شهدت مناقشات فلسطين خلال أعمال مجلس حقوق الإنسان نقاشاً واسعاً حول تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، حيث تركزت المداخلات على توسع الاستيطان وتصاعد عنف المستوطنين، الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية، الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، ملف الأسرى والمعتقلين، وسبل تعزيز المساءلة الدولية.
وأظهر الطابع العام للجلسة أن غالبية الدول والمجموعات الإقليمية والمنظمات الحقوقية تعاملت مع الانتهاكات في الأرض الفلسطينية المحتلة باعتبارها جزءاً من منظومة سياسية وقانونية قائمة على الاحتلال والاستيطان، لا باعتبارها حوادث منفصلة أو أعمال عنف فردية، وقد كان عنف المستوطنين المحور الأكثر حضوراً، إذ ربطت مداخلات عديدة بين هذا العنف وبين سياسات التهجير ومصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات وتقويض حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
وفي المقابل، ركزت بعض الدول والمنظمات غير الحكومية على انتهاكات حركة حماس والجماعات المسلحة الفلسطينية، لا سيما في ما يتعلق بأحداث السابع من أكتوبر، واحتجاز الرهائن، والانتهاكات ضد المدنيين، غير أن هذا الاتجاه بقي موازياً للنقاش الرئيسي، ولم يلغِ التركيز الواسع على مسؤولية إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال.
وبرز في نهاية الجلسة توجه واضح من لجنة التحقيق نحو مطالبة الدول بالانتقال من مرحلة التعبير عن القلق والإدانة إلى اتخاذ إجراءات عملية، تشمل العقوبات، مساءلة الأفراد والكيانات، وقف الدعم الاقتصادي للمستوطنات، ومراجعة أي مزايا أو إعفاءات ضريبية للجهات التي تقدم دعماً مباشراً أو غير مباشر للاستيطان.
وبرز خلال المناقشات حضور واضح للاتهامات السياسية والحقوقية، وإن لم تأخذ في معظمها شكل مواجهة مباشرة بين وفود الدول، فقد وجّهت غالبية الدول العربية والإسلامية ودول الجنوب العالمي، إلى جانب عدد من المنظمات الحقوقية، اتهامات مباشرة لإسرائيل باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال، وحمّلتها المسؤولية عن الاستيطان، عنف المستوطنين، التهجير القسري، الضم الفعلي، الانتهاكات في غزة، وعرقلة عمل لجنة التحقيق.
وفي المقابل، ركزت دول غربية وبعض المنظمات غير الحكومية على اتهام حماس والجماعات المسلحة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين واحتجاز الرهائن وممارسة العنف داخل غزة، كما ظهرت مداخلات اتهمت لجنة التحقيق بالتحيز وعدم التوازن، واعتبرت أنها لا تحمل حماس وإيران والحرس الثوري المسؤولية الكافية عن دورهم في تأجيج النزاع.
وفي ختام الجلسة، وسّعت لجنة التحقيق دائرة المساءلة لتشمل ليس فقط الأفراد والجماعات المسلحة والمستوطنين، بل أيضاً الشركات والمؤسسات التي تقدم دعماً مباشراً أو غير مباشر للمستوطنات أو تسهم في استمرار الوضع غير القانوني.
مناقشات حول الاستيطان
يمكن تلخيص النقاش العام في أن مجلس حقوق الإنسان شهد مواقف واسعة ترى أن استمرار الاحتلال والاستيطان يشكلان السبب الجذري للانتهاكات في الأرض الفلسطينية المحتلة، وقد أجمعت معظم المداخلات على خطورة عنف المستوطنين، وعلى أن الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الانتهاكات وتوسيع نطاقها.
اللجنة الدولية المستقلة شددت على أنها تعمل وفق معايير مهنية ومنهجية معترف بها دولياً، وأكدت أن مهمتها هي تحقيق العدالة لجميع الضحايا دون تمييز، كما جددت دعوتها لإسرائيل للتعاون معها والسماح لها بالوصول إلى الأرض المحتلة والضحايا والشهود، معتبرة أن غياب هذا التعاون يحد من قدرتها على تنفيذ ولايتها بصورة كاملة.
وفي ختام الحوار، قدّم أعضاء اللجنة رسالة واضحة مفادها أن التقارير والقرارات والتوصيات لم تعد كافية وحدها، وأن المطلوب الآن هو استخدام الدول للأدوات القانونية والسياسية والاقتصادية المتاحة لديها لضمان المساءلة.
