في قلب العاصمة السياحية لكولومبيا، مديلين، وخلف بريق شوارع “إل بوبلادو” الصاخبة، باتت الهواتف الذكية تخفي تهديداً وجودياً يتجاوز مجرد الاحتيال المالي التقليدي.
تشير البيانات والتقارير الإحصائية الصادرة عن الأجهزة الأمنية الكولومبية والمرصد السياحي المحلي في مديلين لعامي 2025 ومنتصف 2026 إلى تحول مخيف في استراتيجيات شبكات الجريمة المنظمة، إذ لم تعد العصابات تعتمد على الأساليب التقليدية كالترصد في الشوارع المظلمة، بل انتقلت إلى الفضاء السيبراني، مستغلة خوارزميات تطبيقات المواعدة الشهيرة، مثل “تيندر” Tinder و”بامبل” Bumble، بوصفها أدوات رقمية عالية الكفاءة لاستدراج الضحايا واستهداف الفئات الأكثرعرضة للاستغلال، وتحديداً السياح الأجانب والرحالة الرقميين.
يعتمد هذا التحول على ما يسميه خبراء الأمن الرقمي وحقوق الإنسان “الهندسة الاجتماعية الممنهجة”، حيث تقوم الشبكات الإجرامية بإنشاء حسابات وهمية احترافية، تدار أحياناً بواسطة خلايا متخصصة تدرس سيكولوجية الضحية المستهدفة عبر تحليل بياناتها المتاحة علناً.
ووفقاً لرصد المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية المعنية بملف كولومبيا لعام 2025، فإن الضحايا يتم تصنيفهم واختيارهم بناءً على معايير دقيقة تشمل القدرة المالية، غياب الشبكة الاجتماعية المحلية الداعمة لهم، ولغتهم الأم.
التطبيقات التي صُممت أصلاً لتقريب المسافات الإنسانية وبناء العلاقات العاطفية، تحورت في البيئة الكولومبية لتصبح منصات لـ “البروفايل المستهدف”، حيث تُستغل رغبة المغتربين في التواصل الإنساني السريع لبناء ثقة زائفة وهشة، تمهد الطريق لعمليات اعتداء وسرقة جسيمة وخاطفة.
الخطورة في هذه الآلية تكمن في العزلة الرقمية التي تفرضها؛ فالخداع العاطفي الممنهج والتلاعب الرقمي يجعل الضحية يتخلى طواعية عن حذره المعتاد، ويوافق على اللقاء في أماكن خاصة أو شبه معزولة يقترحها الطرف الآخر بتدبير مسبق.
ويوضح معهد الطب الشرعي الوطني في كولومبيا في تقريره السنوي الأخير، أن وتيرة هذه الجرائم تصاعدت بشكل مطرد، مسجلةً زيادة نوعية في تعقيد الأساليب الرقمية المستخدمة للتخفي وتجنب الرصد الأمني، ما يجعل التعرف على الجناة عبر التطبيقات أمراً بالغ الصعوبة نتيجة استخدامهم لشبكات افتراضية خاصة (VPN) وهويات مزيفة يُعاد تدويرها باستمرار، ليتحول “التمرير لليمين” من خطوة للتعارف إلى فخ مميت.
التخدير القسري والابتزاز
انتقلت الجريمة المنظمة عبر تطبيقات المواعدة في كولومبيا من الخداع الرقمي إلى العنف الجسدي الحاد، متخذةً من “التخدير القسري” سلاحاً رئيسياً لشل حركة الضحايا وسلبهم أرواحهم ومدخراتهم.
وتتصدر مادة “السكوبولامين”، المعروفة محلياً باسم “أنفاس الشيطان”، المشهد الإجرامي، تظهر الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع والشرطة الوطنية الكولومبية لعام 2025 والربع الأول من عام 2026، أن العاصمة بوغوتا ومدينة مديلين سجلتا معاً أكثر من 1200 حالة اعتداء واستخدام قسري للمواد الكيميائية والمخدرة ضد سياح أجانب ومواطنين عبر لقاءات مدبرة بواسطة تطبيقات التعارف.
هذه المادة المستخلصة من نباتات محلية تملك القدرة على محو الإرادة تماماً وفقدان الذاكرة المؤقت في غضون دقائق، ما يتيح للجناة السيطرة الكاملة على الضحية دون إبداء أي مقاومة.
