، في ظل ما يوصف بتأثير المصالح الاقتصادية والتجارية المتبادلة مع الصين في مواقف عدد من الدول الأعضاء.

وتوضح منظمة العفو الدولية في تقاريرها الحديثة أن غياب آليات تنفيذ فعالة داخل منظومة الأمم المتحدة سمح باستمرار الانتهاكات دون ردع قانوني مباشر، رغم إصدار بيانات إدانة ودعوات متكررة للتحقيق. كما تشير المنظمة إلى أن مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي للاجئين تعرض لانتهاكات في عدد من الحالات، منها عمليات ترحيل لاجئين إيغور من دول ثالثة إلى الصين، وهو ما اعتبرته المنظمة خرقاً لاتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين.

صمت دولي وانتقادات متصاعدة

انتقدت منظمات حقوقية ما وصفته بـ”الصمت الدولي” تجاه معاناة الإيغور، خاصة من جانب عدد من الدول الإسلامية التي تجنبت توجيه انتقادات علنية للصين.

وقالت منظمة العفو الدولية في بيان صدر خلال أغسطس 2025 إن مرور ثلاث سنوات على تقرير الأمم المتحدة دون محاسبة فعلية يمثل “فشلاً أخلاقياً وسياسياً للمجتمع الدولي”، وأضافت المنظمة أن الحكومات الغربية، رغم فرض بعضها عقوبات محدودة، لم تنجح في وقف الانتهاكات أو الضغط الجاد لإغلاق منظومة القمع في شينجيانغ.

كما أشار تقرير البرلمان الأوروبي لعام 2025 إلى أن المصالح الاقتصادية والتجارية مع الصين لا تزال تؤثر بشكل مباشر في مواقف العديد من الحكومات، خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصاد العالمي على السوق الصينية.

الإيغور في المنفى

لا تتوقف معاناة الإيغور عند حدود الصين، إذ يعيش عشرات الآلاف منهم في الشتات تحت ضغوط نفسية وخوف دائم على أقاربهم داخل شينجيانغ. ووفق “مشروع حقوق الإنسان للإيغور” في واشنطن، فإن مئات العائلات فقدت الاتصال بأقاربها منذ سنوات.

وفي فبراير 2025 أثار ترحيل تايلاند 40 لاجئاً من الإيغور إلى الصين موجة إدانات واسعة من الأمم المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش التي حذرت من تعرض المرحلين لخطر الاعتقال والتعذيب فور وصولهم.

الصين ترفض الاتهامات

تنفي الحكومة الصينية باستمرار جميع الاتهامات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في شينجيانغ، وتؤكد أن الإجراءات الأمنية تستهدف مكافحة الإرهاب والتطرف والانفصال، وتقول بكين إن مراكز التدريب المهني أسهمت في الحد من العنف وتحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية.

وخلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى شينجيانغ في 2025، أشادت وسائل الإعلام الرسمية بما وصفته بـ”النجاح الكبير” لسياسات الحزب الشيوعي في الإقليم، مؤكدة أن المنطقة تشهد نمواً اقتصادياً وتحسناً في مستويات المعيشة والسياحة.

لكن منظمات حقوق الإنسان تؤكد أن السلطات الصينية انتقلت من نموذج الاعتقال الجماعي الواسع إلى أنماط أكثر تعقيداً من القمع تعتمد على الرقابة الرقمية والضبط الاجتماعي وإعادة تشكيل الهوية الثقافية والدينية للسكان.

بعد أكثر من سبعة عقود على ضم تركستان الشرقية إلى الصين، لا تزال قضية الإيغور واحدة من أكثر الملفات الحقوقية حساسية في العالم، وبينما تؤكد بكين أن سياساتها ضرورية لحماية الأمن القومي وتحقيق التنمية، تصر الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية على أن ما يجري يمثل أزمة إنسانية عميقة تتطلب تحركاً دولياً أكثر جدية.

وفي ظل استمرار الانتهاكات وغياب آليات المحاسبة الدولية الفعالة، يبقى ملايين الإيغور عالقين بين القبضة الأمنية الصينية وصمت دولي تعده منظمات حقوقية غير متناسب مع حجم المأساة الإنسانية التي تتكشف فصولها عاماً بعد آخر.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية