منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

معضلة الذكاء الاصطناعي.. دعوى ضد “ميتا” تفتح ملف التمييز في تسريح الموظفين

22 يوليو 2026
الذكاء الاصطناعي وأزمة تسريح الموظفين - تعبيرية
الذكاء الاصطناعي وأزمة تسريح الموظفين - تعبيرية

فتحت دعوى قضائية جديدة ضد شركة ميتا بلاتفورمز بابًا واسعًا للنقاش بشأن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرارات تتعلق بمصير العاملين، بعدما اتهم عدد من الموظفين الشركة بالاعتماد على أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لاختيار الأشخاص الذين شملتهم عمليات التسريح.

وتسلّط القضية الضوء على التحديات القانونية التي تواجه العاملين عند محاولة إثبات أن الخوارزميات لعبت دورًا في قرارات التوظيف أو إنهاء الخدمة، في وقت يتوسع فيه استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل كبرى الشركات العالمية.

وذكرت وكالة رويترز أن الدعوى المرفوعة ضد ميتا لا تقتصر على الاعتراض على قرارات التسريح، بل تثير أيضًا تساؤلات قانونية حول مدى شفافية الشركات في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل، ومدى قدرة الموظفين على الوصول إلى الأدلة التي توضح كيفية اتخاذ هذه القرارات.

صعوبة إثبات التمييز

كشف القرار الصادر عن قاضي المحكمة الجزئية الأمريكية ويليام أوريك عن العقبة الرئيسية التي تواجه المدعين في هذا النوع من القضايا، إذ أوضح أن الموظفين لم يحضروا الاجتماعات التي اتخذت خلالها قرارات التسريح، وبالتالي لا يمتلكون معلومات مباشرة تمكنهم من إثبات أن الذكاء الاصطناعي لعب دورًا غير مشروع في اختيار الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم.

وأشار القاضي إلى أن المحكمة لا تستطيع تجاهل هذه الفجوة في الأدلة، خاصة مع عدم تقديم المدعين وثائق أو بيانات تقنية تثبت آلية استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي خلال عملية إعادة هيكلة الوظائف داخل الشركة.

ويؤكد هذا التحدي أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي سبق إلى حد كبير تطور القواعد القانونية المنظمة لها، وهو ما يجعل عبء الإثبات يقع على الموظفين، رغم أن الشركات تمتلك معظم البيانات المتعلقة بطريقة عمل الأنظمة الرقمية المستخدمة في اتخاذ القرارات.

اتهامات بالتمييز ضد موظفين

قال الموظفون الذين رفعوا الدعوى إن عمليات التسريح استهدفت بعض العاملين الذين حصلوا على إجازات مرضية أو عائلية، إضافة إلى موظفين من ذوي الإعاقات، معتبرين أن أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تقييم الأداء والإنتاجية وضعتهم في موقف غير متكافئ مقارنة بزملائهم.

وأضاف المدعون أن الأنظمة اعتمدت على مؤشرات رقمية لا تعكس الظروف الصحية أو الأسرية للعاملين، وهو ما قد يؤدي، بحسب الدعوى، إلى نتائج تحمل طابعًا تمييزيًا حتى إذا لم يكن ذلك مقصودًا من جانب الشركة.

التحكيم يقيد اللجوء إلى القضاء

تشكل اتفاقيات التحكيم الإلزامية عقبة إضافية أمام العاملين الذين يسعون إلى مقاضاة أصحاب العمل في الولايات المتحدة. وتفرض هذه الاتفاقيات على الموظفين تسوية النزاعات الوظيفية من خلال التحكيم الخاص بدلًا من المحاكم العامة، الأمر الذي يحرمهم في كثير من الحالات من رفع دعاوى جماعية أو عرض قضاياهم أمام هيئة محلفين.

ويرى محامون متخصصون في قضايا العمل أن سرية إجراءات التحكيم تحد من إمكانية كشف الأدلة أو الاستفادة منها في قضايا مشابهة، كما تقلل من فرص اطلاع الرأي العام على كيفية استخدام الشركات لأنظمة الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد البشرية.

وقالت كريستين ويبر، الرئيسة المشاركة لقسم الحقوق المدنية وقضايا العمل في مكتب كوهين ميلستين سيلرز آند تول، إن إثبات أن نظامًا معينًا ينتج نتائج تمييزية لا يسمح تلقائيًا بمشاركة تلك المعلومات مع بقية الموظفين، لأن قواعد التحكيم تمنع تداول كثير من الوثائق خارج نطاق القضية.

مضمون الدعوى

استند المدعون إلى مزاعم تفيد بأن ميتا استخدمت أدوات ذكاء اصطناعي متعددة عند تحديد الوظائف التي ستلغى، واعتمدت على قياس الإنتاجية ومستوى استخدام الموظفين لأدوات الذكاء الاصطناعي داخل الشركة، وهو ما انعكس، بحسب الدعوى، بصورة سلبية على العاملين الذين اضطروا إلى التغيب عن العمل لأسباب صحية أو لرعاية أحد أفراد الأسرة.

وأضافت الدعوى أن الشركة استعانت بأنظمة داخلية، من بينها مساعد رقمي يحمل اسم ميتاميت يعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة، إضافة إلى نظام داخلي أطلقت عليه اسم “الدماغ الثاني”، يقوم بتحليل الاتصالات الداخلية والوثائق الرقمية، فضلًا عن استخدام مؤشرات للإنتاجية تعتمد على بيانات مثل ضغطات لوحة المفاتيح، ومحتوى الشاشة، والبريد الإلكتروني، وسجل تصفح الإنترنت.

ويرى المدعون أن الاعتماد على هذه المؤشرات الرقمية قد يؤدي إلى تقييم غير منصف للعاملين الذين تقل معدلات نشاطهم لأسباب مشروعة يحميها القانون.

ميتا تنفي الاتهامات

رفضت شركة ميتا جميع الاتهامات الواردة في الدعوى، وأكدت في مذكراتها المقدمة إلى المحكمة أن الأشخاص المسؤولين داخل الشركة اتخذوا جميع القرارات المتعلقة بنحو ثمانية آلاف عملية تسريح أُعلن عنها في وقت سابق من العام، وأن الشركة لم تسمح لأنظمة الذكاء الاصطناعي باتخاذ قرارات مستقلة بشأن الموظفين.

كما نفت ميتا استخدام معدل الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي معيارًا لتقييم الأداء أو لاختيار الموظفين الذين شملتهم عمليات التسريح، وأكد متحدث باسم الشركة أن ميتا لا تملك أي تعليق إضافي يتجاوز ما ورد في الوثائق القضائية.

وأشار القاضي ويليام أوريك إلى أن المحكمة اضطرت في هذه المرحلة الإجرائية إلى التعامل مع إفادات الشركة باعتبارها قائمة، لأن المدعين لم يقدموا أدلة تقنية أو وثائق تناقضها.

جلسة مرتقبة

رفض القاضي إصدار أمر تقييدي مؤقت يوقف تنفيذ عمليات التسريح، لكنه أوضح أنه قد يعيد النظر في موقفه إذا تمكن المدعون من تقديم أدلة توضح كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات محل النزاع.

ومن المقرر أن تعقد المحكمة جلسة جديدة في 24 أغسطس للنظر في طلب إصدار أمر قضائي أولي قد يسمح بإعادة بعض الموظفين إلى وظائفهم بصورة مؤقتة حتى انتهاء إجراءات التحكيم، بينما دعا محامو المدعين العاملين الحاليين والسابقين في ميتا إلى تقديم أي معلومات أو وثائق قد تساعد في توضيح آلية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الشركة.

يشهد سوق العمل العالمي توسعًا متسارعًا في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات التوظيف وتقييم الأداء وإدارة الموارد البشرية، إذ تعتمد شركات كبرى على خوارزميات لتحليل بيانات الموظفين وقياس الإنتاجية والمساعدة في اتخاذ قرارات إدارية، وفي المقابل، حذرت جهات تنظيمية وخبراء قانونيون من أن هذه الأنظمة قد تنتج قرارات تمييزية إذا اعتمدت على بيانات غير متوازنة أو معايير لا تراعي الظروف الفردية للعاملين.

وأصدرت لجنة تكافؤ فرص العمل الأمريكية خلال الأعوام الأخيرة إرشادات تحث أصحاب العمل على التأكد من امتثال أنظمة الذكاء الاصطناعي لقوانين مكافحة التمييز، بينما يعمل الاتحاد الأوروبي على تطبيق قواعد تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات عالية المخاطر، ومنها التوظيف وإدارة العاملين، بهدف تعزيز الشفافية وحماية الحقوق الأساسية للموظفين.