منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مجلس حقوق الإنسان يبحث الحق في التنمية.. دعوة للانتقال من التشاور الرمزي إلى المشاركة الحقيقية

12 سبتمبر 2026
مجلس حقوق الإنسان يبحث الحق في التنمية
مجلس حقوق الإنسان يبحث الحق في التنمية

دعا المقرر الخاص المعني بالحق في التنمية، سوريا براتاب ديفا، إلى إعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها عمليات التنمية، مؤكداً أن مشاركة الأفراد والمجتمعات بصورة نشطة وحرة وهادفة في القرارات المتعلقة بالتنمية تمثل عنصراً أساسياً من عناصر الحق في التنمية، وأن الاهتمام ينبغي ألا ينصب فقط على النتائج النهائية، وإنما أيضاً على الطريقة التي تُتخذ بها القرارات والسياسات والمشروعات التي تؤثر في حياة الناس.

وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع الثامن للدورة، وخلال حوار تفاعلي مع المقرر الخاص المعني بالحق في التنمية، سوريا براتاب ديفا الذي عرض تقريره بشأن المشاركة في التنمية، إلى جانب نتائج زيارته القطرية إلى ألمانيا التي أجراها في نوفمبر 2025، وسط دعوات من دول ومجموعات إقليمية إلى تعزيز المشاركة الشعبية، والحفاظ على الحيز المدني، وإتاحة بيئة دولية أكثر إنصافاً لدعم الحق في التنمية.

وأوضح المقرر الخاص أن الحق في التنمية لا يقتصر على ما يتم تحقيقه من نتائج اقتصادية أو اجتماعية، بل تشمل أهميته أيضاً عملية التنمية ذاتها، منتقداً استمرار نماذج لصنع القرار من أعلى إلى أسفل، وإجراء مشاورات شكلية من جانب بعض الدول والشركات لإضفاء الشرعية على قرارات سبق اتخاذها.

ودعا ديفا إلى الانتقال من المشاورات الرمزية إلى مشاركة حقيقية تمنح الأفراد والمجتمعات قدرة فعلية على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم، موضحاً أن المشاركة النشطة تعني الاعتراف بقدرة الناس على الفعل وإتاحة الفرصة لهم للتأثير في عملية صنع القرار، في حين تعني المشاركة الحرة قدرتهم على التصرف وفقاً لإرادتهم، أما المشاركة الهادفة فتتطلب امتلاكهم القدرة على التأثير في القرار ونتائجه.

وشدد على أن ذلك يختلف عن التشاور التقليدي؛ لأن المشاركة الحقيقية تعني تقاسم السلطة مع الأفراد والمجتمعات، ومنحهم دوراً في تحديد أولوياتهم التنموية، والإسهام في تصميم السياسات والبرامج والمشروعات المتعلقة بها، وليس الاكتفاء بإبداء الرأي بعد تحديد الخيارات الأساسية.

وأكد أن إشراك المجتمعات في حوكمة التنمية يضيف قيمة إلى عملية صنع القرار، من خلال الاستفادة من الخبرات والمعارف المحلية، ويساعد على جعل التنمية أكثر شمولاً واستدامة، كما يؤدي دوراً وقائياً من خلال الكشف المبكر عن الأضرار المحتملة التي يمكن أن تلحق بحقوق الإنسان أو البيئة. واعتبر أن المشاركة يمكن أن تكون أيضاً وسيلة لتقليل المعارضة التي قد تواجه مشروعات التنمية وما قد يترتب عليها من تأخيرات.

وحدد التقرير ثمانية شروط مسبقة لتحقيق المشاركة النشطة والحرة والهادفة، منها إشراك الناس منذ المراحل المبكرة من مشروعات التنمية والاستمرار في إشراكهم طوال دورة حياتها، وتوفير معلومات دقيقة وموضوعية بصيغة يسهل الوصول إليها، وضمان وجود آليات تسمح لهم بالتأثير في صنع القرار، إلى جانب الحفاظ على الحيز المدني الذي يتيح للأفراد المشاركة دون خوف.

كما دعا الدول والجهات الفاعلة الأخرى إلى الاستفادة من التجارب والممارسات الجيدة وتبادلها، مقترحاً إنشاء منصة إلكترونية مفتوحة ومتاحة للجميع لتجميع هذه الممارسات المتعلقة بالمشاركة في حوكمة التنمية.

