بعد أكثر من 16 عاما على النقاش، أقر مجلس النواب اللبناني قانون الإعلام الجديد، في خطوة تعيد رسم الإطار القانوني المنظم للقطاع الإعلامي بمختلف فئاته، سواء الصحافة والمطبوعات والتلفزيون والإذاعة والمواقع الإلكترونية، كما يستحدث هيئة وطنية مستقلة للإعلام تتولى جانبا واسعا من تنظيم القطاع ومراقبة تطبيق القانون.
ورغم ترحيب أطراف لبنانية بالتشريع الجديد، فإنه يثير في المقابل مخاوف نقابية وحقوقية، لا سيما بشأن مواد تجرم الصحفيين بصياغات اعتُبرت “فضفاضة”، واعترضت نقابتا الصحافة والمحررين في لبنان على إقرار القانون من دون الأخذ بالتعديلات التي طالبتا بها، محذرتين من أن بعض مواده قد تجعل “سيف السجن مسلطا” على الصحفيين.
وفي بيان مشترك سابق، رفضت النقابتان اقتراح قانون الإعلام المحال من اللجان النيابية المشتركة إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، وطالبتا بسحبه وإعادته إلى مزيد من الدراسة، معتبرتين أنه “مليء بالثغرات والمطبات”.
وحذّرت آنذاك من أن الاقتراح “لم يعزز مساحة حرية وحماية الصحفيين وأبقى سيف السجن مسلطا عليهم”، كما اعترضتا على استبدال عبارة “جرائم النشر” بـ”مخالفات الإعلام”، معتبرتين أن الصياغة الجديدة تتيح ملاحقة الصحفيين أمام المحاكم الجزائية، فضلا عن رفضهما السماح بإنشاء نقابات إعلامية جديدة خشية “شرذمة الجسم الصحفي”.
القيود على الصحافة
في 9 يوليو الماضي، أقرت اللجان النيابية المشتركة اقتراح قانون الإعلام، بعد سنوات طويلة من الدراسة وأكثر من 60 جلسة عمل، ليصبح المشروع أقرب إلى الوصول إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، إذ قال نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب آنذاك إن “الاقتراح يتضمن 129 مادة، ويمثل أفضل الممكن”.
وتقول منظمات حقوقية محلية ودولية إن التشريع الجديد ينطوي على عدد من الثغرات والمفارقات؛ فإلغاء عقوبة السجن لا يعني بالضرورة انتهاء القيود على الصحافة، إذا ما استُبدلت العقوبات السالبة للحرية بنصوص قانونية فضفاضة أو غرامات باهظة أو إجراءات قضائية قد تُستخدم لإرهاق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، بما قد يدفع إلى الرقابة الذاتية ويقوض حرية العمل الصحفي.
وتقدم الحكومة اللبنانية، ممثلة في وزير الإعلام، بول مرقص، التشريع الجديد باعتباره “محاولة لتنظيم قطاع الصحافة والإعلام ومواكبة العصر الرقمي”، مشيرًا إلى أنه يتضمن أحكاما صريحة لمكافحة خطاب الكراهية، إلى جانب فصل خاص بتنظيم عمل المواقع الإلكترونية، مؤكدا أن الهدف هو تنظيم المهنة ومواكبة التطورات الرقمية، وليس تقييد الحريات، في مواجهة الانتقادات والمخاوف التي أثارتها جهات نقابية وحقوقية.
وبين خطاب الإصلاح ومخاوف التقييد، يبقى السؤال الأهم مطروحا على الساحة اللبنانية: هل يضمن الإطار القانوني الجديد ممارسة حرة ومستقلة للصحافة؟ لا سيما وأن الحرية الصحفية لا تُقاس فقط بغياب القيود المباشرة، وإنما أيضا بقدرة الصحفي على ممارسة عمله دون ترهيب أو تمييز أو رقابة مسبقة، فضلا عن حق المجتمع في الوصول إلى معلومات حرة ومتنوعة، وقدرة الإعلام على مساءلة السلطة ومراقبتها، من دون أن يتحول القانون نفسه إلى أداة لتقييد الصحافة أو معاقبة ممارسيها.
خديعة وفخ منصوب
وفي أول رد فعل على إقرار التشريع، أعرب نقيب صحفيي لبنان، جوزيف القصيفي، في حديث لـ”صفر” عن رفضه التام للقانون، واصفا إياه بـ”الكارثي”، مؤكدا أن نقابتي الصحافة والمحررين ستسعيان إلى مطالبة رئيس الجمهورية جوزاف عون بالتدخل لرد القانون وإعادته إلى مجلس النواب لإعادة دراسته وتعديله، أو مواصلة رفضه وعدم الاعتراف به إلى حين تغير الظروف.