وشملت هذه الأدوات: الجزاءات الموجهة، مساءلة الشركات، وقف تدفق الموارد إلى المستوطنات، واستخدام الولاية القضائية الوطنية أو العالمية عند الاقتضاء.
موقف الدول العربية
جاء موقف الدول العربية منسجماً إلى حد كبير، حيث ركزت المداخلات العربية على تحميل إسرائيل المسؤولية الأساسية عن الانتهاكات باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال، وقد أكدت الدول العربية أن عنف المستوطنين والاستيطان والتهجير القسري والضم الفعلي تمثل جميعها انتهاكات ممنهجة للقانون الدولي، وليست ممارسات منفصلة.
المجموعة العربية، التي تحدثت باسمها السودان، رحّبت بتقرير لجنة التحقيق، وأدانت رفض إسرائيل التعاون مع آليات المجلس، واعتبرت أن عنف المستوطنين يأتي ضمن سياسة تهدف إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية وتهجير الفلسطينيين، كما شددت على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
أما مجلس التعاون الخليجي، الذي تحدثت باسمه البحرين، فقد ركز على إدانة تصاعد اعتداءات المستوطنين، ورفض الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير القسري وتدمير الممتلكات، وأكد المجلس رفض أي تغيير للوضع القانوني أو التاريخي أو الديموغرافي في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وقدّمت الإمارات موقفاً دبلوماسياً واضحاً، ركز على رفض ضم أي جزء من الأرض الفلسطينية، ورفض التوسع الاستيطاني وفرض السيادة وتغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للضفة الغربية، كما جددت دعمها لحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
وتقاطعت مداخلات دول مثل الأردن، وقطر، ومصر، والسعودية، والكويت، والعراق، والجزائر، وتونس، وليبيا، ولبنان، واليمن، وعُمان، وموريتانيا، والصومال وسوريا في إدانة الاحتلال والاستيطان وعنف المستوطنين، مع تفاوت في حدة اللغة المستخدمة، فقد ركزت بعض الدول على أن إنهاء الانتهاكات يتطلب إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وتفكيك المستوطنات وفق القانون الدولي.
واستخدمت دول أخرى خطاباً سياسياً أعلى سقفاً تحدث عن الإبادة والمحو والتهجير، في المقابل، حافظت بعض المداخلات على لغة قانونية ودبلوماسية تدعو إلى حماية المدنيين، تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
وبشكل عام، عكس الموقف العربي وحدة واضحة في رفض الاستيطان والضم، ودعم المساءلة الدولية، والتأكيد على أن جذور الأزمة تكمن في استمرار الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الأساسية.
موقف الدول الأوروبية
اتسم موقف الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية بطابع متوازن، إذ جمع بين دعم عمل لجنة التحقيق والدعوة إلى احترام القانون الدولي، وبين إدانة حماس والجماعات المسلحة الفلسطينية.
الاتحاد الأوروبي أكد دعمه للجنة وضرورة تعاون إسرائيل وجميع الأطراف مع آليات حقوق الإنسان، وشدد على واجب إسرائيل حماية السكان الواقعين تحت الاحتلال، كما رفض التغييرات الديموغرافية والجغرافية والتهجير القسري، ودعا إلى تنفيذ قرارات وقف إطلاق النار، مع إدانة واضحة لحماس.
الدول الأوروبية قدمت مداخلات متفاوتة في حدتها، أيرلندا كانت من أكثر المداخلات الأوروبية تقدماً، إذ ركزت على تصاعد عنف المستوطنين، والإفلات من العقاب، ومسؤولية إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال، كما سألت عن التدابير العملية التي يمكن للدول اتخاذها لتعزيز المساءلة.
فرنسا ركزت على حماية المدنيين، وإيصال المساعدات إلى غزة، ورفض الاستيطان والتشريد في الضفة الغربية والقدس الشرقية، معتبرة أن هذه الممارسات تؤدي إلى ضم فعلي، لكنها في الوقت ذاته ربطت مستقبل غزة بضرورة نزع سلاح حماس.
لوكسمبورغ حذّرت من مسار الضم الفعلي والدائم، وانتقدت السياسات القانونية والإدارية التي تسهل السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ في الضفة الغربية، كما أدانت عنف المستوطنين ورفضت عقوبة الإعدام.