ويقدم التقرير أمثلة على المشاركة في حوكمة التنمية على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية، إلى جانب إرشادات عملية للدول والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وكيانات الأمم المتحدة ومصارف التنمية متعددة الأطراف والشركات ومنظمات المجتمع المدني.

وفي الجزء المتعلق بألمانيا، عرض المقرر الخاص نتائج زيارته القطرية التي أجراها في نوفمبر 2025، والتي التقى خلالها بممثلين عن الوزارات الحكومية على المستويين الاتحادي ومستوى الولايات، والبلديات، والمجلس الاستشاري البرلماني المعني بالتنمية المستدامة، إضافة إلى ممثلين عن المعهد الألماني لحقوق الإنسان والمجلس الاستشاري للشباب ومنظمات المجتمع المدني.

وأشاد ديفا بعدد من الخطوات التي اتخذتها ألمانيا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، مشيراً إلى كونها من كبار مقدمي المساعدة الإنمائية الرسمية وتمويل المناخ، إلى جانب تطبيقها سياسة تنمية نسوية.

وفي المقابل، أشار إلى استمرار أوجه من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، ولا سيما بالنسبة إلى الأقليات والأشخاص ذوي الإعاقة والمهاجرين واللاجئين، فضلاً عن استمرار عدم المساواة بين الجنسين.

ودعا الحكومة الألمانية إلى اتخاذ خطوات للحد من أوجه عدم المساواة والقضاء على أشكال التمييز المتقاطعة، كما حثها على إعادة النظر في استراتيجيتها المتعلقة بزيادة الإنفاق الدفاعي على حساب المساعدة الإنمائية الرسمية، مع الحفاظ على نهج قائم على حقوق الإنسان في هذا المجال.

وطالب كذلك بإيلاء اهتمام خاص لتحسين أوضاع اللاجئين والأطفال طالبي اللجوء، ودعا ألمانيا إلى أداء دور قيادي في وضع قواعد فعالة وملزمة بشأن العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، على المستويين الوطني والأوروبي.

وفي ردها، رحبت ألمانيا بزيارة المقرر الخاص وبالتقرير، مؤكدة استعدادها لدراسة توصياته بعناية، ومشيرة إلى أنها تتيح دعوة دائمة لجميع الإجراءات الخاصة.

وأكدت برلين أن التنمية المستدامة والديمقراطية والحكم الرشيد وسيادة القانون وحقوق الإنسان يعزز بعضها بعضاً، مشيرة إلى أن الحكومة تعمل على إدماج احترام حقوق الإنسان في سياساتها الداخلية والإنمائية داخل البلاد وخارجها، مع الالتزام بالمساواة بين الجنسين وحماية الفئات الضعيفة والبيئة.

وأشارت ألمانيا إلى أن المساعدة الإنمائية الرسمية بلغت نحو 29 مليار دولار في عام 2025 وفقاً للأرقام الأولية، ما يجعلها من أكبر مقدمي المساعدة الإنمائية الرسمية في العالم، موضحة أن تعاونها الإنمائي يستهدف مواجهة الجوع والفقر وعدم المساواة، وتعزيز السلام والاستقرار وتحقيق النمو المستدام.

كما دافعت عن قانون سلسلة التوريد الألماني، معتبرة أنه يمثل خطوة نحو تعزيز المساءلة في مجال حقوق الإنسان والبيئة، وأكدت أن التعاون الإنمائي يجب أن يقوم على المصالح المتبادلة، دون أن يتحول إلى مجرد علاقة قائمة على المعاملات.

وفي الوقت نفسه، أقرت ألمانيا بوجود مخاوف مرتبطة بتراجع حصة المساعدة الإنمائية الرسمية من الموازنة الاتحادية، في ظل ضغوط مالية داخلية ودولية، لكنها أكدت أن ذلك لا يعني التخلي عن مسؤوليتها الدولية.

وخلال الحوار، حظيت رؤية المقرر الخاص بشأن المشاركة بدعم عدد من الدول والمجموعات الإقليمية، مع تركيز المداخلات على ضرورة الانتقال من التشاور إلى التأثير الفعلي، وضمان وجود مساحة مدنية تسمح للأفراد والمجتمعات بالمشاركة بحرية.

