منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مجلس حقوق الإنسان يعتمد مشروع قرار بشأن آثار الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان

06 أكتوبر 2026
جانب من جلسة اعتماد قرار آثار الذكاء الاصطناعي على تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها
جانب من جلسة اعتماد قرار آثار الذكاء الاصطناعي على تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مشروع القرار L.25 المعنون «آثار الذكاء الاصطناعي على تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها»، في خطوة تستهدف وضع حقوق الإنسان في صميم النقاش الدولي المتسارع حول تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على حماية الكرامة الإنسانية، والحد من مخاطر التمييز وانتهاك الخصوصية والمراقبة غير المشروعة، وضمان بقاء الإنسان صاحب القرار في مختلف مراحل تطوير واستخدام هذه التقنيات.

جاءت مناقشة مشروع القرار ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، التي تُعقد خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، حيث قدمت بنغلاديش المشروع باسم المجموعة الأساسية التي تضم الجزائر والنمسا وبنغلاديش ومصر واليونان وغيانا ونيبال. ويظهر المشروع، وفق سجل المجلس، بوصفه أول نص مخصص بصورة مباشرة لبحث آثار الذكاء الاصطناعي على تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، بما يعكس انتقال النقاش بشأن التكنولوجيا من الإطار التقني والتنظيمي إلى صلب منظومة الحقوق والحريات.

وأوضحت بنغلاديش، خلال تقديم المشروع، أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المجتمعات والاقتصادات وطرق تقديم الخدمات داخل المؤسسات، بما يفتح مجالات واسعة أمام التنمية المستدامة والابتكار وتحسين التمتع بحقوق الإنسان، لكنه في الوقت نفسه يثير مجموعة متزايدة ومعقدة من المخاوف الحقوقية التي تتطلب استجابة دولية متوازنة.

وأكدت المجموعة الأساسية أن تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه يجب أن ينسجما مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن تكون الكرامة الإنسانية والقدرة البشرية على الاختيار واتخاذ القرار حاضرتين في مختلف مراحل دورة حياة أنظمة الذكاء الاصطناعي، منذ التصميم والتطوير وحتى النشر والاستخدام.

وتناولت المداخلات مخاطر متعددة، من بينها التمييز، وانتهاك الخصوصية، والمراقبة التعسفية أو غير القانونية، والتلاعب بالمعلومات، والإضرار بسلامة البيئة المعلوماتية، والتأثير في المشاركة في الشؤون العامة والانتخابات، إلى جانب إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى أو أنظمة قد تؤدي إلى العنف أو إلحاق أضرار بالأفراد والمجتمعات.

مصر: الذكاء الاصطناعي يجب أن يخدم الإنسان

وكان لمصر حضور بارز في تقديم مشروع القرار، إذ أوضحت أن النص يمثل أول مشروع من نوعه داخل مجلس حقوق الإنسان يتناول بصورة مباشرة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان.

وركزت القاهرة على ضرورة أن يبقى استخدام الذكاء الاصطناعي مرتبطًا بالحفاظ على الكرامة الإنسانية والقدرة البشرية على الاختيار، مع ضمان ألا تقتصر الفوائد التي توفرها هذه التكنولوجيا على مجموعة محدودة من الدول أو المجتمعات أو الجهات القادرة على امتلاك أدواتها المتقدمة.

وأبرزت مصر أهمية تضمين الحق في التنمية ضمن مقاربة التعامل مع الذكاء الاصطناعي، بما يضمن استخدام التكنولوجيا بصورة تحفظ الكرامة وتحترم التنوع الثقافي واللغوي، ولا تؤدي إلى تعميق الفجوات القائمة بين الدول.

كما دعت إلى تعزيز بناء القدرات وتوفير المساعدة التقنية ونقل المعرفة والتكنولوجيا، باعتبارها عناصر ضرورية حتى تتمكن الدول النامية من المشاركة بصورة فعلية في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي، بدلًا من أن تظل مجرد متلقية للتطورات التقنية التي تُنتج خارجها.

وفي هذا السياق، اقترحت مصر عقد مائدة مستديرة خلال الدورة الخامسة والستين لمجلس حقوق الإنسان، بما يضع الذكاء الاصطناعي بصورة أوضح في قلب منظومة التنمية، ويفتح المجال أمام مواصلة النقاش حول كيفية توظيف التكنولوجيا لخدمة التنمية وحقوق الإنسان في آن واحد.

وأشارت القاهرة إلى أن إعداد النص جاء بعد مشاورات موسعة مع مختلف أصحاب المصلحة، مؤكدة أهمية استمرار الحوار للوصول إلى مقاربة متوازنة وقابلة للتنفيذ.

الدول النامية: لا تتركوا الذكاء الاصطناعي يعمق الفجوة الرقمية

ومن أبرز المداخلات، جاءت مداخلة باكستان باسم مجموعة الدول النامية، التي اعتبرت أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصًا كبيرة في مجالات الخدمات والتنمية، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات متزايدة أمام التمتع الكامل بحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

ودعت المجموعة إلى أن يضمن مجلس حقوق الإنسان بقاء حقوق الإنسان في قلب النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، وأن يكون التطوير آمنًا وشاملًا ومتمحورًا حول الإنسان، مع العمل على تضييق الفجوة الرقمية والتكنولوجية بين الدول.

