في القرى النائية بإقليم كاوكا جنوب غربي كولومبيا، لم يعد السكان يخشون فقط أصوات الرصاص، بل باتوا يخافون الطرق الزراعية والمدارس وحتى الأنهار القريبة من منازلهم، بعدما تحولت مناطق واسعة إلى ساحات مواجهة مفتوحة بين الجماعات المسلحة والقوات الحكومية، وبينما تحاول آلاف العائلات الهروب من العنف المتصاعد، تتفاقم واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في أمريكا اللاتينية، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من أن البلاد تدخل مرحلة هي الأخطر منذ سنوات طويلة.
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في تقريرها السنوي الصادر في مايو 2026، أن الوضع الإنساني في كولومبيا خلال عام 2025 بلغ أسوأ مستوياته منذ عقد كامل، مشيرة إلى أن المدنيين يواجهون مستويات متزايدة من العنف والانتهاكات والنزوح القسري، وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن 965 شخصاً قتلوا أو أصيبوا بسبب المتفجرات خلال عام 2025، بزيادة بلغت 34 بالمئة مقارنة بعام 2024، فيما ارتفع عدد حالات الاختفاء المرتبطة بالنزاع إلى 308 حالات، بينما وثقت المنظمة 845 انتهاكاً محتملاً للقانون الدولي الإنساني، وأضافت اللجنة أن أكثر من 235 ألف شخص اضطروا إلى مغادرة منازلهم خلال العام نفسه بسبب تصاعد الاشتباكات المسلحة.

تصاعد غير مسبوق للعنف
وذكرت وكالة أسوشيتد برس، نقلاً عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن الاشتباكات المسلحة تصاعدت بصورة ملحوظة في مناطق كاوكا وتشوكو ونورتي دي سانتاندير، حيث تدور مواجهات بين جماعات متمردة منشقة عن القوات المسلحة الثورية الكولومبية وجيش التحرير الوطني وعصابات مرتبطة بتجارة المخدرات، وأوضحت اللجنة أن كثيراً من الاشتباكات جرت داخل مناطق مأهولة بالسكان أو بالقرب من مدارس ومرافق مدنية، ما عرض المدنيين لمخاطر مباشرة.
وقال أوليفييه دوبوا، رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بوغوتا، إن الأزمة الحالية تمثل نتيجة تدهور تدريجي حذرت منه المنظمة منذ عام 2018، مؤكداً أن تجاهل قواعد الحرب أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معاناة المدنيين، وأضاف أن الجماعات المسلحة استخدمت بشكل متزايد الطائرات المسيّرة والمتفجرات داخل المناطق المدنية، ما أدى إلى توسيع دائرة الخطر.
النزوح يتحول إلى مأساة مستمرة
وأكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن كولومبيا لا تزال تواجه واحدة من أكبر أزمات النزوح الداخلي في العالم، حيث بلغ عدد النازحين داخلياً نحو 7 ملايين شخص حتى نهاية عام 2025، وأوضحت المفوضية أن العنف المسلح والنزاعات على مناطق تهريب المخدرات والتعدين غير القانوني دفعت مئات الآلاف إلى الفرار من منازلهم خلال السنوات الأخيرة.
وقالت المفوضية إن أكثر من 235 ألف شخص نزحوا داخليا خلال عام 2025 وحده، بينما تأثر أكثر من 95 ألف شخص بحالات الحصار والعزل القسري التي فرضتها الجماعات المسلحة على مجتمعات ريفية بأكملها، كما أكدت أن آلاف العائلات تعيش حالياً في ظروف إنسانية صعبة مع محدودية الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن أكثر من 9 ملايين شخص في كولومبيا احتاجوا إلى مساعدات إنسانية وحماية خلال عام 2025، نتيجة تداخل النزاع المسلح مع الفقر والكوارث الطبيعية وتدفقات اللاجئين الفنزويليين، وأشار المكتب إلى أن المناطق الريفية الأكثر تضرراً تعاني أيضاً ضعف البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية.