وقال القصيفي، وهو رئيس “نقابة محرري الصحافة اللبنانية“: “هذا القانون عاطل، ونحن نرفضه كنقابتي الصحافة والمحررين، لأنه من دون هوية، وخالٍ من أي بُعد حقوقي، وهو قانون يعيد عقوبة السجن والتوقيف الاحتياطي، ولا يصف مخالفات النشر بأنها مخالفات، بل يقول عنها إنها جرائم نشر، وكأن الصحفي تحول إلى مجرم”.
وانتقد القصيفي البنود المتعلقة بتشكيل النقابات، قائلا: “تتحدث عن حق أي صحفي في تشكيل نقابات، وفي بلد مثل لبنان تسوده الطائفية والخلافات السياسية، فإن هذا يعني شرذمة الجسم الصحفي وإنشاء نقابات على أسس طائفية ومذهبية وسياسية ومناطقية، بما يساعد على تعميم الفوضى بين الصحفيين، ما يجعل السلطة تتحكم بهم وبمسار عملهم بسهولة”.
وحول المسار التفاوضي الذي سبق إقرار القانون، أوضح نقيب صحفيي لبنان: “نحن تقدمنا بتعديلات من خلال اللجان المشتركة، وكان لنا يوم الاثنين اجتماع مع نائب رئيس مجلس النواب الموكل بهذا الملف، وطالبنا بسحب اقتراح القانون لدراسته وتعديله، ليكون قانونا عصريا بكل ما للكلمة من معنى، على أن تُشكل لجنة لهذه الغاية لمدة ثلاثة أشهر فقط، وتكون برئاسة نائب رئيس مجلس النواب”.
وأضاف: “إلا أنه رفض وأصر على تمرير القانون، وتعهّد في المقابل بأن يأخذ بكل الملاحظات والتعديلات، لكننا فوجئنا بأنه لم يؤخذ بأي شيء مما تعهدوا به، وكأن المشهد الحالي كان بمثابة خديعة أو فخ منصوب، ولذلك نرفض هذا القانون وسنقاومه، وسنتبع جميع الوسائل من أجل وقفه وإعادة درسه من جديد إذا استطعنا، وإلا فإننا سنعتبره وكأنه لم يكن، وسنظل نقاومه ونقف في وجهه إلى أن تأتي ظروف نطيح بها به”.
وفي ما يتعلق بالخطوات القانونية المتاحة للطعن في القانون، قال القصيفي: “بإمكان رئيس الجمهورية رد القانون خلال مهلة معينة، وسنتصل برئيس الجمهورية ونطلعه على وجهة نظرنا، آملين الأخذ بها، لعلنا لا نضطر إلى تصعيد الأمر والمواجهة ضد هذا القانون”.
نقلة نوعية.. ولكن
وبتحليل يتسم بالموضوعية، قال الباحث والمحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب، في حديث لـ”صفر”، إن قانون الإعلام الجديد يشكل خطوة ضرورية لتحديث التشريع الإعلامي في لبنان، في ظل عدم قدرة المنظومة القانونية السابقة على مواكبة التحولات الكبيرة التي شهدها القطاع، لا سيما مع انتشار المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية، لافتا إلى أن مشروع القانون استغرق سنوات طويلة من النقاش، قبل أن ينتقل إلى الهيئة العامة للبرلمان ويُقر بالصيغة التي انتهى إليها.
وأضاف أبو زينب: “لكن ضرورة تحديث القانون لا تعني أن النص الحالي أصبح مثاليا، والمشكلة الأساسية ليست في مبدأ وجود قانون جديد ينظم الإعلام، بل في بعض مواده التي تحتاج إلى تدقيق وتعديلات تضمن ألا يتحول التنظيم إلى وسيلة للضغط على الصحافة أو تقييد حرية التعبير”.
وقال إن من أبرز إيجابيات القانون أنه يواكب الإعلام الإلكتروني، ويضع إطارا قانونيا للمواقع والمنصات الإعلامية، ويؤسس لهيئة وطنية مستقلة للإعلام، كما يتجه إلى إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر واستبدالها بالغرامات، وإلغاء التوقيف الاحتياطي للصحفيين، وإنشاء مرجعية قضائية متخصصة للنظر في المخالفات الإعلامية”.