وأعربت دول الشمال، في بيان ألقته أيسلندا، عن تقديرها للتقرير، مؤكدة أن محدودية المعلومات وتقلص الحيز المدني واختلال موازين القوى يمكن أن تحول دون المشاركة الكاملة والمتساوية، وشددت على أهمية حرية تكوين الجمعيات والتجمع والتعبير، متسائلة عن أكثر النهج فعالية للانتقال من التشاور إلى المشاركة الحقيقية قبل إطلاق مشروعات التنمية.

ومن جانبها، أكدت باكستان، باسم منظمة التعاون الإسلامي، أن المشاركة عنصر أساسي في الحق في التنمية، وأن الأفراد والشعوب يجب أن يمتلكوا القدرة على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم، ومنها الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي، وربطت ذلك بحق تقرير المصير.

كما شددت على أهمية التعاون الدولي والدعم الإنمائي، داعية إلى إعطاء البلدان النامية وزناً أكبر في عملية صنع القرار الاقتصادي العالمي، وإصلاح الهيكل المالي الدولي، ما يسمح للشعوب بالمشاركة في التنمية.

وأكد الاتحاد الأوروبي أن المشاركة المدنية الشاملة والهادفة ضرورية لحماية حقوق الإنسان وتحقيق الحكم الرشيد والتنمية المستدامة والشاملة، مشيراً إلى أن مبدأ الشراكة في سياسة التماسك الأوروبية يلزم السلطات بإشراك أصحاب المصلحة المحليين والمواطنين في تخطيط وإدارة وتقييم التمويل الأوروبي.

وأوضح الاتحاد أن بعض المشروعات الإقليمية تتيح للمواطنين الإسهام مباشرة في تحديد كيفية تخصيص أموال البنية التحتية، إلى جانب عمليات رصد مدني لتقييم مدى استجابة هذه المشروعات لاحتياجات الجمهور، كما أشار إلى منصات استشارية للمجتمع المدني والسلطات المحلية ضمن شراكات الاتحاد الدولية.

وفي السياق ذاته، أكدت حركة عدم الانحياز دعمها لولاية المقرر الخاص، ودعت إلى جعل الحق في التنمية حقيقة واقعة للجميع، مجددة الدعوة إلى اعتماد صك ملزم قانوناً بشأن الحق في التنمية، باعتباره وسيلة لتعزيز التعاون الدولي وتهيئة بيئة تمكن الدول من مساءلة بعضها بعضاً عن إعمال هذا الحق.

أما مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فأكد أن المشاركة الفعالة يمكن أن تحسن السياسات والبرامج التنموية وتجعلها أكثر استجابة لاحتياجات مختلف الفئات، مشيراً إلى ممارسات تشمل استخدام المنصات الرقمية لتعزيز مشاركة الشباب، وتطوير الأجهزة المؤسسية المعنية بالأسرة، واعتماد نهج قائم على المجتمع المحلي في تصميم وتنفيذ برامج التعاون والتنمية.

وشددت المجموعة الإفريقية، في بيان ألقته كينيا، على أن الحق في التنمية لا يتعلق فقط بالبلدان النامية، وإنما يتعلق أيضاً بالعملية التي تتم من خلالها متابعة التنمية، داعية إلى إشراك الأفراد والشعوب في تشكيل سياسات وبرامج ومشروعات التنمية.

وربطت المجموعة بين المشاركة الهادفة وأجندة إفريقيا 2063 وأجندة التنمية المستدامة 2030، مؤكدة أن المشاركة ينبغي ألا تتوقف عند الحدود الوطنية، خصوصاً أن القرارات الدولية المرتبطة بالتجارة والاستثمار والتمويل والدين والضرائب تؤثر بصورة مباشرة في البلدان النامية.

وفي مداخلة المجموعة العربية التي قدمها العراق، جددت المجموعة التزامها بالحق في التنمية باعتباره حقاً أساسياً وغير قابل للتصرف، ودعت إلى زيادة التضامن الدولي وتوفير التمويل الكافي للتنمية ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات لمواجهة التحديات الهيكلية التي تواجه البلدان النامية.

كما أشارت المجموعة إلى رؤية عربية للتنمية تمتد حتى عام 2045، تستهدف تعزيز التعاون الإقليمي وتحقيق التنمية المستدامة في المنطقة، ما يتماشى مع برامج التنمية العالمية.