النرويج وآيسلندا ونيوزيلندا وليختنشتاين قدّمت مواقف حقوقية متوازنة، أدانت عنف المستوطنين ودعت إلى حماية المدنيين، لكنها في الوقت ذاته أشارت إلى انتهاكات حماس والجماعات المسلحة، المملكة المتحدة تحفظت على الولاية المفتوحة زمنياً للجنة، لكنها أيدت توثيق الانتهاكات من جميع الأطراف، وأدانت الاستيطان وعنف المستوطنين، ودعت الشركات البريطانية إلى النأي عن أنشطة المستوطنات.
بالمحصلة، يمكن وصف الموقف الأوروبي بأنه داعم للقانون الدولي وحل الدولتين، ورافض للاستيطان وعنف المستوطنين، لكنه يحرص في الوقت نفسه على إدانة حماس والتأكيد على قضايا الرهائن ونزع السلاح.
موقف دول الأمريكتين
ضمن الرصد المتاح، لم تُسجل مداخلة مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية في هذه المناقشات، ولذلك لا يمكن نسبة موقف أمريكي رسمي محدد إلى الجلسة من خلال المادة المرصودة.
أما دول الأمريكتين التي شاركت في النقاش فقدمت مواقف متباينة، كندا تبنت موقفاً غربياً متوازناً، ركز على الوضع الإنساني الكارثي في غزة، وأدان انتهاكات حماس والجماعات المسلحة، ودعا إلى نزع سلاح حماس وعدم مشاركتها في حكم غزة، وفي الوقت ذاته، رفضت كندا التوسع الاستيطاني وخطط الضم وعنف المستوطنين، وأشارت إلى فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بالعنف.
البرازيل قدّمت موقفاً أكثر قرباً من خطاب المساءلة، حيث ركزت على عنف المستوطنين، ودوره في التهجير القسري، وحمّلت القوات الإسرائيلية مسؤولية عدم حماية المدنيين الفلسطينيين، كما شددت على ضرورة السماح للجنة التحقيق بالوصول غير المشروط.
كولومبيا، باسم مجموعة لاهاي، قدمت واحدة من أقوى المداخلات سياسياً وقانونياً، إذ وصفت ما يجري بأنه إبادة جماعية مستمرة، وربطت بين الاستيطان والضم والفصل العنصري، ودعت إلى تدابير عملية تشمل الولاية القضائية العالمية وحماية الفلسطينيين.
فنزويلا قدمت خطاباً عالي السقف، أدانت فيه ما وصفته بالانتهاكات الممنهجة ضد الفلسطينيين، ودعت إلى وقف الإبادة ومحاسبة المسؤولين، أما بيرو فقد تبنت موقفاً أكثر دبلوماسية وتحفظاً، ركز على احترام القانون الدولي وحماية المدنيين وحل الدولتين.
وعليه، لم يظهر موقف موحد لدول الأمريكتين، بل تدرجت المواقف بين الخطاب الغربي المتوازن كما في كندا، والخطاب الحقوقي الحاد كما في كولومبيا وفنزويلا، والموقف الدبلوماسي الهادئ كما في بيرو.
موقف المنظمات غير الحكومية
لعبت المؤسسات الوطنية والمنظمات غير الحكومية دوراً مهماً في توسيع النقاش وإدخال ملفات تفصيلية لم تركز عليها الدول بالقدر نفسه، وقد انقسمت مداخلات المؤسسات والمنظمات إلى اتجاهين رئيسيين.
الاتجاه الأول كان داعماً بقوة لفلسطين والمساءلة، فقد ركزت اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين على أن إسرائيل لا تتحمل فقط مسؤولية مباشرة عن الانتهاكات، بل تتحمل أيضاً مسؤولية خلق بيئة الفوضى والعنف، لا سيما في غزة، من خلال تدمير البنية المدنية والشرطية والقضائية، كما اعتبرت أن عنف المستوطنين في الضفة والقدس الشرقية مدعوم سياسياً وعسكرياً وقانونياً ومالياً.
الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال ركزت على ملف الأطفال المعتقلين، مشيرة إلى وجود ما لا يقل عن 350 طفلاً فلسطينياً في السجون الإسرائيلية، وأن نصفهم أو أكثر محتجزون إدارياً دون تهم أو محاكمة، وطالبت بإطلاق سراح الأطفال وضمان وصول المحامين والمنظمات الحقوقية إليهم.
