في ساعات الصباح الأولى، تبدأ ملامح أزمة المياه في كابول بالظهور بشكل يومي داخل أحياء متفرقة من العاصمة الأفغانية، حيث تصطف نساء وأطفال أمام صهاريج المياه أو نقاط التوزيع بحثاً عن كميات محدودة تكفي احتياجات يوم واحد فقط، وفي أحياء أخرى، يحمل السكان أوعية بلاستيكية على عربات يدوية أو يسيرون لمسافات طويلة للوصول إلى آبار ما زالت تنتج كميات ضئيلة من المياه، في مشهد بات جزءاً ثابتاً من الحياة اليومية في مدينة يتزايد فيها العجز المائي عاماً بعد عام.
وتؤكد منظمة ميرسي كور الدولية في تقريرها حول أزمة المياه في كابول أن المدينة تواجه ضغوطاً مائية غير مسبوقة نتيجة الاستهلاك المفرط للمياه الجوفية وتراجع معدلات التغذية الطبيعية، مشيرة إلى أن مستوى المياه الجوفية انخفض بما يتراوح بين 25 و30 متراً خلال العقد الأخير، وأن ما يقرب من نصف الآبار في العاصمة إما جفّ أو أصبح غير صالح للاستخدام.
كما أضاف تقرير منظمة ميرسي كور أن معدل استخراج المياه يتجاوز قدرة الطبيعة على التعويض بما يقارب 44 مليون متر مكعب سنوياً، ما يضع العاصمة في مسار استنزاف طويل الأمد.
استنزاف المياه الجوفية
وتوضح بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” في تقرير الوضع الإنساني في أفغانستان لعام 2025 أن كابول شهدت نمواً سكانياً سريعاً بعد عام 2001، حيث ارتفع عدد السكان من أقل من مليون نسمة إلى ما يقارب ستة إلى سبعة ملايين نسمة، وهو ما فاق قدرة البنية التحتية للمياه على الاستيعاب، ويشير التقرير الأممي إلى أن الاعتماد الواسع على الآبار غير المنظمة زاد من استنزاف المياه الجوفية بشكل غير مستدام، في ظل ضعف شبكات الإمداد الرسمية.
وتتجاوز أزمة المياه في كابول مسألة النقص الكمي لتصل إلى جودة المياه نفسها، إذ تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقريره حول الوضع البيئي في أفغانستان لعام 2025 إلى أن ما يصل إلى 80 بالمئة من المياه الجوفية في العاصمة يعاني من مستويات تلوث مرتفعة تشمل الصرف الصحي والمعادن الثقيلة مثل الزرنيخ، ما يجعل الحصول على مياه صالحة للشرب تحدياً صحياً بالغ الخطورة، ويضيف التقرير أن هذا التلوث يفاقم المخاطر الصحية المرتبطة بالأمراض المنقولة عبر المياه، خصوصاً بين الأطفال في المناطق الفقيرة.
ضغوط اقتصادية
وفي الجانب الاقتصادي، تكشف منظمة ميرسي كور الدولية في تقريرها ذاته أن بعض الأسر في كابول تنفق ما يصل إلى 30 بالمئة من دخلها الشهري على شراء المياه من صهاريج خاصة، بينما تضطر نسبة كبيرة من الأسر إلى الاقتراض لتغطية احتياجاتها اليومية من المياه، وتوضح تقارير وكالة أسوشيتد برس في تحقيق ميداني نشر عام 2026 أن سوق المياه في العاصمة بات غير منظم بالكامل، حيث تتفاوت الأسعار بشكل كبير تبعاً لندرة المياه في كل حي، ما يضع الأسر الأكثر فقراً في مواجهة مباشرة مع خطر العجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية.
انتهاكات حقوق الأطفال والنساء
وتنعكس أزمة المياه بشكل مباشر على حياة الأطفال، حيث تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في تقريرها الإنساني عن أفغانستان لعام 2025 إلى أن آلاف الأطفال في كابول يضطرون إلى قضاء ساعات يومياً في جلب المياه بدلاً من الذهاب إلى المدارس، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التسرب المدرسي في بعض الأحياء الفقيرة، كما تؤكد يونيسف أن تلوث المياه يسهم في زيادة حالات الإسهال الحاد وأمراض الجهاز الهضمي، ما يضع عبئاً إضافياً على النظام الصحي الهش في البلاد.
أما على مستوى النساء، فتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تقاريرها الخاصة بأفغانستان لعام 2025 إلى أن النساء يتحملن العبء الأكبر في إدارة أزمة المياه داخل الأسر، حيث يقضين ساعات طويلة في الانتظار أو التنقل لجلب المياه، وهو ما يحد من فرص مشاركتهن في التعليم والعمل ويزيد من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية عليهن، وتوضح التقارير أن هذا الواقع يعمق الفجوات الجندرية داخل المجتمع الأفغاني في ظل غياب حلول مستدامة للأزمة.
تداعيات التغير المناخي
وفي السياق البيئي، يوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره حول التغير المناخي في أفغانستان ضمن إطار تقييمات التنمية المستدامة لعام 2025، أن التغير المناخي لم يعد عاملاً ثانوياً في أزمة المياه في كابول، بل أصبح محدداً رئيسياً لبنية الأمن المائي في البلاد، ويشير التقرير إلى أن أفغانستان تشهد ارتفاعاً في متوسط درجات الحرارة السنوية بمعدل يقارب 1.8 درجة مئوية مقارنة بخط الأساس المناخي قبل عام 1980، وهو ما أدى إلى تسارع معدلات التبخر وتقليص فترات الاحتفاظ بالرطوبة في التربة، وبالتالي تقليل كفاءة تغذية المياه الجوفية في حوض كابول.
ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن واحدة من أخطر التحولات البيئية تتمثل في تراجع تساقط الثلوج في جبال هندوكوش، التي تمثل الخزان الطبيعي الأساسي للمياه في العاصمة، وتشير بيانات مركز “ICIMOD” الإقليمي إلى أن الغطاء الثلجي في منطقة هندوكوش–الهيمالايا سجل انخفاضاً في الاستمرارية الثلجية بنسبة 23.6 بالمئة دون المعدل الطبيعي خلال عام 2025، وهو أدنى مستوى يتم تسجيله منذ أكثر من عقدين، مع تكرار هذا الاتجاه السلبي لثلاث سنوات متتالية، وهذا الانخفاض يعني عملياً تقليص كمية المياه الذائبة التي تغذي الأنهار والمياه الجوفية خلال موسم الصيف الجاف، وهو المصدر الحيوي الذي تعتمد عليه كابول بشكل مباشر.
كما يوضح التقرير نفسه أن أنماط الهطول المطري شهدت تغيراً هيكلياً خلال العقد الأخير، حيث أصبحت الأمطار أقل انتظاماً وأكثر تطرفاً، أي أنها تهطل بكثافة عالية خلال فترات قصيرة بدلاً من التوزيع الموسمي التدريجي الذي يسمح بتسرب المياه إلى باطن الأرض، وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن هذا النمط يؤدي إلى فقدان ما يصل إلى 40 بالمئة من مياه الأمطار عبر الجريان السطحي السريع، بدلاً من تغذية الطبقات الجوفية، ما يفاقم عجز إعادة تعبئة الخزانات المائية تحت سطح الأرض.
وتربط دراسات علمية صادرة عن المجلة الدولية للهيدرولوجيا في 2025 بين تراجع الثلوج في هندوكوش وانخفاض تدفق الأنهار الفرعية لحوض كابول بنسبة تتراوح بين 15 و25 بالمئة خلال السنوات العشر الأخيرة، مع توقعات بانخفاض إضافي قد يصل إلى 30 بالمئة بحلول عام 2030 إذا استمرت معدلات الانبعاثات الحالية دون تخفيف، ويؤكد هذا الاتجاه أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالاستهلاك البشري فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بتغيرات النظام المناخي الإقليمي.
وفي السياق نفسه، يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2026 حول الأمن المائي في أفغانستان إلى أن التغيرات المناخية، إلى جانب النمو السكاني السريع، أدت إلى اختلال حاد بين العرض والطلب على المياه في العاصمة، فبينما يزداد الطلب السنوي على المياه بمعدل يقارب 6 إلى 7 بالمئة نتيجة التوسع الحضري، تتراجع القدرة الطبيعية على إعادة تغذية المياه الجوفية بنحو 2 إلى 3 بالمئة سنوياً، ما يخلق فجوة تراكمية تتسع باستمرار.