السيناريو المتكرر والمليء بالانتهاكات الحقوقية يبدأ بوضع قطرات أو مسحوق غير مرئي في مشروب الضحية أثناء اللقاء الأول، وبمجرد سريان المفعول، يتحول السائح إلى “روبوت بشري” يأتمر بأمر أفراد العصابة؛ فيقوم طواعية بتسليم أرقامه السرية، وفتح تطبيقاته البنكية وهواتفه عبر بصمة الوجه أو الإصبع، بل ومرافقتهم إلى أجهزة الصراف الآلي لسحب الحد الأقصى من الأموال.
وتؤكد السفارة الأمريكية في بوغوتا عبر تحذيراتها الأمنية الرسمية المحدثة، أن الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة من السكوبولامين شهدت قفزة مقلقة، حيث أدت تركيبات كيميائية خاطئة أو جرعات زائدة إلى سكتات قلبية مميتة لعدة مواطنين أجانب رُصدت جثثهم في غرف الفنادق أو الشقق المستأجرة عبر المنصات الرقمية.
تتجاوز الجريمة حدود السرقة الفورية لتصل إلى “الابتزاز الرقمي الممتد”؛ فالشبكات الإجرامية لا تكتفي بتفريغ الحسابات المصرفية، بل تعمد إلى تصوير الضحايا في أوضاع مخلة أو مهينة تحت تأثير المخدر، واستخدام هذه المواد لاحقاً لابتزازهم مالياً بعد مغادرتهم البلاد، مستغلين خوف الضحية من الفضيحة الاجتماعية أو التبعات القانونية في بلده الأصلي.
هذا النمط من الانتهاكات الجسدية والنفسية يمثل، بحسب الدراسات التحليلية الصادرة عن المراكز الحقوقية والأكاديمية بجامعة “إل روساريو” الكولومبية، انتهاكاً صارخاً للحق في السلامة الجسدية والأمن الشخصي، ويعكس وحشية تحالف التكنولوجيا مع المركبات الكيميائية السامة لإنتاج أشكال مستحدثة من العبودية والاعتداء وسلب الإرادة.
إفلات الجناة من العقاب
تواجه المنظومة القضائية والأمنية في كولومبيا تحديات هيكلية وقانونية معقدة تحول دون الملاحقة الفعالة لمرتكبي الجرائم الرقمية عبر تطبيقات المواعدة، ما يكرس بيئة من الإفلات شبه الكامل من العقاب.
وتكشف بيانات المكتب العام للمدعي العام في كولومبيا لعامي 2025 و2026 أن نسبة القضايا التي تصل إلى إدانات قضائية نهائية في هذا النوع من الجرائم لا تتعدى 4% من إجمالي البلاغات المسجلة. هذه الفجوة الحادة تعود بالأساس إلى طبيعة الأدلة الرقمية وسرعة اختفائها؛ فالجناة يقومون بحذف حساباتهم وتدمير شريحة الاتصال وإغلاق “الملفات الشخصية” فور انتهاء العملية، ما يترك أجهزة التحقيق الجنائي أمام مسارات رقمية ميتة وخيوط مقطوعة.
العقبة القانونية الثانية تتمثل في طبيعة المادة المخدرة المستخدمة “السكوبولامين”، إذ يتلاشى أثرها من مجرى دم الضحية في غضون 12 إلى 24 ساعة، ما يجعل الإثبات الطبي الشرعي القاطع للتخدير القسري أمراً غاية في الصعوبة إذا لم يخضع الضحية للفحص الفوري.
العديد من الضحايا يفيقون من الغيبوبة وهم يعانون من فقدان كامل للذاكرة حول تفاصيل الحادثة أو ملامح الجناة، ما يجعل شهاداتهم أمام القضاء ضعيفة وغير كافية لإصدار مذكرات توقيف.
وعلاوة على ذلك، يلعب “الوصم الاجتماعي” وشعور الضحية بالذنب أو الحرج من كونه استُدرج عبر تطبيق مواعدة دوراً حاسماً في عزوف ما يقرب من 65% من الضحايا الأجانب عن تقديم بلاغات رسمية للسلطات الكولومبية، ويفضلون مغادرة البلاد فوراً.
