دخلت ولاية مينيسوتا الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة دائرة الاهتمام الحقوقي الدولي بعد تقارير متطابقة صادرة عن منظمات حقوقية وهيئات أممية تحدثت عن انتهاكات واسعة النطاق رافقت أكبر عملية انتشار لعناصر إنفاذ قوانين الهجرة داخل الولايات المتحدة منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
وأثارت العملية التي حملت اسم “مترو سيرج” نقاشاً واسعاً حول حدود سلطات أجهزة الهجرة الفيدرالية ومدى التزامها بالمعايير الدستورية الأمريكية والالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير بعنوان “أزمة مفتعلة.. إرهاب الحكومة الفيدرالية لمجتمعات مينيسوتا” ما وصفته بأزمة حقوق إنسان ناجمة عن نشر آلاف من عناصر وزارة الأمن الداخلي وإدارة الهجرة والجمارك وهيئة الجمارك وحماية الحدود بين ديسمبر 2025 ومارس 2026 في منطقة المدينتين التوأم مينيابوليس وسانت بول ومحيطهما. واستند التقرير إلى مقابلات مع 136 شخصاً بينهم مهاجرون ومحامون ومسؤولون حكوميون ومقدمو رعاية صحية ومدافعون عن حقوق الإنسان، إضافة إلى مراجعة وثائق قضائية وبيانات حكومية وسجلات طبية وتعليمية.
عملية غير مسبوقة
وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش عملية “مترو سيرج” بأنها أكبر انتشار داخلي لعناصر الهجرة الفيدرالية منذ بداية الولاية الرئاسية الحالية. وأكدت المنظمة أن الحملة لم تقتصر على تنفيذ أوامر الهجرة، بل رافقتها انتهاكات شملت القتل غير القانوني واستخدام القوة المفرطة والتنميط العنصري والاحتجاز التعسفي وعرقلة الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وأفادت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، وفق معطيات متداولة خلال العملية، بأن آلاف العناصر الفيدرالية شاركوا في الحملة التي ركزت على منطقة مينيابوليس وسانت بول الكبرى، في واحدة من أكبر العمليات الأمنية المرتبطة بملف الهجرة داخل الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة.
أرقام تكشف حجم الأزمة
أظهرت بيانات هيومن رايتس ووتش أن السلطات الفيدرالية احتجزت ما يقارب 4000 مهاجر خلال فترة العملية. وأشارت المنظمة إلى أن أكثر من 75 في المئة من المحتجزين لم تصدر بحقهم أي إدانات جنائية داخل الولايات المتحدة.
كما قدم محامون مئات الطعون القضائية ضد إجراءات الاحتجاز، وانتهى نحو 90 في المئة من أصل 532 قضية تم الفصل فيها بين ديسمبر 2025 ومايو 2026 بقرارات إفراج أو جلسات للنظر في الكفالة، وهو ما اعتبرته المنظمة مؤشراً على وجود مشكلات قانونية واسعة في إجراءات الاحتجاز.
كما وثق التقرير مقتل شخصين خلال العملية هما رينيه غود وأليكس بريتي بعد إطلاق النار عليهما من قبل عناصر فيدرالية في حادثتين منفصلتين أثارتا موجة غضب واسعة داخل الولاية. ولا تزال ملابسات الحادثتين موضع نقاش وتحقيقات عامة وقانونية.
اتهامات بالتنميط العنصري
خصصت هيومن رايتس ووتش فصلاً كاملاً لما وصفته بالتنميط العنصري المنهجي خلال العملية. وأكدت المنظمة أن عناصر فيدرالية أوقفت واعتقلت أشخاصاً استناداً إلى العرق أو الأصل الإثني المفترض.
ودعمت دراسة أجراها مركز سياسات الهجرة الأمريكي في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو هذه المخاوف، حيث أظهرت أن الأشخاص من ذوي البشرة الملونة في مينيابوليس كانوا أكثر عرضة بنحو 40 في المئة للتفاعل مع العناصر الفيدرالية مقارنة بالسكان البيض، كما أبلغ كثير من السكان المنتمين إلى الأقليات الباحثين بأنهم باتوا يحملون وثائق الهوية أو جوازات السفر بصورة دائمة خشية التعرض للتوقيف.
التأثير على التعليم والصحة
لم تتوقف التداعيات عند حدود الاعتقالات والمواجهات الميدانية. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش تراجعاً حاداً في الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية نتيجة حالة الخوف التي اجتاحت المجتمعات المهاجرة.
وأظهرت البيانات التي جمعها الباحثون أن بعض المراكز الصحية في منطقة المدينتين التوأم سجلت انخفاضاً وصل إلى 50 في المئة في أعداد المراجعين خلال ذروة العملية. كما تغيب آلاف الطلاب عن مدارسهم أو انتقلوا إلى التعليم عن بعد خوفاً من تعرض أفراد أسرهم للاعتقال أثناء التنقل اليومي.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، في بيان صادر عن مكتب الأمم المتحدة في جنيف في يناير 2026، إن الخوف الناتج عن حملات الهجرة الفيدرالية دفع أطفالاً إلى التغيب عن المدارس والمواعيد الطبية خشية ألا يعود آباؤهم إلى منازلهم بعد احتجازهم، كما أعرب عن قلقه من ممارسات التوقيف والاحتجاز التي تطال مهاجرين ولاجئين في المدارس والمستشفيات وأماكن العبادة والمنازل الخاصة.
