منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من الشاشات إلى الزنازين.. قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية بالمنطقة العربية تكبل الصحفيين

09 أغسطس 2026
قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية تكبل الصحفيين
قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية تكبل الصحفيين

لم تعد ملاحقة الصحفيين في المنطقة العربية مرتبطة بغرف الأخبار وحدها، إذ تحولت الهواتف الذكية ومنصات التواصل وتطبيقات المراسلة إلى مساحة جديدة للمراقبة والتجريم، في ظل توسع استخدام قوانين الجرائم الإلكترونية لملاحقة التعبير الرقمي والعمل الصحفي.

وتؤكد منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ولجنة حماية الصحفيين، أن عدداً من الحكومات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تستخدم قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية والأخبار الزائفة بطريقة فضفاضة تستهدف الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، بدلاً من حصرها في مكافحة الاختراقات والابتزاز والجرائم التقنية الفعلية.

وترى هذه المنظمات أن الخطر الأساسي لا يكمن في وجود قوانين تنظم الفضاء الرقمي، بل في صياغتها الواسعة والغامضة، وما تمنحه من صلاحيات واسعة للسلطات في الحجب والملاحقة ومصادرة الأجهزة وتقييد حرية التعبير.

تونس.. المرسوم 54 يتصدر الأزمة

في تونس يمثل المرسوم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال أحد أبرز النماذج المثيرة للجدل، فقد قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات القضائية واصلت استخدام المرسوم لإسكات صحفيين ومستخدمي منصات التواصل ومحامين وفنانين ونشطاء، مشيرة إلى أن نقابة الصحفيين التونسيين رصدت حتى سبتمبر 29 صحفياً يواجهون تحقيقات أو ملاحقات بموجب هذا المرسوم.

ووثقت لجنة حماية الصحفيين ما وصفته بنمط أوسع من التضييق القضائي على الصحفيين في تونس، مشيرة إلى استخدام المرسوم 54 في ملاحقة صحفيين ومعلقين، بينهم قضايا وأحكام طالت أسماء إعلامية بارزة خلال 2026.

وتكشف هذه الحالة عن تحول خطر في التعامل مع قضايا النشر، إذ يجري تجاوز القوانين الصحفية التي توفر ضمانات نسبية للصحفيين، واللجوء بدلاً منها إلى تشريعات سيبرانية تتيح عقوبات سالبة للحرية وتفتح الباب أمام تكييف النقد الصحفي باعتباره “أخباراً زائفة” أو “إساءة” أو “إرباكاً للنظام العام”.

مراقبة وحجب

تشير فريدوم هاوس في تقريرها عن حرية الإنترنت في مصر لعام 2025 إلى أن حرية الإنترنت وحقوق المستخدمين ظلت مقيدة بشدة، وأن خطر العقوبات الجنائية والمضايقات والمراقبة أسهم في رفع مستويات الرقابة الذاتية، في حين يواجه صحفيون ومدونون ونشطاء محتجزون انتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.

وتؤكد هذه التقارير أن التشريعات الرقمية في بعض الدول العربية لا تعمل بمعزل عن منظومة أوسع تشمل الحجب، والمراقبة، ومصادرة الأجهزة، والضغط القضائي، ما يدفع الصحفيين إلى ممارسة رقابة ذاتية قبل النشر.

وتقول منظمات حقوق رقمية إن الخطر الجديد يتمثل في تحول الهاتف المحمول من أداة عمل للصحفي إلى مصدر دائم للملاحقة، فالصحفيون يعتمدون على الهاتف في التصوير والتسجيل والتواصل مع المصادر وحفظ الوثائق، لكن القوانين الفضفاضة تجعل هذه الأدوات نفسها قابلة للتحول إلى “أدلة اتهام”.

وتزداد الخطورة عندما تُستخدم قوانين الأمن السيبراني لتبرير الوصول إلى البيانات أو مراقبة الاتصالات أو تفتيش الأجهزة، دون ضمانات قضائية كافية أو رقابة مستقلة.