كما يوضح التقرير أن ذوبان الثلوج لم يعد يحدث في توقيته الطبيعي التدريجي، بل بات أكثر تقلباً، حيث تحدث ذروات الذوبان في فترات غير متزامنة مع احتياجات الزراعة والاستهلاك الحضري، وهو ما يؤدي إلى فقدان جزء كبير من المياه في فترات لا يمكن تخزينها أو استخدامها بشكل فعال، وتشير التقديرات إلى أن هذا الخلل في التوازن الموسمي يقلل فعلياً من كفاءة الموارد المائية في كابول بنسبة تصل إلى 20 بالمئة مقارنة بالمعايير المناخية المستقرة.
ويحذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن استمرار هذا المسار المناخي قد يؤدي إلى دخول كابول في مرحلة عجز مائي هيكلي دائم قبل عام 2030، حيث تصبح معدلات السحب من المياه الجوفية أعلى بكثير من معدلات التعويض الطبيعي، وهو ما يعني فقدان قدرة النظام الجوفي على التجدد، ويؤكد التقرير أن هذا السيناريو لا يرتبط فقط بندرة المياه، بل بانهيار تدريجي في منظومة الحياة الحضرية، بما يشمل السكن والصحة والغذاء والاستقرار الاجتماعي.
وتظهر هذه البيانات مجتمعة أن أزمة كابول المائية لم تعد أزمة محلية ناتجة عن سوء إدارة فقط، بل أصبحت نتيجة مباشرة لتفاعل ثلاثي بين التغير المناخي الإقليمي في جبال هندوكوش، والتحولات في أنماط الهطول والثلوج، والضغط البشري المتزايد على الموارد المحدودة، وهذا التداخل بين العوامل الطبيعية والبشرية يجعل معالجة الأزمة أكثر تعقيداً، ويضعها ضمن نطاق الأزمات المناخية الحضرية الأكثر خطورة على مستوى العالم في العقد الحالي.
مشاريع لتخفيف حدة الأزمة
وتعمل شركة المياه والصرف الصحي في كابول على تنفيذ مشاريع استراتيجية لمحاولة تخفيف حدة الأزمة، من بينها مشروع نقل المياه من نهر بنجشير إلى العاصمة، إضافة إلى مشروعَي سد شاه توت وسد شاه وعروس، وفق بيانات الشركة الرسمية لعام 2025، غير أن تقارير وكالة رويترز تشير إلى أن هذه المشاريع تواجه تحديات مالية وفنية وإدارية أدت إلى تأخر تنفيذها، في وقت يتسارع فيه استنزاف الموارد المائية الجوفية بشكل يفوق قدرة هذه المشاريع على التعويض السريع.
وتحذر منظمة ميرسي كور الدولية في أحدث تقديراتها من أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل جذري قد يؤدي إلى نضوب شبه كامل للمياه الجوفية في كابول بحلول عام 2030، ما قد يعرض حياة ملايين السكان لمخاطر مباشرة تشمل النزوح الداخلي وتدهور الأوضاع الصحية والمعيشية، كما يؤكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا أن فجوة التمويل في قطاع المياه والصرف الصحي في أفغانستان تعرقل تنفيذ برامج الاستجابة الإنسانية، ما يحد من قدرة المجتمع الدولي على تخفيف آثار الأزمة.
بعد حقوقي وإنساني
وعلى المستوى القانوني، تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الحصول على مياه شرب آمنة ونظيفة يعد حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2010 الذي أقر هذا الحق باعتباره جزءاً من الحق في الحياة والصحة والكرامة، وتشدد المفوضية على أن الدول مُلزمة بضمان توفير المياه دون تمييز وبجودة مناسبة، وهو ما يجعل أزمة كابول ذات بعد حقوقي وإنساني وليس فقط بيئياً أو خدمياً.
تستند الخلفية التاريخية للأزمة إلى عقود من التوسع السكاني السريع في كابول بعد عام 2001، نتيجة النزوح الداخلي وعودة اللاجئين، إلى جانب ضعف البنية التحتية وتراجع الاستثمارات في شبكات المياه، ومع استمرار آثار الحرب وتغير المناخ وتراجع الدعم الدولي بعد عام 2021، دخلت العاصمة مرحلة استنزاف مائي متسارع جعلها واحدة من أكثر المدن عرضة لأزمة مياه حضرية على مستوى العالم، وفق تقديرات متقاطعة بين تقارير الأمم المتحدة ومنظمة ميرسي كور الدولية.