وحذرت من إمكانية أن تعيد أنظمة الذكاء الاصطناعي إنتاج أنماط التمييز والعنصرية وكراهية الأجانب والتعصب الديني، بما في ذلك الإسلاموفوبيا، مشيرة إلى أن المحتوى الذي تنتجه الخوارزميات والتضليل الرقمي يمكن أن يسهم في نشر خطاب الكراهية والصور النمطية القائمة على الدين أو المعتقد.

وأكدت أهمية مبدأي المساواة وعدم التمييز وفقًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، إلى جانب ضرورة أن تكون الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي شاملة ومتوازنة، وتأخذ في الاعتبار اختلاف السياقات الوطنية ومستويات التنمية والقدرات المتاحة لكل دولة.

وحذرت من أن تركيز القدرات التكنولوجية في أيدي عدد محدود من الدول والجهات قد يؤدي إلى اتساع فجوات التنمية بدلًا من تقليصها، داعية إلى توفير البنية التحتية والمهارات والقدرات المؤسسية والتكنولوجية للدول النامية حتى تتمكن من المشاركة في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي.

الهند: الذكاء الاصطناعي لخدمة التنمية وتمكين الجنوب العالمي

من جانبها، ربطت الهند بين مستقبل الذكاء الاصطناعي وبين التنمية والعدالة في توزيع فوائده، مؤكدة أن مقاربتها تقوم على أن يكون الذكاء الاصطناعي متمحورًا حول الإنسان وشاملًا وموجهًا نحو التنمية.

وأشارت إلى قمة الذكاء الاصطناعي من أجل التأثير التي استضافتها نيودلهي، وإلى إعلان نيودلهي بشأن أثر الذكاء الاصطناعي، الذي وضع التوزيع العادل لفوائد الذكاء الاصطناعي في صدارة التعاون الدولي.

وأكدت الهند ضرورة «دمقرطة» الذكاء الاصطناعي، ولا سيما بما يسمح لدول الجنوب العالمي بالاستفادة من تطبيقاته في الزراعة والصحة والتعليم والخدمات العامة، مشددة على أهمية البنية التحتية الرقمية العامة وبناء القدرات وتوفير التكنولوجيا بأسعار ميسرة ونقل التكنولوجيا وفق شروط متفق عليها.

كما دعت إلى احترام التنوع اللغوي والثقافي، وضمان الخصوصية وعدم التمييز، ووجود إشراف بشري فعال، وسبل انتصاف حقيقية عند وقوع أضرار، مع مراعاة اختلاف السياقات الوطنية والقدرات ومستويات التنمية عند صياغة السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

جنوب أفريقيا: نقل التكنولوجيا شرط للعدالة الرقمية

وحذرت جنوب أفريقيا من أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تعزيز جميع حقوق الإنسان، يمكن أن يعيد إنتاج التمييز الهيكلي وعدم المساواة والصور النمطية والإقصاء.

وأشارت إلى مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة التعسفية أو غير القانونية، وتأثيراته المحتملة على الخصوصية والبيئة المعلوماتية والثقة العامة، مؤكدة أهمية الرقابة البشرية الفعالة على الأنظمة التي قد تتجاوز في تعقيدها قدرة البشر على التحكم الكامل فيها.

كما لفتت إلى أن التفاوت في الوصول إلى الحوسبة والخبرات والبيانات والاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية يمكن أن يؤدي إلى توسيع الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية.

وأكدت جنوب أفريقيا أن نقل التكنولوجيا وبناء القدرات لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مساعدة اختيارية، بل شرطًا أساسيًا لتحقيق المساواة في التمتع بحقوق الإنسان في العصر الرقمي، داعية إلى أن تكون الدول النامية شركاء كاملين ومتساوين في تصميم قواعد الذكاء الاصطناعي وحوكمته، وليسوا مجرد متلقين للتكنولوجيا.

الاتحاد الأوروبي: حقوق الإنسان يجب أن تبقى في قلب دورة الذكاء الاصطناعي

ورحب الاتحاد الأوروبي بمشروع القرار، معتبرًا أن توقيته مهم في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي وما يصاحبه من مخاطر غير مسبوقة.

وأكد أن الابتكار المسؤول والموثوق يجب أن يسير بالتوازي مع حماية حقوق الإنسان، بحيث تكون كرامة الإنسان وقدرته على الاختيار وحقوقه وحرياته ورفاهه في صميم دورة حياة أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ورحب الاتحاد الأوروبي بإدراج العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، والرقابة والسيطرة البشرية، ومشاركة أصحاب المصلحة، إلى جانب الشفافية وقابلية التفسير والمساءلة.

