منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قبل تفاقم أزمة الجفاف.. تمويل أممي استباقي لحماية 70 ألف شخص في تشاد

16 مايو 2026
الجفاف يضرب تشاد
الجفاف يضرب تشاد

في بلدٍ يعيش أصلاً تحت ضغط النزوح، وانعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، وضعف الخدمات، لا يأتي الجفاف بوصفه أزمة منفصلة، بل بوصفه عاملاً جديداً يهدد بدفع المجتمعات الهشة إلى حافة أعمق.

وأعلنت الأمم المتحدة تخصيص 3 ملايين دولار من الصندوق المركزي للاستجابة للطوارئ CERF لدعم إجراءات استباقية في تشاد، قبل أن تتحول توقعات الجفاف إلى كارثة إنسانية مكتملة.

ويستهدف التمويل الأممي نحو 70 ألف شخص يواجهون مخاطر مرتفعة، عبر تدخلات تشمل تحويلات نقدية، وإصلاح آبار، وتوفير بذور قادرة على تحمل المناخ، إلى جانب مساعدات منقذة للحياة.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يأتي هذا التمويل لدعم خطة الحكومة التشادية للعمل الاستباقي ضد الجفاف، بهدف تقليل آثار الأزمة قبل ذروة الاحتياج.

إنذار قبل الكارثة

تمثل هذه الخطوة تحولاً مهماً في طريقة التعامل مع الكوارث المناخية. فبدل انتظار الجفاف حتى يدمر المحاصيل ويُضعف الماشية ويدفع الأسر إلى بيع ممتلكاتها أو تقليل وجباتها، يقوم مفهوم العمل الاستباقي على التحرك مبكراً عندما تُظهر البيانات المناخية والإنسانية أن خطراً كبيراً يقترب.

وتعرّف الأمم المتحدة العمل الاستباقي بأنه التحرك قبل وقوع الصدمة المتوقعة، مثل الجفاف أو الفيضانات، بهدف منع أو تقليل آثارها الإنسانية الحادة قبل أن تتفاقم.

وفي حالة تشاد، يعني ذلك إيصال المال والغذاء والبذور ودعم المياه إلى المجتمعات المعرضة للخطر قبل أن يتحول الجفاف إلى موجة نزوح أو سوء تغذية واسعة.

وتكمن أهمية هذا النوع من التمويل في أنه أكثر إنسانية وأقل كلفة من الاستجابة المتأخرة. فالتحويل النقدي المبكر قد يمنع أسرة من بيع ماشيتها أو إخراج أطفالها من المدرسة، وإصلاح بئر قبل موسم الجفاف قد يحمي قرية كاملة من العطش أو النزوح.

أزمة متعددة الأبعاد

لا تواجه تشاد الجفاف وحده. فبحسب نداء اليونيسف الإنساني لعام 2026، يحتاج 4.5 مليون شخص في تشاد إلى مساعدات إنسانية، بينهم 2.5 مليون طفل.

وتستهدف اليونيسف الوصول إلى 1.4 مليون شخص، بينهم 1.2 مليون طفل، بتمويل مطلوب يبلغ 111.2 مليون دولار.

وتصف اليونيسف تشاد بأنها واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في الساحل، حيث تتداخل الصدمات المناخية، والنزاع الإقليمي، والنزوح واسع النطاق، وانعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، والأوبئة، مع ضعف الخدمات العامة.

وتشير إلى أن أزمة السودان زادت الضغط على أنظمة تشاد الهشة، خصوصاً في الشرق حيث تتكدس أعداد كبيرة من اللاجئين والعائدين.

ولا يقتصر الخطر على الغذاء فقط؛ إذ يحتاج 2.9 مليون شخص في تشاد إلى الوصول إلى مياه آمنة، في حين يحتاج 2.1 مليون شخص إلى دعم غذائي وتغذوي، و1.7 مليون شخص إلى خدمات صحية أساسية، بحسب أرقام اليونيسف لعام 2026.