وأكدت فنزويلا، باسم مجموعة أصدقاء الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة، أن الحق في التنمية حق إنساني عالمي وغير قابل للتصرف، مشيرة إلى استمرار فجوات التنمية بين الدول المتقدمة والنامية، وربطت ذلك بالعلاقات الاقتصادية غير المتكافئة تاريخياً والتوزيع غير المنصف للموارد، كما انتقدت التدابير القسرية الانفرادية التي اعتبرتها عائقاً أمام إعمال الحق في التنمية.

بدورها، أكدت الجزائر أن التنمية ليست مجرد مسألة تقنية أو إدارية، وإنما إطار يتيح للشعوب تحديد أولوياتها ومساراتها التنموية، مشددة على أهمية الحوكمة الرشيدة وتكافؤ الفرص والتماسك الاجتماعي، إلى جانب التعاون الدولي وإعادة ضبط الهيكل المالي العالمي.

وقدمت زامبيا تجربة محلية في هذا المجال، مشيرة إلى أن دستورها ينص على مشاركة الشعب في الحكم الديمقراطي، وأنها تعمل على تعزيز اللامركزية ونقل الوظائف والموارد إلى المجتمعات المحلية. وأوضحت أن مخصصات صندوق تنمية الدوائر الانتخابية ارتفعت من 1.6 مليون كواشا لكل دائرة عام 2021 إلى 40 مليون كواشا عام 2026، ما أتاح للمجتمعات تحديد احتياجاتها وترتيب أولوياتها في مجالات التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والطرق.

أما سوريا، فأكدت دعمها لتقرير المقرر الخاص، مشيرة إلى أن التنمية والمصالحة واستعادة الخدمات الأساسية وتشغيل قطاعات الإنتاج وخلق فرص العمل تتطلب مشاركة المجتمعات المحلية والأفراد، إلى جانب توفير بيئة دولية مواتية.

ودعت دمشق إلى توسيع الشراكات والاستثمارات في إعادة الإعمار، معتبرة أن إعادة بناء البنية التحتية وإعادة إطلاق الاقتصاد وخلق فرص العمل تمثل مسارات ضرورية للتنمية المستدامة، وأن الاستثمار في التعافي والتنمية هو استثمار في الإنسان واستقرار البلاد.

كما طرحت الكاميرون وأوغندا أسئلة على المقرر الخاص حول سبل تعزيز مشاركة الشعوب والدول في القرارات التنموية، ودور المؤسسات المالية الدولية والأمم المتحدة في دعم القدرات الوطنية، إضافة إلى كيفية ضمان مشاركة أكثر فاعلية في التفاوض بشأن الصكوك والوثائق الدولية الملزمة قانوناً المتعلقة بالحق في التنمية.

ويعكس النقاش داخل المجلس اتجاهاً واضحاً نحو التعامل مع الحق في التنمية باعتباره أكثر من مجرد تحقيق معدلات نمو أو نتائج اقتصادية؛ إذ ربطت غالبية المداخلات بين التنمية وبين قدرة الأفراد والمجتمعات والدول على التأثير في القرارات التي تحدد أولوياتها، إلى جانب توفير التمويل والتكنولوجيا والقدرات والبيئة الدولية اللازمة لتحقيق ذلك.

وفي الوقت الذي ركزت فيه مداخلات عديدة على ضرورة اعتماد صك دولي ملزم بشأن الحق في التنمية، برزت قضايا أخرى تتصل بإصلاح النظام المالي الدولي، وتعزيز تمثيل البلدان النامية، والحفاظ على الحيز المدني، وضمان مشاركة المجتمعات في القرارات المحلية والوطنية والدولية.

وبذلك خلص الحوار إلى أن التحدي لا يكمن فقط في فتح باب المشاورات أمام المجتمعات، وإنما في منحها قدرة حقيقية على التأثير في القرارات والنتائج، بحيث تصبح المشاركة جزءاً أصيلاً من عملية التنمية منذ تحديد الأولويات وحتى تنفيذ المشروعات وتقييم نتائجها، وهو ما يضع الدول والمؤسسات الدولية والشركات أمام مسؤولية تحويل المشاركة من إجراء شكلي إلى ممارسة فعلية في حوكمة التنمية.