منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إنذار مبكر لحماية المجتمعات.. اليونان توظّف الأقمار الصناعية لرصد حرائق الغابات

06 أغسطس 2026
لمواجهة حرائق الغابات.. اليونان تستخدم الذكاء الاصطناعي
لمواجهة حرائق الغابات.. اليونان تستخدم الذكاء الاصطناعي

تحاول اليونان تعزيز حماية الحق في الحياة والسلامة في مواجهة حرائق الغابات التي أصبحت أكثر شدة وتعقيدًا مع تصاعد آثار تغير المناخ، عبر بناء منظومة تعتمد على الأقمار الصناعية الحرارية والذكاء الاصطناعي لرصد الحرائق في مراحلها الأولى، وتزويد فرق الإطفاء ببيانات فورية تساعدها على الاستجابة السريعة وتقليل المخاطر التي تهدد السكان والمجتمعات والموارد الطبيعية.

وبينما تستمر حرائق الغابات في الاشتعال شمال غربي أثينا وتستعد البلاد لموسم جديد يُتوقع أن يكون من الأصعب، تختبر السلطات اليونانية، قدرة أسطول جديد من الأقمار الصناعية على توفير إنذار مبكر ورؤية أكثر دقة للحرائق التي باتت أكثر صعوبة في الاحتواء.

وبحسب ما أوردته صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن هذه المنظومة بدأت بالفعل في تزويد السلطات ببيانات عن الحرائق التي اجتاحت خلال الأسابيع الأخيرة منتجعات سياحية في الجزر اليونانية ومنطقة أتيكا القريبة من العاصمة.

وأرسل نظام الحرائق اليوناني، وهو كوكبة تضم أربعة أقمار صناعية حرارية صغيرة تدور في مدار أرضي منخفض، أولى صوره إلى الأرض في يونيو الماضي، على أن يدخل الخدمة الكاملة خلال سبتمبر، في وقت لا تزال فيه فرق الإطفاء تتلقى تدريبات على كيفية الاستفادة من البيانات الجديدة التي ينتجها النظام.

منظومة عمل أجهزة الإطفاء

أوضح مدير برنامج رصد الأرض في مركز الفضاء اليوناني، ديميتريس بليزيوتيس، أن التحدي لم يعد يقتصر على تطوير التكنولوجيا، بل أصبح يتمثل في دمجها داخل منظومة عمل أجهزة الإطفاء، مشيرًا إلى أن الفرق اعتادت على أدوات مختلفة، وهو ما يتطلب تدريبًا على آليات معالجة البيانات الجديدة والاستفادة منها في اتخاذ القرار الميداني.

وطوّرت شركة الأقمار الصناعية الألمانية “أورورا تك” هذه التكنولوجيا بالتعاون مع مركز الفضاء اليوناني، بحيث تعبر الأقمار الصناعية فوق المناطق نفسها بصورة متكررة لرصد الحرائق النشطة أو البؤر الحرارية الصغيرة التي قد تتحول إلى حرائق واسعة إذا لم تُكتشف مبكرًا.

وأكد رئيس العمليات في شركة  “أورورا تك” باليونان، يوانيس لانتوريس، أن النظام قادر على اكتشاف مصادر حرارة لا يتجاوز حجمها أربعة أمتار في أربعة أمتار، موضحًا أن الأقمار الصناعية لا تلتقط الصور فقط، بل تعالجها على متن القمر الصناعي نفسه قبل إرسال النتائج إلى الأرض، حيث يجري تحليلها لتحديد ما إذا كانت الإشارة الحرارية تمثل حريقًا حقيقيًا أو إنذارًا كاذبًا، ثم تُستخدم بيانات التضاريس وشدة الحريق لتقدير مسار انتشاره المحتمل.

وأشار التقرير إلى أن استخدام الأقمار الصناعية في رصد حرائق الغابات ليس جديدًا، إلا أن معظم الأنظمة السابقة لم تُصمم خصيصًا لهذا الغرض، كما لم تعمل ضمن كوكبة مخصصة، وهو ما فرض قيودًا تتعلق بتكرار المرور فوق المنطقة نفسها والقدرة على اكتشاف الحرائق الصغيرة.

رصد مبكر للحرائق

وأوضح الأستاذ المشارك في الجغرافيا البيئية بكلية لندن للاقتصاد، توماس سميث، أن الأنظمة التقليدية كانت تواجه مقايضة بين تكرار التقاط الصور والقدرة على اكتشاف الحرائق الصغيرة، بينما يمنح النظام الجديد اليونان قدرة أكبر على التحكم في توقيت المراقبة ومواقعها، إذ تمر الأقمار الصناعية تباعًا فوق الأراضي اليونانية، بحيث تدخل البلاد في نطاق رؤية قمر جديد بمجرد خروجها من نطاق رؤية القمر السابق.

وأكد بليزيوتيس أن الميزة الرئيسية للنظام تتمثل في تمكين السلطات من مراقبة المناطق الأكثر عرضة للحرائق بوتيرة أعلى وفي الأوقات التي تختارها بنفسها، وهو ما يعزز قدرة أجهزة الطوارئ على التدخل قبل اتساع نطاق الحرائق.