أما عن السلبيات فأوضح أن “هناك مواد يمكن أن تفتح الباب أمام تفسيرات واسعة أو قيود غير مبررة على العمل الصحفي، إضافة إلى التخوف المشروع من الصلاحيات التنظيمية والرقابية للهيئة الجديدة، ومن بعض المواد التي أثارت اعتراض المؤسسات والنقابات الإعلامية، ولذلك فإن استقلال الهيئة وضمان عدم خضوعها للتدخل السياسي سيكونان اختبارا أساسيا لمدى نجاح القانون”.
وعن إقرار القانون من دون تعديلات، يرى أبو زينب أن ذلك يعكس رغبة سياسية وتشريعية في إنهاء مسار استمر سنوات طويلة، وعدم إبقاء القطاع رهينة التجاذبات والتأجيل، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن سرعة الإقرار لا ينبغي أن تكون على حساب جودة التشريع.
وخلص أبو زينب إلى أن “القانون ضروري، لكن المطلوب قانون يحمي الإعلام من الفوضى، وفي الوقت نفسه يحمي الصحفي من السلطة، ويضمن استقلال المؤسسات الإعلامية والقضاء والهيئة المنظمة لهذا القطاع، لأن الهدف من قانون الإعلام يجب أن يكون تنظيم ممارسة الحرية، لا تنظيم الحرية بعيدا عن مضمونها”.
يحتاج تعديل وتطوير
من جانبها، قالت الكاتبة اللبنانية لارا الهاشم، في حديث لـ”صفر”، إن “القانون إصلاحي في جوهره، وعصري في توجهاته، ويحمي الصحفيين وشفافية التمويل واستقلالية الهيئة الوطنية”، لافتة إلى أن التأخير في إقراره كان سيعيده إلى اللجان المشتركة، وربما كان سيؤدي إلى تعطيل خروجه إلى النور.
واستدركت الهاشم قائلة: “لكنه ينطوي على بعض الثغرات، وأهمها الفقرة المتعلقة بالمادة 104، التي تجرم الصحفي بسبب نشره أخبارا كاذبة، إذ يمكن استخدام هذا النص باعتباره نافذة لإعادة المسؤولية الجزائية إلى الصحافيين، والتذرع به لتقديم دعاوى ضدهم”.
وعادت لتؤكد أن “القانون جيد ويجب تطبيقه بصورة شفافة وصحيحة، بما يسمح بالانتقال إلى مشهد إعلامي يحمي الصحافيين وحرية الرأي والتعبير، لكن الأهم هو حسن تطبيقه”، قائلة: “مع الممارسة، يمكن معرفة الثغرات التي تحتاج إلى تطوير وتعديل في المستقبل”.
ملاحقات كيدية
بدورها، قالت أستاذة القانون في لبنان هالة أبو حمدان، في حديث لـ”صفر”، إن إقرار قانون إعلام جديد كان أمرا ضروريا، باعتبار أن القانون القديم لم يعد يواكب التطورات التقنية التي شهدها القطاع، لا سيما ما يتعلق بظهور المواقع الإلكترونية التي أصبحت تؤدي دورا كبيرا في المشهد الإعلامي.
وحول إيجابيات القانون وسلبياته، أوضحت أبو حمدان أن “إيجابياته تتمثل في الهيئة الوطنية المستقلة وتنظيم القطاع وإلغاء محكمة المطبوعات والإحالة أمام المحاكم المدنية، أما أهم سلبياته فتتعلق بالجانب الجزائي، لا سيما عندما نتحدث عن الأخبار الكاذبة، إذ إن النصوص ليست واضحة بما يكفي لضمان عدم وجود احتمالية للملاحقات”.
وأوضحت أستاذة القانون أن صياغة المادة 106، خاصة الفقرة (و) غير واضحة وغير محددة بما يكفي، بما يترك المجال أمام الملاحقات الكيدية، مؤكدة أن هذا أمر خطير في قانون الإعلام، لأنه يمكن أن يؤدي إلى تكميم الأفواه، ولبنان بلد معروف بالحريات الإعلامية.
وعن نتائج التصعيد النقابي المتوقع، قالت أبو حمدان: “ربما ليس الآن ولكن يمكن أن يحض بعض النواب أو يشجعهم على الطعن أمام المجلس الدستوري، أو لدى إحدى الجهات التي تتمتع بصلاحية الطعن أمام المجلس الدستوري، وربما تتم إعادة النظر في القانون مستقبلا، مع أن هذا الاحتمال مستبعد، لأنه استغرق وقتا طويلا داخل اللجان لدراسته”.