أثر مباشر في الصحافة

تؤدي هذه البيئة إلى نتائج خطرة على العمل الصحفي، أبرزها تراجع التحقيقات الاستقصائية، وتردد الصحفيين في تناول ملفات الفساد والاقتصاد والسياسات العامة، وخوف المصادر من التواصل مع الإعلام.

وتقول مراسلون بلا حدود، وفق تغطية لنتائج مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، إن حرية الصحافة عالمياً وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ 25 عاماً، بسبب توسع استخدام قوانين الأمن القومي والتشريعات المقيدة والضغوط السياسية والاقتصادية ضد الإعلام.

وفي المنطقة العربية، يظهر هذا التراجع بوضوح في ملاحقة الصحفيين عبر قوانين إلكترونية صيغت أصلاً تحت عناوين مكافحة الشائعات والجرائم الرقمية، لكنها تحولت في حالات كثيرة إلى وسيلة لضبط النقاش العام.

خلاصة حقوقية

تكشف التجارب العربية أن قوانين الجرائم الإلكترونية لم تعد مجرد أدوات تقنية لحماية المستخدمين من الاختراق والابتزاز، بل تحولت في عدد من الدول إلى إطار قانوني لملاحقة الصحفيين والنشطاء والمعارضين.

وتحذر المنظمات الحقوقية من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى إغلاق المجال العام الرقمي، ودفع الصحفيين إلى الصمت أو الهجرة المهنية، وترك الفضاء الإلكتروني للروايات الرسمية وحدها.

والحل لا يكون بإلغاء حماية الفضاء الرقمي، بل بإعادة صياغة قوانين الجرائم الإلكترونية بما يتوافق مع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويضمن أن تكون القيود على التعبير محددة وضرورية ومتناسبة، لا وسيلة مفتوحة للعقاب والترهيب.

المصيدة الرقمية

أكد الناشط الحقوقي التونسي والمدافع عن الحقوق الرقمية، أحمد كرعود، أن البيئة التشريعية والمناخ العام في تونس وعدة عواصم عربية قد شهدا تراجعاً دراماتيكياً خطراً منذ قفزة التحولات السياسية في 25 جويلية 2021، حيث تحولت الترسانة القانونية المصممة بدعوى مكافحة الجرائم السيبرانية إلى أدوات قمع ممنهج تستهدف تجفيف منابع الصحافة المستقلة والحرية الرقمية.

وأشار كرعود في تصريح خاص لـ”صفر”، رصد فيه واقع الحريات لعامي 2025 ومطلع 2026، إلى أن إصدار “المرسوم 54” المتعلق بالجرائم الرقمية والاتصال في تونس مثّل النقطة المفصلية التي نقلت الدولة من مربع الانتقال الديمقراطي إلى مربع الملاحقة القضائية المفتوحة، منبهاً إلى أن هذا المرسوم بات سبباً مباشراً في الزج بالعديد من الصحفيين، والمدونين، وحتى المواطنين العاديين في غياهب السجون لمجرد التعبير عن آرائهم السياسية أو الاقتصادية عبر منصات التواصل الاجتماعي وشاشات الهواتف التي تحولت إلى مصائد رقمية متكاملة الأركان.

وشدد الناشط الحقوقي على أن الملاحقة القضائية للإعلاميين في المنطقة العربية لم تعد تقتصر على القوانين المستحدثة فحسب، بل جرى إحياء ترسانة من التشريعات القمعية القديمة؛ حيث جرى سجن واستجواب صحفيين بارزين بموجب “مجلة الاتصالات” التونسية التي تعود إلى حقبة حكم زين العابدين بن علي، وهو سلوك زجري يتطابق مع ما تشهده دول عربية أخرى مثل الأردن ومصر من تفعيل متزامن لقوانين الجرائم الإلكترونية ومواد العقوبات الفضفاضة المقيدة للنشر الرقمي.

وأكد كرعود أن هذا المناخ السياسي والأمني العام اتسم بقمع المعارضات السياسية والتضييق الصارم على منظمات المجتمع المدني ومؤسسات الصحافة الرقمية، ما نشر حالة عارمة من الخوف والوجل من تبعات إبداء الرأي أو الانخراط في أي عمل مدني أو سياسي، وهو ما انعكس سلباً وبشكل مباشر على جودة العمل الصحفي والالتزام المهني.