تتضاعف الأزمة القضائية بسبب تداخل الاختصاصات الدولية؛ فالضحية غالباً ما يكون مواطناً أجنبياً يغادر كولومبيا بعد أيام من الحادث، ما يجعل استدعاءه للمثول أمام المحاكم الكولومبية للإدلاء بشهادته أمراً شبه مستحيل عملياً ولوجستياً.
وتؤكد تقارير منظمة “الشفافية الدولية – فرع كولومبيا” أن ضعف التنسيق بين الشرطة السياحية ووحدات مكافحة الجرائم السيبرانية، ونقص التمويل المخصص لتتبع العمليات المالية المعقدة والعملات المشفرة التي تصب في حسابات الجريمة المنظمة، يحول هذه القضايا إلى ملفات راكدة، ويسهم في طمأنة الشبكات الإجرامية بأن الفضاء الرقمي الكولومبي يظل ملاذاً آمناً ومربحاً لأنشطتها.
معايير الأمان المفقودة
مع تصاعد حصيلة الضحايا والوفيات، يثور تساؤل حقوقي وقانوني ملح حول مدى مسؤولية المنصات التكنولوجية المالكة لتطبيقات المواعدة مثل شركة Match Group وغيرها، عن تعزيز معايير الأمان وحماية المستخدمين في البيئات عالية المخاطر.
وترى المنظمات الدولية الرائدة للدفاع عن الحقوق الرقمية ومكافحة الجرائم السيبرانية في تقاريرها الشاملة الصادرة مؤخراً، أن التدابير الأمنية التي اتخذتها هذه الشركات حتى الآن لا تتناسب مطلقاً مع حجم ونوعية التهديدات التي تشهدها كولومبيا.
المنصات تكتفي غالباً بإرسال إشعارات تحذيرية عامة تظهر للمستخدمين عند دخولهم النطاق الجغرافي لمدن مثل مديلين أو بوغوتا، وهي خطوة يراها الخبراء محاولة لإخلاء المسؤولية القانونية أكثر منها حماية حقيقية للمستخدمين.
ووفقاً لمؤشرات الأمان الرقمي الصادرة عن معاهد رصد الخصوصية والتكنولوجيا لعام 2025، فإن هناك تقاعساً تكنولوجياً واضحاً في تطوير خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على رصد الأنماط السلوكية المشبوهة، مثل الحسابات التي تقوم بمراسلة عشرات السياح الأجانب في فترات زمنية قصيرة، أو الحسابات التي يتم الإبلاغ عنها مراراً وتكراراً دون اتخاذ قرار بحظرها بشكل نهائي أو ربط الحظر بالرقم التعريفي للجهاز.
تتزايد الضغوط الدولية والتشريعية اليوم لإلزام هذه الشركات بتحمل مسؤولية تضامنية؛ حيث تدرس بلديات المدن الكبرى في كولومبيا بالتعاون مع المشرعين، كما ورد في المداولات والتقارير البرلمانية الكولومبية الصادرة لعام 2025 و2026، فرض عقوبات مالية على الشركات التكنولوجية التي لا تستجيب لطلبات البيانات القضائية بسرعة كافية أثناء التحقيق في جرائم الاستدراج والقتل.
حماية الحق في الحياة والأمان الرقمي تقتضي انتقال المنصات من دور المشاهد المحايد الذي يجني أرباحاً هائلة من الإعلانات والاشتراكات، إلى شريك فاعل في المنظومة الأمنية، عبر دمج ميزات أمان متقدمة مثل زر الطوارئ المرتبط بالشرطة المحلية، والتحذير التلقائي عند مشاركة مواقع جغرافية خطرة، لإنقاذ أرواح بشرية.
منصات لاصطياد الضحايا
أكدت رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي والميتافيرس في مجموعة شركات “الدقة الأردنية والسحابة الكبيرة للذكاء الاصطناعي والتقنيات الغامرة” في المملكة العربية السعودية، الدكتورة لمان محمد، أن المعضلة الحقيقية المحيطة بالمخاطر الأمنية المتصاعدة لتطبيقات التعارف والمواعدة الرقمية لا تكمن في طبيعة التطبيقات نفسها كمنصات تقنية، بل في حجم البيانات الحساسة والخوارزميات الموجهة التي تديرها.
وأوضحت الدكتورة لمان محمد، في تصريح خاص لـ”صفر”، أن هذه المنصات تمتلك مخزوناً معلوماتياً هائلاً يفوق توقعات المستخدمين بكثير، إذ تتبع بدقة مواقعهم الجغرافية، وأعمارهم، واهتماماتهم الشخصية، وحتى طبيعة الأشخاص الذين يتفاعلون معهم وأوقات نشاطهم اليومي، مشددة على أن هذه البيانات لا تمثل مجرد معلومات عادية بالنسبة للمجرمين والمنظمات التخريبية، بل تتحول إلى ملفات استخباراتية جاهزة ومتكاملة تُسهّل على الجناة اختيار الضحايا المناسبين بدقة واستهدافهم بناءً على نقاط ضعفهم الرقمية والسلوكية.
وأشارت، في سياق تحليلها للعديد من القضايا الأمنية التي جرى رصدها ومتابعتها عن كثب، إلى أن الهجمات والجرائم الإلكترونية عبر هذه المنصات لا تبدأ عادة بهدف السرقة أو الابتزاز المباشر، وإنما تنطلق من خلال ما يُعرف بـ”الهندسة الاجتماعية”، حيث يعمد المهاجم إلى التسلل عبر حسابات وهمية تبدو احترافية وواقعية للغاية باستخدام صور منتقاة بعناية، ويبدأ في إدارة المحادثات بطرق مدروسة وممنهجة تستمر لعدة أيام أو أسابيع بهدف بناء جسور ثقة وهمية مع الضحية.
ولفتت إلى أن السيناريو المتكرر ينتهي غالباً بمحاولة نقل المحادثات إلى تطبيقات أخرى أكثر خصوصية مثل “واتساب” أو “تيليجرام”، أو استدراج الضحية إلى لقاء ميداني في مكان محدد، وهنا تبدأ الجريمة الفعلية على أرض الواقع.
أنماط إجرامية خطيرة
ونبهت الدكتورة لمان، إلى وجود أنماط إجرامية خطيرة للغاية جرى رصدها دولياً، مستشهدة بما حدث في كولومبيا، حيث استغلت عصابات منظمة هذه التطبيقات الرقمية لاستدراج السياح الأجانب، ثم تخديرهم باستخدام مواد كيميائية خطيرة مثل “السكوبولامين” لسرقة أموالهم واختطافهم، مؤكدة أن هذا المثال يوضح كيف يمكن للهجوم الرقمي الذي يبدأ بلمسة على شاشة الهاتف الذكي أن يتحول سريعاً إلى اعتداء جسدي مروع ومهدد للحياة في العالم الحقيقي.
وفيما يتعلق بالحلول التقنية والمسؤولية القانونية والمجتمعية للمنصات، شددت الدكتورة لمان، على أنه من الناحية الفنية يمكن تقليص هذه المخاطر الجسيمة بشكل كبير عبر تفعيل تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، التي تمتلك القدرة على رصد الأنشطة المشبوهة فوراً، مثل قيام حساب واحد بإرسال الرسالة النصية نفسها إلى مئات الأشخاص في وقت واحد، أو تغيير موقعه الجغرافي بشكل غير منطقي، أو استخدام صور مسروقة ومكررة على الإنترنت.
وأكدت أنها لا تهدف إلى إلقاء كامل المسؤولية الجنائية على عاتق المنصات الرقمية، كون المجرم هو الفاعل الأساسي، لكنها ترفض في المقابل فكرة أن ينتهي دور المنصة بمجرد توفير التطبيق للمستخدمين، معتبرة أن تقاعس المنصات عن اتخاذ إجراءات رادعة تجاه حسابات تتلقى آلاف البلاغات أو تظهر سلوكيات مشبوهة يجعلها جزءاً من المشكلة.
وانتقدت الدكتورة لمان، اعتماد كثير من هذه المنصات على مبدأ الاستجابة اللاحقة للبلاغات بعد وقوع الضرر، داعية إلى ضرورة تبني أنظمة استباقية تمنع الجريمة قبل حدوثها، أسوة بالقطاع المالي والمصرفي الذي يوقف بطاقات الائتمان فوراً ويطلب التأكيد عند رصد أي عمليات شراء غير طبيعية.
تقييد الحسابات عالية الخطورة
وتساءلت الدكتورة لمان، عن أسباب عدم تطبيق تطبيقات المواعدة المبدأ الوقائي نفسه، عبر تقييد الحسابات عالية الخطورة التي تتواصل مع عشرات الأشخاص في مدن مختلفة خلال وقت قصير أو تصر على الانتقال السريع إلى تطبيقات أخرى.
ونبهت رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي والميتافيرس إلى أن تقنيات الحماية الذكية ليست تكنولوجيا مستقبلية بعيدة المنال، بل أدوات مستخدمة بنجاح منذ سنوات في البنوك وشركات مكافحة الاحتيال، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل مواجهة الجريمة الرقمية عبر الانتقال من مرحلة البحث التقليدي عن الكلمات الدالة إلى مرحلة التحليل السلوكي العميق.
وأوضحت أن هذه التقنيات يمكنها الربط بين عشرات الحسابات ذات الأسماء والصور المختلفة، واكتشاف أنها تتحرك كشبكة إجرامية واحدة بناءً على تطابق أنماط الرسائل والتحركات الجغرافية والفئات المستهدفة.
ومع ذلك، شددت على ضرورة وضع حدود تشريعية وتقنية واضحة تضمن ألا تتحول جهود الحماية إلى رقابة شاملة تنتهك خصوصية المستخدمين، مؤكدة رفضها قيام الأنظمة بقراءة الرسائل الخاصة للمستخدمين، والاكتفاء بتحليل المؤشرات السلوكية العامة مثل سرعة إنشاء الحساب، وكثافة المحادثات، وتكرار الأنماط، واستخدام شبكات إخفاء الهوية، دون المساس بالمحتوى إلا في حالات البلاغات الرسمية أو بوجود أمر قانوني.
واختتمت الدكتورة لمان، تصريحها بالتأكيد على أن انتظار التشريعات والقوانين لن يكون كافياً في ظل تسارع تطور التقنية مقارنة بالبطء التشريعي، مما يمنح المجرمين أسبقية دائمة، مشيرة إلى أن الحل الجذري يكمن في تكامل دور الدول عبر فرض معايير أمان دنيا، مثل التحقق من الهوية والتعاون مع جهات إنفاذ القانون، إلى جانب مسؤولية الشركات في الاستثمار في تقنيات الأمن التنبؤي لمنع الجريمة بشكل استباقي.
وأكدت أن مفهوم الأمن السيبراني اليوم تجاوز حماية الأنظمة والأجهزة، ليتركز بشكل أساسي على حماية الإنسان نفسه من التهديدات الرقمية والواقعية على حد سواء.
تعديلات تشريعية عاجلة
من جانبه، قال ياسر محمد، باحث بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن مكافحة الجرائم الإلكترونية عبر تطبيقات المواعدة تتطلب تعديلات تشريعية عاجلة تُلزم الدولة بحماية مواطنيها رقمياً، مؤكداً المسؤولية القانونية المباشرة وغير المباشرة للشركات التكنولوجية المشغلة لهذه المنصات في حماية مستخدميها من الابتزاز والأنشطة الإجرامية.
وفي تصريحات خاصة لـ”صفر”، أشار ياسر محمد إلى أن الجرائم التي تُرتكب عبر تطبيقات المواعدة الإلكترونية لا تُمثل نمطاً إجرامياً مستقلاً بذاته في جوهره، بل هي امتداد لأساليب إجرامية تقليدية جرى تطويعها تكنولوجياً، وبالتالي فهي تخضع بذات القوة والاتساع للقوانين العامة والخاصة بالجرائم الإلكترونية السارية في البلاد، بحيث يتحدد التوصيف القانوني والإجراء العقابي بحسب طبيعة ونوع كل جريمة على حدة.
وأكد الباحث الحقوقي أن عملية إثبات هذه الجرائم تواجه تحديات تقنية ولوجستية معقدة ترتبط أساساً بنوع الجريمة والآليات المتبعة لتوثيقها، مشيراً إلى أن المعوق الأكبر لا يكمن في وجود تحديات خارجية عابرة للحدود، بل في مدى استجابة وتعاون المواقع والتطبيقات نفسها مع جهات التحقيق الرسمية؛ حيث ترفض هذه الشركات في كثير من الأحيان تسليم بيانات المستخدمين وسجلاتهم الرقمية إلا بموجب تكاليف مالية باهظة جداً تفرضها بوصفها شروطاً للتعاون الفني.
ونبه ياسر إلى مفارقة جوهرية في هذا الصدد، موضحاً أن الحكومة المصرية تجد نفسها في بعض الأحيان قادرة على تحمل هذه الكلف المالية المرتفعة وتوفير الميزانيات اللازمة لطلب البيانات الرقمية عندما يتعلق الأمر بالقضايا والجرائم ذات الطابع السياسي لحفظ الأمن، في حين يتعذر ذلك غالباً في سياق الجرائم الجنائية والمدنية الاعتيادية نتيجة للارتفاع المستمر في الأسعار وتصاعد الأعباء الاقتصادية، ما يؤدي إلى تعطل مسار العدالة وضياع حقوق العديد من الضحايا.
وعلى الصعيد الاجتماعي والنفسي، أشار ياسر إلى الأبعاد التي تجعل بعض الفئات أكثر عرضة للوقوع في شباك هذه الجرائم، موضحاً أن السياح الأجانب غالباً ما يقعون ضحايا لهذه الممارسات نظراً لافتقارهم إلى شبكات العلاقات الاجتماعية الداعمة في بلد الغربة، ما يدفعهم للاستعانة بتلك التطبيقات لبناء صلات إنسانية سريعة. كما نبه إلى أن المراهقين يمثلون فئة هشة أخرى تقبل على هذه المنصات بدافع البحث عن علاقات اجتماعية جديدة نتيجة للشعور بالوحدة، أو لتلبية احتياج عاطفي، أو رغبة في القبول الاجتماعي، ما يولد لديهم ثقة عمياء وسريعة في أطراف مجهولة.
وأكد الباحث في تصريحه أن المعضلة الكبرى المتلازمة مع هذه الجرائم هي إحجام الضحايا عن إبلاغ السلطات الرسمية، إذ يسيطر على هذه الفئات خوف دائم من “الوصم الاجتماعي” الشديد، أو خشية المراهقين من القمع ومساءلة الأسرة وعقابها، ناهيك عن الملاحقات الأمنية المعقدة التي قد تواجه السياح الأجانب، ما يؤدي في النهاية إلى تخلي الضحايا عن حقوقهم القانونية وتفضيلهم الصمت، وهو ما يمنح المجرمين مناخاً آمناً للاستمرار في ابتزازهم.
وفي سياق متصل، فصّل ياسر محمد المسؤولية القانونية للشركات التقنية المشغلة لهذه التطبيقات، حيث قسمها إلى نوعين؛ مسؤولية مباشرة تقوم في حال ثبت علم الشركة بالنشاط الإجرامي الممارس عبر منصتها ومع ذلك تجاهلت البلاغات والشكاوى المقدمة من المشتركين، أو إذا ثبت إهمالها الجسيم في اتخاذ إجراءات الحماية الفنية الأساسية، أما النوع الثاني فهو المسؤولية غير المباشرة، والتي تتمثل في المسؤولية المدنية الناتجة عن ضعف إجراءات الحماية الفنية الشاملة، والتقصير الواضح في التحقق من الهويات الحقيقية للمستخدمين، فضلاً عن غياب التحذيرات الأمنية الدورية والنصائح التوعوية الضرورية لحماية المتعاملين.
ونبه الباحث إلى وجود أزمة عميقة في مستويات الوعي الرقمي العام لدى المجتمع، حيث يقع الكثير من المستخدمين في أخطاء تقنية وسلوكية فادحة ومستمرة، مثل الاستجابة لطلبات فتح الكاميرا الشخصية في محادثات مع غرباء، أو التسرع في إعطاء بيانات الحسابات البنكية السرية والمعلومات الشخصية الدقيقة، ما يسهل عمليات الابتزاز والسرقة الإلكترونية.
واختتم ياسر محمد تصريحه بطرح رؤية وخارطة طريق للحل، مؤكداً: “نحن بحاجة ماسة ومستعجلة إلى تعديل تشريعي وطني يلزم الدولة بصورة قاطعة بتفعيل دورها في الحماية الرقمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وصياغة اتفاقيات ملزمة مع الشركات المالكة للتطبيقات لتسهيل وتسريع اتخاذ الإجراءات القانونية ضد الجناة”، داعياً المجتمع المدني إلى الاضطلاع بدوره المحوري في نشر الوعي الرقمي وتسهيل وتطوير آليات الحماية والمساءلة المجتمعية لضمان فضاء رقمي آمن للجميع.

