في صف مدرسي تحول إلى مأوى، تعتني ليلى بنباتات فلفل صغيرة تذكرها بحديقة منزلها في بلدة الطيبة جنوبي لبنان. نزحت أسرتها مراراً قبل أن يُدمر بيتها بالكامل، وبقيت النباتات صلتها بحياة تتمنى استعادتها، في حين يلاحقها القلق على أقاربها وجيرانها وعلى ما أصاب الخدمات الأساسية في بلدتها.
وفي بلدة زفتا تقيم فاطمة النازحة من ميفدون، داخل صف مدرسي مع زوجها وابنتهما البالغة 16 عاماً، بعد ثلاث مرات من النزوح. زارت منزلها مرة واحدة ووجدت جزءاً منه متضرراً، ثم أعاد استئناف القصف مخاوفها، ومع اقتراب العام الدراسي، بات احتمال إخلاء الصف يهدد الأسرة بفقدان مأواها المؤقت، دون أن تمتلك المال اللازم لاستئجار مسكن بديل.
وردت الشهادتان في تقرير ميداني نشرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 21 أغسطس 2026، وتكشفان أن حق العودة لا يتحقق بمجرد الوصول إلى البلدة الأصلية، ما دام المنزل غير صالح للسكن أو تظل الأسرة مهددة بفقدان المأوى والأمان.

عودة بالأرقام ونزوح لم ينتهِ
قدّرت المفوضية في 18 أغسطس/ آب 2026 عودة نحو 860 ألف شخص إلى مناطقهم الأصلية في لبنان، مقابل استمرار نزوح نحو 360 ألفاً، بينهم ما لا يقل عن 22 ألف شخص في مراكز إيواء جماعية.
وتعود هذه التقديرات إلى تاريخ نشرها، ولا تمثل حصيلة محدثة حتى أكتوبر. كما أن تسجيل شخص ضمن العائدين لا يعني بالضرورة استعادة منزله أو انتهاء احتياجه إلى المساعدة، في ظل الدمار ونقص الخدمات والمخاطر الأمنية ومخلفات المتفجرات التي أشارت إليها المفوضية.
فبين العودة إلى المنطقة الأصلية والقدرة على استئناف الحياة فيها مسافة تحددها صلاحية المساكن وتوافر المياه و الرعاية الصحية والتعليم وسبل العيش. وفي غياب هذه المقومات، قد تتحول العودة إلى محطة مؤقتة تسبق نزوحاً جديداً.

