جابي هينسليف*
قالت “لا”. أوضحت أنها لا تريد ذلك، لكنها تقول إنه فعلها رغمًا عنها، متجاهلًا مشاعرها وكأنها بلا قيمة. إنها قصة مؤلمة ومألوفة إلى حد يدفع معظم النساء للاحتفاظ بنسخة خاصة منها في ذاكرتهن، سواء كانت تجربة شخصية أو حكاية صديقة مقربة. لكن الصادم هذه المرة أن ذلك حدث — بحسب الاتهامات — أمام أعين جمهور تلفزيوني كامل.
ربما لم تشاهدوا برنامج “متزوجون من النظرة الأولى” على القناة الرابعة البريطانية، والذي يقوم على تزويج غرباء بالكامل بشكل رمزي ثم إجبارهم على العيش معًا لأسابيع لاختبار إمكانية استمرار العلاقة. لكنّ كثيرين تابعوا هذا الأسبوع تحقيق برنامج “بانوراما”، الذي روى شهادات ثلاث نساء شاركن في البرنامج.
“ليزي” و”كلوي” – وهما اسمان مستعاران – قالتا إنهما تعرضتا للاغتصاب من قبل “زوجيهما” داخل البرنامج، في حين تحدثت ليزي أيضًا عن نوبات غضب عنيفة وتهديد مزعوم باستخدام الحمض. أما “شونا ماندرسون”، التي كشفت هويتها علنًا، فتتهم شريكها بسوء سلوك جنسي. وجميع الرجال المعنيين ينفون هذه الاتهامات.
وقبل انفجار هذه القضية، كانت المخاطر المرتبطة ببرامج تلفزيون الواقع واضحة بالفعل. فمن الصعب عدم الاتفاق مع كارولين دينيناج، رئيسة لجنة الثقافة في البرلمان البريطاني، عندما وصفت البرنامج بأنه “كارثة كانت تنتظر الحدوث”، خاصة أنه يدفع غرباء تمامًا إلى مشاركة السرير والعلاقة العاطفية تحت ضغط الكاميرات.
لكن المشكلة لا تخص هذا البرنامج وحده، بل تمتد إلى عدد كبير من برامج المواعدة التي تضع المشاركين داخل “قدر ضغط نفسي”، ثم تتركهم لاحقًا يواجهون التنمر والتشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن التركيز فقط على أخطاء تلفزيون الواقع قد يجعلنا نتجاهل الحقيقة الأهم: هذه الاتهامات مرعبة لأنها واقعية للغاية.
واحدة من كل عشر نساء في بريطانيا تقول إنها أُجبرت على ممارسة الجنس ضد إرادتها، وفق دراسة بارزة أجريت عام 2013. كما قالت نصف النساء المشاركات في استطلاع آخر إنهن استيقظن ليجدن شركاءهن يحاولون ممارسة الجنس معهن أثناء النوم. وهو سيناريو تحدثت عنه إحدى المشاركات في البرنامج، في حين لا يزال كثير من الرجال – على ما يبدو – لا يدركون كم يبدو ذلك مخيفًا ومرعبًا.
أما السلوك العنيف والسيطرة المرضية التي قالت ليزي إنها تعرضت لها، فهي ليست حالات نادرة. فالشرطة البريطانية تسجل جريمة عنف أسري كل 40 ثانية تقريبًا. كما أن “الجنس العنيف” المتأثر بثقافة الإباحية أصبح شائعًا لدرجة أن 35% من النساء دون سن 35 عامًا تعرضن للخنق أثناء العلاقة الجنسية مرة واحدة على الأقل.
ورغم أن الاغتصاب الزوجي أصبح جريمة في بريطانيا منذ عام 1991، فإن فكرة “أنتِ زوجتي ولا يحق لكِ الرفض” لا تزال منتشرة بشكل مقلق. إذ يرى ربع المشاركين في أحد الاستطلاعات أن ممارسة الجنس دون موافقة داخل علاقة طويلة “لا تُعد عادة اغتصابًا”.
هذه ليست حوادث شاذة، بل مخاطر تواجهها النساء يوميًا أثناء المواعدة والعلاقات. ولهذا تخبر النساء صديقاتهن دائمًا بمكان لقاء الرجل الذي تعرفن عليه عبر تطبيقات المواعدة، ولهذا نحذر بناتنا المراهقات من “الإشارات الحمراء”.
ولو لم تتسلل هذه السلوكيات السامة إلى برنامج “متزوجون من النظرة الأولى”، لكان ذلك أقرب إلى المعجزة، بالنظر إلى مدى انتشارها خارج الشاشة أصلًا.
وهذا بالطبع لا يعفي القناة أو الشركة المنتجة من المسؤولية. فطالما أن المواعدة ليست مجرد قصص رومانسية سعيدة، فإن أي جهة تصنع برنامج مواعدة يجب أن تكون شديدة الحساسية للمخاطر، وأن تمتلك فهمًا عميقًا لكيفية تصرف الضحايا، أو حتى لكيفية ظهور الادعاءات الكاذبة النادرة.
النساء الثلاث يقلن إنهن أبلغن فرق الرعاية النفسية داخل البرنامج بمخاوفهن من سلوك “الأزواج”، لكنهن لم يفصحن حينها عن كل التفاصيل التي تحدثن عنها لاحقًا في “بانوراما”. وقد يبدو ذلك للبعض غامضًا أو متناقضًا، لكنه مألوف جدًا لأي شخص تعامل مع قضايا العنف الجنسي أو الأسري.
من جهتها، تقول شركة الإنتاج إن النساء وافقن على الاستمرار في التصوير، في حين أكد إيان كاتز، مدير المحتوى في القناة الرابعة، أنه مقتنع بأن القرارات المتعلقة ببث الحلقات كانت صحيحة وفق المعلومات المتاحة وقتها.
لكن هذا لا يغير الحقيقة الأساسية: كما قالت المحامية هيلينا كينيدي في التحقيق، فإن ضمان عدم حدوث أي تجاوزات عند دفع غرباء تقريبًا إلى علاقة حميمة يبدو أمرًا غير واقعي من الأساس.
والمفارقة أن هؤلاء الأزواج كانوا تحت المراقبة طول الوقت تقريبًا، بالكاميرات والخبراء والأسئلة التفصيلية عن علاقتهم. لم يكن يفترض أن تكون هناك مساحة لإخفاء شيء. لكن الدرس الحقيقي ربما يكون أن معرفة أن الملايين يشاهدونك لا تجعل قول الحقيقة أسهل، بل أحيانًا أكثر صعوبة.
فهكذا يعمل الخجل. من الصعب الاعتراف بشيء بالكاد تستطيع الاعتراف به لنفسك. ومن الصعب أيضًا التخلي عن حلم “العلاقة المثالية”، حتى بعدما يتحطم بالعنف.
إن أسطورة الزواج السعيد – التي يدفع البرنامج المشارِكات نحوها بسرعة قبل أن تبدأ العلاقة أصلًا – لا تزال قوية للغاية، لدرجة أن الاعتراف بأن زواجك ليس كذلك يبدو وكأنه فشل شخصي.
وربما يؤدي إيقاف البرنامج، الذي يبدو اليوم احتمالًا واردًا، إلى إنقاذ ما تبقى من سمعة تلفزيون الواقع. لكن يجب ألا نخدع أنفسنا بشأن العالم الحقيقي الذي تعكسه هذه البرامج.
*نقلاً عن الجارديان