جفاف فوق النزوح

تستضيف تشاد أعداداً ضخمة من اللاجئين والنازحين والعائدين. فوفق اليونيسف، تستضيف البلاد 1.5 مليون لاجئ، و424,661 عائداً، و225,689 نازحاً داخلياً.

كما تستضيف في 2026 نحو 910,740 لاجئاً سودانياً، يشكل الأطفال 61% منهم، إلى جانب 344,399 عائداً، يشكل الأطفال 67% منهم.

هذا الواقع يجعل الجفاف أكثر خطورة؛ لأن الموارد المحلية أصلاً تحت ضغط شديد. فالمياه، والمراعي، والمراكز الصحية، والمدارس، وآليات الحماية الاجتماعية، كلها مثقلة باستقبال موجات النزوح، خصوصاً في المناطق الشرقية القريبة من السودان.

وحين يضرب الجفاف مجتمعات تستضيف لاجئين ونازحين، يتضاعف خطر التوتر بين السكان المضيفين والوافدين، خصوصاً إذا شحت المياه أو تراجعت المساعدات الغذائية أو انهارت سبل العيش الريفية.

لذلك، فإن العمل الاستباقي لا يحمي فقط الأفراد من الجوع، بل يساعد أيضاً على تخفيف ضغوط اجتماعية قد تتحول إلى نزاعات محلية.

الغذاء تحت الضغط

تتوقع شبكة FEWS NET أن يحتاج ما بين 2.5 و2.99 مليون شخص في تشاد إلى مساعدات غذائية، مع بلوغ الاحتياج ذروته بين يوليو وسبتمبر 2026، أي خلال موسم الجوع السنوي. ويعود تدهور الأمن الغذائي إلى آثار تدفق اللاجئين، والنزاعات، والصدمات المناخية، وتدهور سبل العيش.

ويأتي الجفاف المتوقع في وقت تعاني فيه تشاد من حالة طوارئ غذائية قائمة. فاليونيسف تقول إن معدلات سوء التغذية الحاد العام تتجاوز مستويات الإنذار في 14 إقليماً، وإن سوء التغذية الحاد الوخيم يتجاوز عتبة الطوارئ البالغة 2% في 10 أقاليم، كما يتوقع أن يواجه 1,508,751 طفلاً دون الخامسة سوء تغذية حاداً أو متوسطاً في 2026.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الجفاف لا يهدد المحاصيل فقط، بل يهدد أجساد الأطفال. ففشل موسم زراعي أو تراجع المراعي قد يعني تقليل الوجبات، وارتفاع أسعار الغذاء، وتدهور تغذية الأمهات، وزيادة حالات الهزال بين الأطفال.

الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة أمام الجفاف، فالنقص في المياه والغذاء ينعكس عليهم سريعاً في شكل سوء تغذية، وأمراض، وانقطاع عن التعليم، ومخاطر حماية، خصوصاً عندما تضطر الأسر إلى النزوح أو إرسال الأطفال للعمل أو تزويج الفتيات مبكراً.

وتقول اليونيسف إن تشاد هي ثاني أكثر بلد هشاشة مناخياً بالنسبة للأطفال في العالم، وإنها تواجه فيضانات وجفافاً متكرراً يدمر المنازل، ويلوث مصادر المياه، ويعرقل الوصول الإنساني، كما يحتاج 1.4 مليون طفل في سن الدراسة إلى دعم تعليمي في 2026 بسبب النزوح، واكتظاظ الفصول، ونقص المعلمين والموارد.

لهذا، فإن التمويل الاستباقي ينبغي ألا يُفهم باعتباره مساعدة غذائية قصيرة الأمد فقط، بل حماية للأطفال من سلسلة طويلة من الانتهاكات غير المباشرة: الجوع، المرض، ترك المدرسة، العنف، الاستغلال، وانهيار شبكات الرعاية.

التحويلات النقدية حماية

تشمل الخطة المدعومة من CERF تحويلات نقدية للأسر الأكثر عرضة للخطر، وتكتسب هذه الأداة أهمية خاصة لأنها تمنح الأسر قدرة على اتخاذ قرارات مناسبة لاحتياجاتها.. شراء غذاء، دفع تكاليف نقل، علاج طفل، شراء علف للماشية، أو إصلاح جزء من مصدر دخلها.