الحكومة: مساعدات إيجار تستهدف 54 ألف أسرة
تقول سناء عواضة المساعدة الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، لـ«صفر»، إن الحكومة وضعت خطة للتعافي من تداعيات الحرب، تشمل مساعدة النازحين على العودة إلى مناطقهم ومنازلهم، وتقديم مساعدات نقدية للأسر التي تضررت مساكنها لتغطية تكاليف الإيجار خلال فترة تعذر العودة.
وتوضح أن الخطة تستهدف نحو 54 ألف أسرة بمساعدات الإيجار، إلى جانب العمل على توفير مراكز إيواء جماعية للأسر التي لا تستطيع الرجوع إلى منازلها. ويمثل الرقم عدد الأسر المستهدفة بالخطة، وليس حصيلة مؤكدة لمن تلقوا المساعدة فعلياً.
وتشير عواضة إلى تعاون وزارة الشؤون الاجتماعية مع وزارة التربية والتعليم في إدارة مراكز الإيواء ومتابعة احتياجات النازحين، فضلاً عن تقديم مساعدات نقدية طارئة للأسر المستفيدة من برنامج «أمان» والمتضررة من الحرب، وللأشخاص ذوي الإعاقة الذين تأثروا بتداعياتها.
وتؤكد أن الحكومة تسعى إلى تأمين التمويل اللازم لتنفيذ برامج التعافي وتيسير العودة الآمنة، في وقت لا تزال فيه عائلات تقيم في مراكز إيواء ومساكن مؤقتة، في حين يتعذر على أخرى الرجوع إلى بعض المناطق.
وتبرز حالة فاطمة تحدياً مباشراً لهذه الاستجابة؛ فاستعادة الصفوف المدرسية وظيفتها التعليمية ضرورة لحماية حق الأطفال في التعليم، لكن إخلاء الأسر النازحة دون توفير بدائل سكنية ملائمة قد يحرمها في المقابل من حقها في المأوى.
السكن الآمن شرط للعودة لا نتيجة لها
يرى الخبير في القانون الدولي الدكتور صلاح الرقاد أن تقييم العودة يجب أن يستند إلى الظروف الفعلية التي يجدها السكان ومدى توافر الحماية والخدمات الضرورية لاستقرارهم. فالرجوع إلى منزل متضرر أو منطقة تفتقر إلى مقومات الحياة لا يعني انتهاء النزوح عملياً.
من جهته، يشدد الخبير القانوني والحقوقي اللبناني الدكتور حسن الزعتري على مسؤولية الجهات المعنية عن ربط العودة بإعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية واستعادة الخدمات، بدلاً من ترك الأسر تتحمل وحدها تبعات الدمار. ويدعو إلى توضيح المسؤوليات والتحقيق في الانتهاكات المحتملة وفق الوقائع والأطر القانونية ذات الصلة.
ومن زاوية سياسية، يؤكد المحلل اللبناني طارق أبو زينب أهمية استعادة مقومات الحياة في المناطق المتضررة حتى لا تتحول العودة إلى مرحلة مؤقتة تسبق نزوحاً جديداً، مشيراً إلى أن تأهيل المرافق والخدمات وتوفير سبل العيش من الشروط الأساسية لتمكين السكان من الاستقرار.
وحقوقياً، ترتبط العودة الطوعية والآمنة والكريمة بحقوق متلازمة، في مقدمتها السكن الملائم والمياه والصحة والتعليم والسلامة الجسدية. وتقتضي حماية هذه الحقوق معالجة المخاطر الأمنية ومخلفات المتفجرات، وضمان وصول المساعدات إلى المتضررين، مع مراعاة احتياجات الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأكثر هشاشة.
كما تبرز ضرورة التحقيق في الادعاءات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي ومساءلة المسؤولين عنها استناداً إلى الأدلة والقواعد القانونية ذات الصلة، ما يحفظ حقوق المتضررين ولا يختزل التعافي في إعادة تأهيل المباني وحدها.

الحق في العودة يشمل ألّا تكون قسرية
لا تتضمن الشهادات التي نشرتها المفوضية معلومات محدثة عن مصير ليلى وفاطمة بعد أغسطس 2026. وتبقى متابعة وضع الأسرتين والتحقق من الخدمات والأمان في الطيبة وميفدون، والحصول على بيانات من الجهات الرسمية والبلديات بشأن تنفيذ برامج الإيواء وإعادة التأهيل، ضرورية لمعرفة مدى تحسن شروط العودة فعلياً.
لكن ما تكشفه الشهادتان يضع أمام الجهات المعنية استحقاقاً يتجاوز توفير مأوى مؤقت أو إعلان أعداد العائدين إلى ضمان ألا تدفع خسارة مكان الإيواء أو انقطاع المساعدة الأسر إلى الرجوع قبل توافر شروط السلامة، فالعودة حق يمارسه النازح بحرية، وليست موعداً تفرضه الحاجة أو إخلاء المدارس.
وحتى تصبح المنازل والمناطق المتضررة صالحة للحياة، يظل توفير بديل سكني ملائم جزءاً من حماية هذا الحق، كي لا تجد أسرة فقدت بيتها نفسها مضطرة إلى الاختيار بين مأوى لم يعد متاحاً وعودة لا تزال غير آمنة.