كما شدد على ضرورة الاستفادة من الأعمال القائمة داخل منظومة الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، وتجنب الازدواجية بين المبادرات والقرارات المختلفة المتعلقة بالتكنولوجيات الناشئة.

أفريقيا والدول النامية تطالب بمشاركة حقيقية

وفي الاتجاه نفسه، ركزت كينيا على ضرورة ألا تتحول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مصدر جديد لاستغلال العمال أو إخفاء مساهماتهم في تطوير وتشغيل الأنظمة التكنولوجية.

ورحبت بإدراج مفهوم العمل اللائق والآثار البيئية للذكاء الاصطناعي، معتبرة أن هذه القضايا تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول النامية والدول الأكثر عرضة لتغير المناخ.

وشددت على أن المشاركة في حوكمة الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تقتصر على الحضور في الاجتماعات، وإنما يجب أن تشمل الوصول إلى التكنولوجيا والبنية التحتية والحوسبة والمهارات والبحث العلمي وبيئات الابتكار، بما يسمح للدول الأفريقية والدول النامية بأن تكون جزءًا فعليًا من صناعة القرار.

أما إثيوبيا، فأكدت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمثل أداة لتحسين التعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة والابتكار، لكنها حذرت في الوقت نفسه من مخاطر التمييز وانتهاك الخصوصية وعدم المساواة والتلاعب بالمعلومات.

ودعت إلى تعزيز التعاون الدولي ونقل المعرفة والتكنولوجيا وبناء المهارات، مع مراعاة الفوارق الكبيرة في البنية التحتية الرقمية والقدرات المالية والتقنية بين الدول.


تباين في الأولويات حول الحوكمة والتنظيم

ورحبت اليابان بالمشروع، لكنها دعت إلى مزيد من التنسيق مع الأعمال القائمة بالفعل في مجال التكنولوجيات الرقمية والناشئة وحقوق الإنسان، تجنبًا لتكرار المبادرات والقرارات، مشيرة إلى خبرتها في عملية هيروشيما للذكاء الاصطناعي التي تستهدف تعزيز الذكاء الاصطناعي الآمن والموثوق.

كما أيدت الكويت المشروع، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكيف لخدمة حقوق الإنسان، وأن يكون استخدامه منسجمًا مع مبادئ المساواة وعدم التمييز والعدالة، مع تعزيز التعاون الدولي وبناء القدرات لسد الفجوة الرقمية.

أما البرازيل، فانضمت إلى التوافق حول المشروع، لكنها سجلت عددًا من الملاحظات، من بينها عدم تضمين النص إشارة واضحة إلى منظومة حوكمة دولية للذكاء الاصطناعي تتمحور حول الأمم المتحدة، كما رأت أن المشروع لا يتناول بصورة كافية الحاجة إلى تشريعات وطنية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، ولا يعالج بشكل صريح بعض مخاطره على المؤسسات الديمقراطية والحقوق المدنية والسياسية.

ومن جانبها، رحبت قطر، باسم دول مجلس التعاون الخليجي، بمشروع القرار، معتبرة أنه يحقق توازنًا بين الاستفادة من فرص الذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والتنمية المستدامة، وبين معالجة مخاطر التمييز وكراهية الأجانب والتمييز القائم على الدين.

وأكدت دول المجلس أهمية الرقابة البشرية والمساءلة وتقييم الآثار وسبل الانتصاف، إلى جانب مسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان، وضرورة إتاحة نقل التكنولوجيا والمساعدة التقنية وبناء القدرات للدول النامية وفق احتياجاتها الوطنية.

وفي ختام المداخلات الواردة في المادة، رحبت هولندا بمشروع القرار وبجهود المجموعة الأساسية التي تولت إعداده، فيما عكست المواقف المختلفة اتفاقًا واسعًا على أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي بات يفرض على منظومة حقوق الإنسان الدولية الانتقال من النقاش العام إلى وضع ضمانات عملية تواكب دورة حياة هذه التكنولوجيا.

وتكشف المناقشات أن الخلاف لم يعد يدور حول أهمية الذكاء الاصطناعي أو قدرته على تغيير أنماط التنمية والخدمات، وإنما حول كيفية توزيع فوائده، ومن يملك القدرة على التحكم فيه، وكيفية منع استخدامه في تكريس التمييز أو انتهاك الخصوصية أو التأثير في الحقوق والحريات.

كما أظهرت المداخلات توافقًا واسعًا على أن حماية حقوق الإنسان يجب ألا تأتي بعد تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإنما أن تكون جزءًا من تصميمها وتطويرها واستخدامها منذ البداية، مع ضمان الرقابة البشرية والمساءلة والشفافية وسبل الانتصاف.

وبذلك يضع مشروع القرار L.25 الذكاء الاصطناعي في قلب أجندة مجلس حقوق الإنسان، ويفتح مسارًا دوليًا لبحث العلاقة بين التطور التكنولوجي والحقوق الأساسية، مع تركيز خاص على الفجوة الرقمية وحق الدول النامية في المشاركة الفعلية في صياغة قواعد الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.