الصحة النفسية تحت الضغط
أكدت هيومن رايتس ووتش أن الآثار النفسية للعملية كانت من بين أكثر النتائج خطورة واستدامة، وأبلغ سكان ومختصون في الصحة النفسية الباحثين عن ارتفاع مستويات القلق والخوف والصدمات النفسية، خصوصاً بين الأطفال.
وروت عائلات عديدة قصصاً عن أطفال رفضوا الذهاب إلى المدرسة أو الابتعاد عن ذويهم بعد مشاهدة عمليات الاعتقال أو سماع أخبار المداهمات. كما تحدث مقدمو خدمات اجتماعية عن زيادة الطلب على الدعم النفسي داخل المجتمعات المهاجرة المتضررة.
الاحتجاز والحق في الدفاع
أثارت ظروف الاحتجاز انتقادات قانونية واسعة. وأشارت وثائق قضائية إلى أن بعض المحتجزين واجهوا صعوبات في الوصول إلى المحامين أو التواصل مع أسرهم.
وفي فبراير 2026 أصدرت القاضية الفيدرالية نانسي براسيل قراراً يلزم وزارة الأمن الداخلي بضمان وصول أسرع وأكثر فعالية للمحتجزين إلى محاميهم، بعدما قدم الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية في مينيسوتا ومنظمات حقوقية أخرى طعوناً اعتبرت أن نقل المحتجزين بين المراكز المختلفة يعرقل حقهم في الدفاع القانوني. وفرض القرار قيوداً على نقل بعض المحتجزين خلال أول 72 ساعة لضمان إمكانية التواصل مع المحامين.
ردود الفعل الحقوقية والأممية
طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش بإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات على مختلف المستويات الإدارية والتنفيذية. كما دعت إلى إصلاح وزارة الأمن الداخلي وإدارة الهجرة والجمارك وهيئة الجمارك وحماية الحدود، وتعزيز آليات الرقابة والشفافية ومنع الإفلات من العقاب.
وأعلنت المنظمة أنها خاطبت وزارة الأمن الداخلي ووزارة العدل الأمريكية والقيادات العليا في أجهزة الهجرة والجمارك وحماية الحدود في أبريل 2026 وقدمت ملخصاً بنتائجها وأسئلتها، لكنها لم تتلقَ رداً قبل نشر التقرير.
وفي السياق نفسه، أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان عن قلقه من تزايد ما وصفه بنزع الإنسانية عن المهاجرين داخل الولايات المتحدة، مؤكداً أن سياسات إنفاذ الهجرة يجب أن تحترم الإجراءات القانونية الواجبة ووحدة الأسرة والكرامة الإنسانية الأساسية.
سياق وطني أوسع
لا ينظر كثير من المدافعين عن الحقوق المدنية إلى ما جرى في مينيسوتا باعتباره حادثة معزولة، فقد كشفت تحقيقات صحفية أمريكية حديثة عن أنماط مشابهة من الاتهامات المتعلقة بالتنميط العنصري والاعتقالات المثيرة للجدل في ولايات أخرى.
وأظهر تحقيق نشرته صحيفة “الغارديان” أن أكثر من 93 في المئة من الموقوفين في عمليات ميدانية نفذتها إدارة الهجرة والجمارك في نيويورك ونيوجيرسي كانوا من أصول لاتينية، ما أثار انتقادات جديدة بشأن ممارسات الاستهداف العرقي في تطبيق قوانين الهجرة.
كما كشفت “وكالة رويترز” أن معدل الوفيات داخل مراكز احتجاز إدارة الهجرة والجمارك ارتفع إلى أكثر من الضعف مقارنة بالسنوات السابقة، بالتزامن مع زيادة أعداد المحتجزين على مستوى الولايات المتحدة إلى نحو 70 ألف شخص في ذروة الحملات الأخيرة.
معايير حقوقية
ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حظر الاعتقال التعسفي وضمان المساواة أمام القانون وعدم التمييز على أساس العرق أو الأصل القومي.
كما تؤكد مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية أن السلطات لا يجوز لها استخدام القوة المميتة إلا عندما تكون ضرورية بصورة مطلقة لحماية الحياة.
وتشير القضية في مينيسوتا إلى تداخل عدة حقوق أساسية في آن واحد، تشمل الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي وحرية التنقل وعدم التمييز والحق في التعليم والصحة والحق في المحاكمة العادلة.
ولذلك ينظر عدد من المنظمات الحقوقية الأمريكية والدولية إلى نتائج عملية “مترو سيرج” باعتبارها اختباراً مهماً لمدى التزام الولايات المتحدة بالمعايير الحقوقية التي تدعو إلى احترامها على المستوى الدولي.
ومع انتهاء العملية رسمياً، لا تزال آثارها الإنسانية والقانونية حاضرة داخل المجتمعات المتضررة. وتواصل المنظمات الحقوقية والمحامون والهيئات المدنية المطالبة بتحقيقات مستقلة ومساءلة شفافة وجبر الضرر للضحايا، في وقت يبقى فيه ملف الهجرة أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الولايات المتحدة وأكثرها ارتباطاً بقضايا حقوق الإنسان وسيادة القانون.