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن الأطفال في كولومبيا أصبحوا في قلب الأزمة الإنسانية المتفاقمة، مع تصاعد مستويات العنف المسلح واتساع رقعة المواجهات بين الجماعات المسلحة والقوات الحكومية، وقالت المنظمة إن الأطفال في المناطق الريفية والنائية يواجهون مخاطر متزايدة تشمل التجنيد القسري والقتل والتشويه والعنف الجنسي والنزوح القسري والحرمان من التعليم والرعاية الصحية، في ظل ضعف حضور مؤسسات الدولة واستمرار حالة عدم الاستقرار الأمني.
وأوضحت يونيسف أن الجماعات المسلحة كثفت خلال عامي 2025 و2026 عمليات استقطاب الأطفال، مستغلة الفقر الحاد والتفكك الأسري وغياب الخدمات الأساسية في المناطق المهمشة، وأشارت المنظمة إلى أن مئات الأطفال تعرضوا للتجنيد أو أُجبروا على أداء أدوار مرتبطة بالنزاع، من بينها نقل الأسلحة والذخائر وجمع المعلومات والمشاركة في أنشطة غير قانونية مرتبطة بتهريب المخدرات والتعدين غير المشروع.
وفي السياق، قالت بعثة الأمم المتحدة للتحقق في كولومبيا إن حالات تجنيد الأطفال ارتفعت بصورة مقلقة في أقاليم كاوكا ونارينيو وتشوكو ونورتي دي سانتاندير، وهي المناطق التي تشهد أعلى مستويات النشاط المسلح، وأكدت البعثة أن الجماعات المسلحة تستهدف بشكل خاص أبناء المجتمعات الأصلية والسكان المنحدرين من أصول أفريقية، بسبب هشاشة أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
كما ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن آلاف الأطفال اضطروا إلى ترك المدارس خلال عام 2025 نتيجة الاشتباكات المسلحة أو التهديدات الأمنية أو عمليات النزوح الجماعي، وأشارت المنظمة إلى أن إغلاق المدارس أو تحويلها إلى مناطق خطرة أدى إلى ارتفاع معدلات التسرب التعليمي في بعض المناطق الريفية إلى مستويات غير مسبوقة، ما يهدد بضياع جيل كامل من الأطفال.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أكثر من 270 ألف طفل تأثروا بشكل مباشر بالنزاع المسلح في كولومبيا خلال عام 2025، سواء عبر النزوح أو القيود المفروضة على الحركة أو انقطاع الخدمات الأساسية، وأضاف المكتب أن آلاف الأطفال يعيشون حالياً داخل مجتمعات معزولة تفرض عليها الجماعات المسلحة قيوداً تمنع السكان من التنقل بحرية أو الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية.
كما حذّرت يونيسف من تصاعد العنف الجنسي ضد الفتيات في مناطق النزاع، مؤكدة أن الجماعات المسلحة تستخدم العنف القائم على النوع الاجتماعي كوسيلة للسيطرة والترهيب، وأوضحت المنظمة أن ضعف آليات الحماية والخوف من الانتقام يمنعان كثيراً من الضحايا من الإبلاغ عن الانتهاكات.
الألغام الأرضية والمتفجرات
أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن عام 2025 شهد سقوط 965 قتيلاً ومصاباً بسبب المتفجرات والألغام والعبوات الناسفة في كولومبيا، بزيادة بلغت 34 بالمئة مقارنة بعام 2024، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ سنوات، وأوضحت اللجنة أن المدنيين، وبينهم أطفال ومزارعون، يمثلون النسبة الأكبر من الضحايا بسبب انتشار العبوات الناسفة في المناطق الريفية ومسارات التنقل الزراعي
وأكد مرصد الألغام الأرضية الدولي أن كولومبيا سجلت خلال عام 2025 ارتفاعاً جديداً في أعداد ضحايا المتفجرات، خاصة بين الأطفال، مع توسع استخدام العبوات الناسفة من قبل الجماعات المسلحة في المناطق المتنازع عليها، وأضاف المرصد أن كثيراً من الضحايا يتعرضون لإعاقات دائمة وبتر أطراف، وسط محدودية خدمات التأهيل والدعم النفسي في المناطق النائية.

استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان
وقالت مؤسسة “سوموس ديفنسوريس” الكولومبية إن عام 2025 تحول إلى أحد أكثر الأعوام دموية بالنسبة للمدافعين عن حقوق الإنسان منذ وصول الرئيس غوستافو بيترو إلى السلطة، بعدما سجلت البلاد مقتل 165 مدافعاً عن حقوق الإنسان، بزيادة بلغت 5 بالمئة مقارنة بالعام السابق، إلى جانب 874 اعتداءً شملت التهديدات ومحاولات الاغتيال والاختفاء القسري والنزوح القسري، وأكد مكتب أمين المظالم الكولومبي أن الأشهر الخمسة الأولى من 2025 شهدت وحدها مقتل 81 زعيماً مجتمعياً ومدافعاً عن الحقوق، بينما تجاوز عدد القادة الاجتماعيين الذين قتلوا منذ توقيع اتفاق السلام عام 2016 أكثر من 1569 شخصاً.
كما أوضحت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن أكثر من 410 مدافعين عن حقوق الإنسان قتلوا في كولومبيا بين عامي 2022 و2025، في ظل استمرار الإفلات من العقاب وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة، لافتة إلى أن كثيراً من الضحايا كانوا يعملون على توثيق الانتهاكات أو الدفاع عن حقوق المجتمعات الريفية والسكان الأصليين.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن الجماعات المسلحة تستخدم القتل والتهديد والاختفاء القسري لإسكات الأصوات المعارضة داخل المجتمعات المحلية، مؤكدة أن الإفلات من العقاب لا يزال من أبرز أسباب استمرار الانتهاكات، وأضافت المنظمة أن ضعف التحقيقات القضائية وعدم قدرة السلطات على فرض الأمن في المناطق الريفية يمنح الجماعات المسلحة مساحة أوسع للتحرك بحرية.
وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن القادة المجتمعيين والنشطاء البيئيين والصحفيين المحليين يتعرضون لتهديدات مستمرة بسبب رفضهم سيطرة الجماعات المسلحة أو معارضتهم أنشطة التعدين غير المشروع والاتجار بالمخدرات، وأكدت المنظمة أن كثيراً من النشطاء اضطروا إلى مغادرة مناطقهم أو العيش تحت حماية أمنية دائمة.
كما حذرت منظمة العفو الدولية من أن تصاعد العنف ضد المدافعين عن حقوق الإنسان يهدد بشكل مباشر فرص تنفيذ اتفاق السلام في كولومبيا، لأن هؤلاء النشطاء يمثلون حلقة أساسية في جهود المصالحة المجتمعية والدفاع عن حقوق الضحايا.
وذكرت مؤسسة “إنديباز” الكولومبية المعنية برصد العنف السياسي أن البلاد سجلت خلال عام 2025 عشرات عمليات الاغتيال بحق قادة مجتمعيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب استمرار استهداف الموقّعين على اتفاق السلام السابق مع الحكومة، وقالت المؤسسة إن استمرار هذه الجرائم يعكس هشاشة الوضع الأمني وفشل الدولة في توفير الحماية الكافية للمهددين.
وأكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن السكان الأصليين والمنحدرين من أصول إفريقية يمثلون نسبة كبيرة من ضحايا الانتهاكات، نظراً لوجودهم في مناطق استراتيجية غنية بالموارد الطبيعية وتشهد نشاطاً واسعاً للجماعات المسلحة.
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن استمرار الانتهاكات ضد المدنيين والمدافعين عن حقوق الإنسان يعكس تراجع احترام القانون الدولي الإنساني، داعية جميع أطراف النزاع إلى وقف استهداف المدنيين وضمان حماية العاملين في المجال الإنساني والحقوقي.