وفي الأزمات المناخية، يمكن للنقد المبكر أن يمنع الأسر من اللجوء إلى “استراتيجيات تكيّف سلبية”، مثل بيع أدوات الإنتاج، أو إخراج الأطفال من المدرسة، أو تقليل الوجبات، أو الاقتراض بشروط قاسية، لذلك، فالدعم النقدي ليس مجرد مساعدة مالية، بل أداة لحماية الكرامة والاختيار.

لكن فعالية النقد تتوقف على توقيته، فإذا وصل بعد نفوق الماشية أو فشل المحصول أو ارتفاع الأسعار، يصبح أثره محدوداً. أما عندما يصل قبل ذروة الأزمة، فإنه يمنح الأسر فرصة للبقاء في مكانها وتفادي الانهيار.

وتقول اليونيسف إن 2.9 مليون شخص في تشاد يفتقرون إلى الوصول إلى مياه آمنة، في حين تستهدف برامجها لعام 2026 تمكين 340 ألف شخص من الحصول على كمية ونوعية كافيتين من المياه للشرب والاستخدام المنزلي.

لذلك، فإن إصلاح الآبار قبل تفاقم الجفاف يمكن أن يمنع موجات نزوح صغيرة لكنها مدمرة. فحين تبقى المياه قريبة وآمنة، تستطيع الأسر البقاء حول أراضيها ومواشيها ومدارس أطفالها، بدل الانتقال إلى مخيمات أو مدن مكتظة.

بذور للمستقبل

توفير بذور مقاومة للمناخ ضمن التدخل الاستباقي يعني أن الهدف لا يقتصر على إنقاذ الأرواح الآن، بل حماية الموسم الزراعي المقبل، فالمزارعون والرعاة في تشاد لا يحتاجون فقط إلى مساعدات غذائية، بل إلى أدوات تمكنهم من الاستمرار في الإنتاج رغم تغير المناخ.

البذور الملائمة للجفاف، إذا وصلت في الوقت المناسب، يمكن أن تقلل خسائر الموسم وتمنح الأسر مصدر غذاء ودخل، كما تساعد على تقليل الاعتماد الكامل على المساعدات، خصوصاً في المناطق التي تتكرر فيها الصدمات المناخية.

وهذا هو جوهر العدالة المناخية في السياق الإنساني: ألا تبقى المجتمعات الفقيرة في حلقة انتظار المساعدات بعد كل كارثة، بل أن تحصل على دعم مبكر يساعدها على الصمود قبل أن تنهار.

ورغم أهمية تخصيص 3 ملايين دولار، فإن حجم الاحتياجات في تشاد أكبر بكثير، فنداء اليونيسف وحده يحتاج إلى 111.2 مليون دولار في 2026 لتقديم مساعدات منقذة للحياة وبناء القدرة على الصمود لـ 1.4 مليون شخص، بينهم 1.2 مليون طفل، كما أن أكثر من نصف هذا التمويل مخصص للاحتياجات المرتبطة بأزمة اللاجئين السودانيين.

وتحذر وكالات الإغاثة من أن نقص التمويل قد يهدد الخدمات الأساسية، ففي أبريل 2026، حذر برنامج الأغذية العالمي والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين من أن أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوداني في تشاد يواجهون خفضاً حاداً في المساعدات الغذائية والمياه والمأوى بسبب فجوة تمويلية تبلغ 428 مليون دولار، وأن 4 فقط من كل 10 لاجئين يتلقون المساعدة.

هذا يعني أن التمويل الاستباقي مهم، لكنه ليس بديلاً عن استجابة إنسانية شاملة، فالتحرك قبل الجفاف قد يخفف الصدمة، لكنه لا يستطيع وحده معالجة أزمة مركبة تشمل اللاجئين، والأوبئة، وسوء التغذية، وضعف الخدمات، والفقر المزمن.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية