تشهد كينيا تحولاً لافتاً في سياستها الخاصة بإدارة شؤون اللاجئين، مع اتجاه رسمي للانتقال من نموذج المخيمات التقليدي إلى نهج يقوم على الإدماج المحلي وتعزيز الحقوق، غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من طموحات سياسية وإنسانية، لا يزال يصطدم بتحديات ميدانية معقدة، خاصة في شمال البلاد حيث تقع مخيمات داداب، أحد أكبر وأقدم تجمعات اللاجئين في العالم.
ووفق ما أوردته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فإن مخيمات داداب التي تضم أكثر من 409 آلاف لاجئ، لا تزال تعكس حجم الضغوط المتراكمة الناتجة عن عقود من النزوح المزمن، وسط نقص الموارد وضعف الخدمات واستمرار الهشاشة الأمنية والاجتماعية، وتؤكد التقارير أن الانتقال من الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية إلى نموذج الإدماج المجتمعي يتطلب استثمارات طويلة الأمد في البنية المؤسسية والتنمية المحلية وبناء الثقة بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة.
تحولات تشريعية
في السنوات الأخيرة، أقرت كينيا إصلاحات تشريعية مهمة، أبرزها قانون اللاجئين لعام 2021 وخطة شيريكا، في محاولة لإرساء مقاربة أكثر شمولاً ترتكز على الحقوق وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية للاجئين والمجتمعات المحلية على حد سواء.
ويرى الأستاذ الدكتور فرانسيس إي. أواكاه، من مركز حقوق الإنسان والسلام بجامعة نيروبي، أن هذه الخطوات تعكس تحولاً مهماً في التفكير الرسمي، لكنه حذر من أن التطبيق على الأرض لا يزال يواجه عقبات حقيقية تتعلق بضعف التنسيق ومحدودية الموارد وتراجع الثقة المتبادلة.
وأوضح أن نجاح السياسات الجديدة يتطلب دمج مفاهيم بناء السلام والتماسك الاجتماعي ضمن منظومة إدارة اللاجئين، مؤكداً أن غياب الاستثمار المستدام في القدرات المحلية قد يهدد فرص نجاح التجربة برمتها.
دور أممي متواصل
وفي موازاة الإصلاحات الحكومية، كثفت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أنشطتها في شمال كينيا بهدف دعم المجتمعات المحلية وتعزيز آليات المساءلة والحوكمة القائمة على الحقوق.
وشملت هذه الجهود تدريب المجتمعات على إعداد الميزانيات المحلية وفق معايير حقوق الإنسان، ما يسمح بمشاركة أوسع في تحديد أولويات الإنفاق على الخدمات الأساسية داخل المقاطعات، كما دعمت المفوضية مبادرات التنسيق الأمني بين المدنيين والأجهزة الأمنية، إلى جانب برامج لرصد أوضاع حقوق الإنسان في المنطقة.
وعلى مدار الأشهر الثمانية عشر الماضية، قادت المفوضية بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين مشروعاً يهدف إلى ترسيخ مفاهيم بناء السلام والتماسك الاجتماعي داخل منظومة إدارة اللاجئين، بالشراكة مع مؤسسات منها اللجنة الوطنية الكينية لحقوق الإنسان، وجامعة نيروبي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي.
مخاوف من توقف الدعم
ورغم النتائج التي حققتها المبادرة، فإن المشروع يواجه خطر التوقف بسبب نقص التمويل، ما أثار مخاوف واسعة بشأن مستقبل المكتسبات التي تحققت خلال الفترة الماضية.
وقال إبراهيم عبدي قاسم، المسؤول في المكتب الإقليمي الشمالي الشرقي للجنة الوطنية الكينية لحقوق الإنسان، إن المشروع صُمم بطريقة تشاركية منذ بدايته، مع ترابط واضح بين مختلف الأنشطة، الأمر الذي ساعد على ترسيخ فهم أعمق لهياكل حماية حقوق الإنسان داخل المجتمعات المحلية.
من جانبه، حذر فينسينت أومونيين، المسؤول بمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في كينيا، من أن تقليص الدعم والتمويل في هذه المرحلة قد يؤدي إلى انتكاسة حقيقية، خاصة في ظل استمرار تعرض اللاجئين لانتهاكات متعددة، يتصدرها العنف القائم على النوع الاجتماعي.
أثر مباشر داخل المجتمع
وركز المشروع بصورة أساسية على بناء القدرات داخل المؤسسات والمجتمعات المحلية، حيث شارك أكثر من 1260 شخصاً، بينهم مسؤولون حكوميون وعاملون في المجال الإنساني ومدافعون عن حقوق الإنسان، في برامج تدريبية هدفت إلى تعزيز المساءلة القانونية وتحسين الوعي بالحقوق الأساسية.
وكان إنشاء منتديات حقوق الإنسان في كينيا من أبرز مخرجات المبادرة، إذ وفرت هذه المنصات مساحة للحوار المباشر بين اللاجئين والسلطات المحلية، وأسهمت في معالجة الشكاوى وتعزيز التعاون المجتمعي.
وعلى المستوى الشعبي، تحدثت أناب، مؤسسة ومديرة منظمة هالغان التي يقودها لاجئون، عن التأثير المباشر للمبادرة في المجتمعات داخل المخيمات، مؤكدة أن برامج التدريب ساعدت كثيرين على فهم حقوقهم للمرة الأولى.
وقالت إن المنظمة عملت مع الشباب والقيادات الدينية والفئات المهمشة لنشر الوعي بحقوق الإنسان وتشجيع الإبلاغ عن الانتهاكات، مضيفة أن المبادرة ساعدت كذلك في تمكين مئات النساء اقتصادياً من خلال دعم مشروعات صغيرة، إلى جانب مساعدة شباب معرضين لمخاطر نفسية واجتماعية حادة.
وأكدت أن الاحتياجات لا تزال كبيرة، وأن استمرار الدعم الدولي ضروري للحفاظ على التقدم المحقق وتوسيع نطاق الحماية والخدمات، مشددة على أن اللجوء ليس خياراً بالنسبة للاجئين بل واقع فرضته الظروف.
تُعد مخيمات داداب الواقعة شمال شرقي كينيا من أكبر تجمعات اللاجئين في العالم، وقد أُنشئت مطلع تسعينيات القرن الماضي لاستقبال الفارين من الحرب الأهلية في الصومال، وعلى مدى عقود، تحولت المخيمات إلى مركز دائم للنزوح الطويل الأمد، مع اعتماد مئات الآلاف من اللاجئين على المساعدات الإنسانية. وفي السنوات الأخيرة بدأت الحكومة الكينية، بدعم من الأمم المتحدة وشركاء دوليين، تتبنى سياسات جديدة تهدف إلى دمج اللاجئين اقتصادياً واجتماعياً داخل المجتمعات المضيفة بدلاً من حصرهم داخل المخيمات، في خطوة تعد تحولاً جوهرياً في سياسة اللجوء بالبلاد.