اتفاق سلام يترنح
رغم توقيع اتفاق السلام التاريخي عام 2016 بين الحكومة الكولومبية والقوات المسلحة الثورية الكولومبية، فإن العنف لم يتوقف بصورة كاملة،وأكد معهد كروك للسلام الدولي، وهو الجهة المكلفة بمتابعة تنفيذ الاتفاق، أن تنفيذ بنود الاتفاق لا يزال يواجه تحديات كبيرة، خاصة في المناطق الريفية التي انسحبت منها الجماعات المتمردة سابقاً.
وأشار المعهد إلى أن جماعات مسلحة جديدة وكيانات منشقة عن الفصائل السابقة استغلت الفراغ الأمني للسيطرة على طرق تهريب المخدرات ومناطق التعدين غير القانوني، ما أدى إلى تجدد النزاعات المسلحة.
وقالت الحكومة الكولومبية برئاسة غوستافو بيترو إنها تسعى إلى تطبيق سياسة السلام الشامل عبر فتح قنوات تفاوض مع الجماعات المسلحة، إلا أن تصاعد الهجمات المسلحة خلال عامي 2025 و2026 أثار شكوكاً واسعة حول قدرة الحكومة على تحقيق اختراق حقيقي في مسار السلام.

الأزمة الاقتصادية والاجتماعية
وأكد برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة أن النزاع المسلح أدى إلى تفاقم مستويات الفقر وانعدام الأمن الغذائي في كولومبيا، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد على الزراعة والصيد، وقال البرنامج إن مئات الآلاف من الأسر أصبحت عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية بسبب النزوح والعنف وارتفاع الأسعار.
وأشارت المنظمة الدولية للهجرة إلى أن النزوح المستمر خلق ضغوطاً هائلة على المدن الكولومبية الكبرى، حيث تعاني مراكز الإيواء والخدمات الصحية والتعليمية من اكتظاظ حاد ونقص في التمويل.
كما تواجه كولومبيا تحدياً إضافياً يتمثل في استضافة ملايين اللاجئين والمهاجرين الفنزويليين، وأكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن البلاد تستضيف أكثر من 2.8 مليون مهاجر ولاجئ فنزويلي، ما يضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

القانون الدولي تحت الاختبار
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن استمرار استهداف المدنيين واستخدام المتفجرات قرب المناطق السكنية يمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وشددت المنظمة على أن جميع أطراف النزاع ملزمة قانونياً بحماية المدنيين وتجنب الهجمات العشوائية.
وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن الاختفاء القسري والتجنيد الإجباري للأطفال والعنف الجنسي قد ترقى في بعض الحالات إلى جرائم حرب، داعية السلطات الكولومبية إلى فتح تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
كما طالبت منظمات حقوقية دولية بزيادة الدعم الدولي لكولومبيا، ليس فقط عبر المساعدات الإنسانية، بل أيضاً من خلال دعم برامج العدالة الانتقالية وإعادة دمج المقاتلين السابقين وحماية المجتمعات المحلية.

إرث طويل من الحرب
ويعود النزاع المسلح في كولومبيا إلى ستينيات القرن الماضي، حين اندلعت مواجهات بين الحكومة وجماعات متمردة يسارية وجماعات شبه عسكرية يمينية وعصابات مرتبطة بتجارة المخدرات، واستمرت الحرب أكثر من خمسة عقود، وأسفرت، وفقاً للجنة الحقيقة الكولومبية، عن مقتل أكثر من 220 ألف شخص وتشريد ملايين المدنيين.
ورغم توقيع اتفاق السلام قبل نحو عقد، فإن جذور الأزمة المرتبطة بالفقر والتهميش وضعف التنمية والصراع على الموارد بقيت دون معالجة كاملة، ما سمح باستمرار العنف بأشكال مختلفة.
واليوم، وبينما تتزايد أعداد الضحايا والنازحين وتتوسع رقعة الانتهاكات، تبدو كولومبيا أمام لحظة مفصلية قد تحدد مستقبلها لسنوات طويلة، فإما إنقاذ مسار السلام وتعزيز حضور الدولة وحماية المدنيين، أو الانزلاق مجدداً إلى دائرة حرب مفتوحة يدفع ثمنها ملايين الأبرياء.