وبيّنت يورونيوز أن اليونان أصبحت أول دولة في العالم تشغل كوكبة أقمار صناعية مخصصة بالكامل لمكافحة حرائق الغابات، بعدما وُضعت أربعة أقمار صناعية صغيرة تابعة لشركة  “أورورا تك” في مدار أرضي منخفض خلال مايو الماضي، ضمن مشروع يهدف إلى إنشاء خط دفاع جديد من الفضاء للمساعدة في حماية الأرواح والمجتمعات.

تحمل هذه الأقمار مستشعرات حرارية متطورة تستطيع اكتشاف بؤر حرارية جديدة لا يتجاوز عرضها أربعة أمتار، وهو مستوى يتجاوز قدرات الأقمار الصناعية التقليدية التي لا تتمكن عادة من رصد سوى الحرائق الأكبر حجمًا.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة  “أورورا تك”، يوانيس لاندوريس، إن الصور التي تجمعها الأقمار الصناعية تُرسل إلى نماذج ذكاء اصطناعي تحللها بدقة تصل إلى خلايا شبكية بمساحة أربعة أمتار في أربعة أمتار، ثم تحدد ما إذا كانت الإشارة تعود إلى حريق فعلي قبل إرسال التنبيه إلى جهاز الإطفاء أو الجهات المختصة.

وأوضح لاندوريس أن المنصة الرقمية تجمع جميع البيانات وتعرضها لقادة عمليات الإطفاء في أثناء وجودهم بالميدان، بما يسمح لهم بمحاكاة سيناريوهات انتشار الحريق وتحديد المواقع الأكثر ملاءمة لنشر الفرق والموارد، وهو ما يدعم اتخاذ القرار أثناء التعامل مع عدة حرائق في الوقت نفسه.

وأكد وزير الحوكمة الرقمية اليوناني، ديميتريس باباستيرجيو، أن الأقمار الصناعية ستوفر دعمًا مهمًا خلال الفترات الحرجة، خصوصًا في فصل الصيف، موضحًا أن الحرائق التي تندلع داخل المدن يسهل اكتشافها بواسطة السكان، بينما يمكن للأقمار الصناعية الحرارية اكتشاف الحرائق في المتنزهات الوطنية والمناطق النائية بسرعة أكبر من خلال رصد البؤر الساخنة.

منصة موحدة للرصد

ترصد المستشعرات الحرارية كذلك الألواح الشمسية، وأسقف المصانع مرتفعة الحرارة، والأسطح الصخرية الساخنة، إلا أن نماذج الذكاء الاصطناعي صُممت لاستبعاد هذه الإشارات قبل وصول التنبيهات إلى أجهزة الطوارئ، بما يقلل احتمالات الإنذارات الكاذبة.

وأوضح قائد في جهاز الإطفاء اليوناني، زيسولا داسيو، أن الأقمار الصناعية الأربعة ستوفر معلومات محدثة كل ساعة دون وجود فجوات في التغطية، وهو ما لا يساعد فقط على الاكتشاف المبكر، بل يدعم أيضًا النماذج التي تتنبأ بكيفية تطور الحرائق وانتقالها من منطقة إلى أخرى.

وبيّنت “يورو نيوز” أن التكلفة الإجمالية للشبكة تبلغ 200 مليون يورو، بتمويل من الاتحاد الأوروبي، بينما أسهم انخفاض تكاليف تصنيع الأقمار الصناعية وإطلاقها في تنفيذ المشروع، على أن يكتمل البرنامج اليوناني بحلول نهاية العام.

وأعلنت صحيفة “كاثيميريني” اليونانية أن الأقمار الصناعية الأربعة كانت قد أطلقت بنجاح إلى مدارها على متن صاروخ “فالكون 9” التابع لشركة “سبيس إكس” من قاعدة فاندنبرغ الفضائية، في خطوة تستهدف تعزيز قدرات البلاد على مراقبة حرائق الغابات والتكيف مع تغير المناخ.

وتشكّل هذه الأقمار أول كوكبة وطنية مخصصة لرصد حرائق الغابات وتتبعها في اليونان، وقد صُممت لتوفير بيانات شبه فورية تدعم الوقاية والتأهب والاستجابة، من خلال الكشف المبكر عن البؤر الساخنة، والمراقبة المستمرة لانتشار الحرائق، وإعداد خرائط تفصيلية للمناطق المتضررة.

وستغذي البيانات منصة مركزية تجمع المعلومات الواردة من الأقمار الصناعية وتعالجها لتستخدمها الجهات الحكومية ضمن نظام تشغيلي موحد، كما ستجمع الأقمار بيانات عالية الدقة عن درجات حرارة سطح البحر، والمناطق الساحلية، والمسطحات المائية الداخلية، واستخدامات الأراضي في المناطق الزراعية والحرجية والحضرية، بما يدعم صنع القرار في مجالات حماية البيئة، وإدارة الموارد المائية، والتكيف مع تغير المناخ.