مركز العودة الفلسطيني ركز على محافظة جنين، وأشار إلى مصادرة أكثر من 26 ألف دونم في فبراير/شباط 2025، إضافة إلى التوسع الاستيطاني في مستوطنة سانور، ودعا إلى ملاحقة المسؤولين عبر القضاء الوطني أو الولاية القضائية العالمية.
منظمة الحق قدمت مداخلة عالية السقف، اعتبرت فيها أن عنف المستوطنين جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى محو الوجود الفلسطيني، وأشارت إلى توثيق أكثر من 1500 هجوم منذ بداية عام 2026، كما ربطت بين عنف المستوطنين والتهجير والضم وتقويض الوجود الفلسطيني.
منظمات أخرى، مثل المبادرة الفلسطينية للنهوض بالحوار العالمي والديمقراطية، وWomen’s International League for Peace and Freedom، ركزت على العنف القائم على النوع الاجتماعي، وانهيار النظام الصحي في غزة، وأثر الانتهاكات على النساء والأطفال والفئات الضعيفة، أما AIESEC International فقد ركزت على التعليم والشباب وأثر تدمير المدارس والجامعات على مستقبل الفلسطينيين وأهداف التنمية المستدامة.
الاتجاه الثاني من مداخلات المنظمات ركّز على انتقاد لجنة التحقيق أو توجيه الاهتمام نحو حماس وإيران، فقد اعتبرت منظمة Jerusalem Institute of Justice أن تقرير اللجنة يتضمن تحيزاً وقصوراً منهجياً، وأنه لا يُحمِّل حماس المسؤولية الكافية.
كما ركزت بعض مداخلات International Lawyers على دور إيران والحرس الثوري في دعم حماس والجماعات المسلحة، ودعت إلى فرض عقوبات ومساءلة دولية، وركز المركز الأوروبي للقانون والعدالة على مزاعم العنف الجنسي المرتبط بأحداث السابع من أكتوبر، ودعا إلى تحقيق شامل ومستقل في الانتهاكات من جميع الأطراف.
بشكل عام، أظهرت مداخلات المؤسسات أن المجتمع المدني لعب دوراً مزدوجاً: فمن جهة، قدم تفاصيل حقوقية دقيقة حول الأطفال، الأسرى، جنين، عنف المستوطنين، والنوع الاجتماعي؛ ومن جهة أخرى، عكس وجود منظمات تتبنى خطاباً مضاداً للجنة يركز على حماس وإيران ويشكك في منهجية التحقيق.
قراءة تحليلية
تكشف المناقشات أن الملف الفلسطيني داخل مجلس حقوق الإنسان لم يعد يُطرح فقط من زاوية الأزمة الإنسانية، بل بوصفه ملفاً قانونياً وسياسياً يرتبط بمستقبل منظومة المساءلة الدولية، فقد تكررت الإشارة إلى أن التقارير والقرارات والآراء القانونية، بما فيها الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، موجودة ومتاحة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ.
أغلبية المداخلات ربطت الانتهاكات بالاحتلال والاستيطان، واعتبرت أن عنف المستوطنين أصبح أداة ميدانية لتكريس الضم والتهجير، وفي المقابل، حرصت دول غربية ومنظمات معينة على إبقاء ملف حماس والجماعات المسلحة حاضراً، بما يعكس استمرار الانقسام السياسي حول توصيف المسؤوليات، وإن لم يلغِ الإجماع الواسع على خطورة الاستيطان وعنف المستوطنين.
الخلاصة الأبرز جاءت في ملاحظات لجنة التحقيق، التي أكدت أن مرحلة القلق والإدانة لم تعد كافية، وأن المطلوب هو اتخاذ خطوات عملية تشمل العقوبات، مساءلة الأفراد والكيانات، وقف الدعم الاقتصادي للمستوطنات، ومساءلة الشركات والمؤسسات التي تسهم في استمرار الوضع غير القانوني.
وبذلك، يمكن القول إن الجلسة لم تطرح سؤالاً حول وجود الانتهاكات بقدر ما طرحت سؤالاً أكثر مباشرة: هل تمتلك الدول الإرادة السياسية والقانونية للانتقال من التوثيق إلى المساءلة الفعلية؟