مناخ من الترهيب

ونبه كرعود إلى تفشي ظاهرة “الرقابة الذاتية” في غرف الأخبار العربية خلال العامين الماضيين، حيث سادت حالة من عدم الجرأة في طرح المواضيع السياسية والحقوقية الحساسة في الحوارات الإذاعية والتلفزيونية، وبات من النادر تنظيم برامج حوارية سياسية تتضمن أصواتاً متعددة أو آراء معارضة وازنة مثلما كان عليه الوضع قبل عام 2021.

وأشار إلى أن اعتقال واحتجاز عدد من الصحفيين والإعلاميين البارزين الذين لمعت أسماؤهم وعطاؤهم المهني خلال عشرية الانتقال الديمقراطي قد عمق مشاعر الإحباط واليأس في صفوف جيل الشباب من الإعلاميين، وأسهم في نشر مناخ من الترهيب يستهدف تقويض استقلالية الخط التحريري للمؤسسات الإعلامية.

ونبه كرعود إلى أن النقاشات العامة في الفضاء الرقمي تراجعت واقتصرت بفعل الرعب التشريعي على الشكوى من غلاء الأسعار المرتفعة وفقدان المواد الغذائية والتموينية الأساسية، مع تعمد عزل هذه الأزمات الحياتية وعدم ربطها بالخيارات السياسية أو الشأن العام خوفاً من السجن بموجب بنود “إثارة الفوضى والنيل من هيبة الدولة”.

ورغم هذه القتامة المشهدية والانتكاسة الحقوقية، شدد كرعود في ختام تصريحه على أن الأمل لم ينقطع، مؤكداً أن النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، وبالتنسيق مع الشبكات الحقوقية الإقليمية مثل “أكسس ناو”، ما زالت تلعب دوراً تاريخياً ومحورياً في تأطير نضالات الصحفيات والصحفيين، وتشكيل جبهة صد قانونية ونقابية صلبة للدفاع عن حرية التعبير، ومقاومة هذا التغول التشريعي الرقمي الذي يسعى لتحويل الهواتف والأقلام إلى صكوك اتهام جنائية.

تضييقات تهدد دور الصحافة

أكد رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، مصطفى عبدالكبير، أن وضع حرية الصحافة في تونس يمر بمرحلة دقيقة تتطلب مراجعة جدية للسياسات والإجراءات المتخذة تجاه الإعلاميين، مشيراً إلى أن الصحافة الحرة تمثل إحدى ركائز الدولة الديمقراطية، وأن أي تضييق عليها ينعكس مباشرة على حق المواطن في المعرفة وعلى قدرة المجتمع على مراقبة أداء المؤسسات.

وأوضح عبدالكبير في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن المرسوم 54 أصبح، منذ صدوره، أحد أبرز الملفات التي أثارت جدلاً واسعاً في الساحة الإعلامية والحقوقية التونسية، مؤكداً أنه تحول إلى مصدر قلق كبير لدى الصحفيين بسبب استخدامه في ملاحقات قضائية طالت عدداً من العاملين في القطاع الإعلامي على خلفية أعمال صحفية أو آراء وتصريحات منشورة. وأضاف أن هذا الوضع خلق حالة من الخوف والرقابة الذاتية لدى الصحفيين، وجعل البعض يشعر بأن ممارسة المهنة أصبحت محفوفة بالمخاطر بدل أن تكون مساحة لنقل الحقيقة ومساءلة أصحاب القرار.

وأشار رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بالنصوص القانونية، بل أيضاً بالممارسة اليومية على أرض الواقع، حيث نبه إلى وجود صعوبات متزايدة أمام الصحفيين في الوصول إلى المعلومة وتغطية الأحداث الوطنية بحرية، إضافة إلى تسجيل حالات منع أو تضييق على بعض الصحفيين في ممارسة مهامهم أو حتى في التنقل بسبب قضايا مرتبطة بعملهم الإعلامي.

وأكد أن تونس تمتلك منظومة قانونية كان من شأنها أن تشكل إطاراً متقدماً لحماية حرية الصحافة، خاصة المراسيم المنظمة للمهنة التي صدرت بعد 2011 عن الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، والتي أسهمت في تحرير الإعلام من القيود التي كانت مفروضة خلال فترة النظام السابق.

وأوضح أن الصحافة التونسية، خلال السنوات التي تلت الثورة، تمكنت من لعب دور حقيقي بوصفها سلطة رابعة، وأسهمت في خلق توازن بين مختلف مكونات المشهد السياسي والاجتماعي، قبل أن تبدأ العلاقة بين السلطة والإعلام في التوتر تدريجياً خلال السنوات الأخيرة.

وأضاف عبدالكبير أن عدم تطبيق القوانين المنظمة للعمل الصحفي يمثل إشكالاً أساسياً، مشيراً إلى أن هناك فرقاً بين تنظيم القطاع وضمان احترام قواعد المهنة، وبين فرض قيود تؤثر في استقلالية الصحفي. ونبه إلى أن حرية التعبير وحرية الصحافة ليستا امتيازاً ممنوحاً، بل حقان مكفولان بالدستور التونسي وبالاتفاقيات الدولية التي التزمت بها الدولة التونسية.

وأكد أن حل الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري “الهايكا” ترك فراغاً مهماً في المشهد الإعلامي، باعتبارها كانت تمثل جهة رقابية وتنظيمية تسهم في ضبط القطاع وضمان التوازن بين استقلالية المؤسسات الإعلامية ومتطلبات التنظيم، مشيراً إلى أن غياب هذه المؤسسة أدى إلى حالة من الارتباك في إدارة عدد من الملفات المرتبطة بالإعلام، خاصة في المؤسسات العمومية.

وقال عبدالكبير، إن الأزمة التي يعيشها الصحفي التونسي لم تعد مقتصرة على الجانب المهني فقط، بل امتدت إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية، موضحاً أن الصحفي في نهاية المطاف مواطن له التزامات عائلية وحياتية، وأن التضييق على قدرته على العمل ينعكس مباشرة على وضعه المادي والاجتماعي. وأضاف أن الملاحقات القضائية أو تعطيل المسار المهني يدفع عدداً من الصحفيين إلى أوضاع اقتصادية صعبة، وهو ما يزيد من الضغوط التي يعيشها القطاع.

ونبه إلى أن الصحفي التونسي أصبح في بعض الحالات يشعر بأنه مهدد أو غير قادر على أداء دوره الطبيعي، مؤكداً أن استمرار هذا الوضع قد يضعف إحدى أهم آليات الرقابة المجتمعية، وشدد على أن حماية الصحافة لا تعني فقط حماية الصحفيين، بل حماية حق المجتمع في الاطلاع على المعلومات ومتابعة أداء السلطة ومؤسسات الدولة.

وأشار رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان إلى أن المطلوب اليوم هو التمسك بالمكاسب التشريعية التي تحققت بعد الثورة، وتطبيق القوانين المتعلقة بحرية التعبير والعمل الصحفي، وعدم التفريط في الالتزامات الدولية لتونس في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة. كما أكد ضرورة دعم استقلالية المؤسسات الإعلامية، واحترام الأطر القانونية المنظمة للمهنة، والاستفادة من التقارير والمواثيق الصادرة عن الهياكل المهنية، وفي مقدمتها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين.

واعتبر عبدالكبير أن تونس، باعتبارها دولة قانون ومؤسسات، تحتاج إلى إعلام حر ومستقل قادر على أداء دوره الرقابي والمهني، مؤكداً أن بناء الثقة بين السلطة والصحفيين يمر عبر احترام القوانين وضمان بيئة آمنة للعمل الإعلامي.

وأضاف أن حماية حرية الصحافة تمثل ضمانة أساسية لمنع عودة ممارسات الماضي وترسيخ دولة تحترم التعددية وحق المواطن في المعرفة.

وأكد أن مستقبل الإعلام في تونس، وفي غيرها من الدول التي تمر بتحولات سياسية واجتماعية، يبقى مرتبطاً بمدى احترام حرية الصحافة باعتبارها مرآة المجتمع وصوت الرقابة، مشدداً على أن الصحفي الحر هو شريك في بناء الدولة وليس خصماً لها.