منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فيضانات نيبال والتبت.. كلفة تأجيل مواجهة أزمة المناخ

30 أغسطس 2026
فيضانات نيبال والتبت
فيضانات نيبال والتبت

سونيل أشاريا

بصفتي مواطناً نيبالياً أعمل في مجال سياسات المناخ الدولية منذ أكثر من عقد، يصعب عليّ النظر إلى الصور المفجعة القادمة من الفيضانات المفاجئة الكارثية التي اندفعت بقوة عبر الوديان في نيبال، وجرفت معها مجاري أنهار لينده خولا وبوتيكوشي وتريشولي، دون أن أشعر بالغضب.

وليس الغضب فقط بسبب الدمار، وإنما لأن هذه الكارثة تأتي بعد سنوات من التحذيرات التي أطلقها العلماء والمجتمع المدني من أن ارتفاع حرارة الكوكب بوتيرة سريعة سيجعل الكوارث أكثر تواتراً وشدة وصعوبة في التنبؤ بها، هذه هي الصورة التي تبدو عليها كلفة تأجيل التحرك العالمي بشأن المناخ.

في 26 أغسطس اجتاح جدار من الجليد والمياه والصخور والطين المجتمعات المحلية، ودمر المنازل والأسواق والجسور والطرق والبنية التحتية للطاقة الكهرومائية في نيبال والتبت.. قُتل مئات الأشخاص، ولا يزال كثيرون في عداد المفقودين.

جاء الدمار بسرعة مخيفة، وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يعيشون على امتداد الأنهار والسياح الذين كانوا يتنزهون في التلال، لم يكن هناك سوى وقت قصير بين ظهور الخطر في أعالي الجبال ووصول الدمار إلى الوديان الواقعة أسفلها.

تُطرح بحق أسئلة فورية بشأن ما حدث، وما إذا كان بالإمكان تحذير السكان.. تحتاج نيبال إلى أنظمة أقوى للإنذار المبكر، ورصد أفضل للأنهار الجليدية والمنحدرات غير المستقرة، وتعزيز التواصل عبر الحدود بين نيبال والتبت، وزيادة الاستثمار في الاستعداد.

لكن الفيضانات المفاجئة في نيبال تكشف شيئاً أكثر جوهرية: المشكلة لا تكمن في غياب نظام للإنذار، وإنما في أزمة مناخية تنتج أخطاراً تتصرف بطريقة مختلفة عن تلك التي صُممت الأنظمة لرصدها.

ويوضح نظام الإنذار في وادي بوتيكوشي الجبلي المرتفع المشكلة، فقد دمرت الفيضانات المفاجئة المحملة بالحطام محطات الرصد الهيدرولوجي الواقعة في أعلى النهر قبل أن تتمكن من تسجيل ارتفاع منسوب المياه وإطلاق إنذار.

صُمم النظام لرصد ارتفاع تدريجي في مستويات المياه، لكن هذه الفيضانات وصلت على هيئة موجة هائلة من الصخور والطين والمياه، ودمرت الأجهزة نفسها التي كان يفترض أن ترصدها.

تشير التقييمات الأولية إلى أن انهياراً جليدياً كبيراً أدى إلى حدوث انهيار جليدي من الجليد والصخور وتدفق للحطام، ما أدى مؤقتاً إلى إعاقة مجرى النهر قبل أن تندفع موجة هائلة باتجاه مجرى النهر، ولا يزال التسلسل الدقيق للأحداث قيد التحقيق.

وبغض النظر عن التفسير العلمي النهائي، تُظهر هذه الواقعة مدى سرعة تتابع الأخطار في بيئة جبلية آخذة في الاحترار.

وبحلول الوقت الذي تلقت فيه السلطات معلومات بشأن الفيضانات وأُرسلت التحذيرات إلى المناطق الواقعة أسفل النهر، لم يكن أمام المجتمعات الأقرب إلى مصدر الخطر أي وقت تقريباً للاستجابة.

لم تفشل البنية التحتية للرصد في إيصال التحذير فحسب، بل دُمرت قبل أن تتمكن من رصد الفيضانات وهي قادمة.

وهذا التمييز مهم، فنظام الإنذار المبكر المصمم وفقاً لفيضانات الأمس يمكن أن يكون غير كافٍ على نحو خطير لمواجهة ظواهر الطقس المتطرفة في الغد.

وهذا لا يعني أن الإنذار المبكر عديم الجدوى، بل يعني أننا بحاجة إلى أن نكون صريحين بشأن حدوده، فالتحذير لا يكون مفيداً إلا إذا كان هناك وقت للتحرك، ولا يمكنه منع جبل من الجليد والصخور من الانهيار، ولا يمكنه حماية البنية التحتية في ممر تزداد أخطاره، ولا يمكنه إعادة منزل أو محطة للطاقة الكهرومائية أو مصدر رزق اختفى بالفعل.

للتكيف حدود أيضاً

فعلى مدى سنوات، كثفت نيبال وغيرها من البلدان الأكثر عرضة للخطر جهودها للتكيف، من خلال تعزيز البنية التحتية، وتحسين الاستعداد، وحماية سبل العيش، ولكن غالباً دون دعم مالي من البلدان التي أسهمت تاريخياً بأكبر قدر في أزمة المناخ من خلال انبعاثاتها التاريخية.

تحتاج نيبال إلى دعم دولي أكبر بكثير للتكيف، ومنه الإنذار المبكر، ورصد الجبال، وعلوم المناخ، والتحرك الاستباقي، والبنية التحتية القادرة على الصمود، والاستعداد للكوارث.

ولأن الأخطار في جبال الهيمالايا تنشأ خارج الحدود الوطنية، فيجب أن يشمل ذلك أيضاً تعزيز التعاون عبر الحدود وتبادل المعلومات في الوقت المناسب.

تتغير جبال الهيمالايا في نيبال بسرعة، فالأنهار الجليدية تتراجع، في حين يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تغيير الظروف التي تحافظ على استقرار الأنهار الجليدية والتربة الصقيعية والمنحدرات الجبلية.

ويتغير المناخ الذي تحدث فيه هذه الأخطار، وسيجعل استمرار الاحترار مشهد المخاطر الصعب أصلاً أكثر صعوبة في إدارته.

ولهذا السبب، لا يمكن للاستجابة العالمية أن تتوقف عند حدود التكيف.

يجب أن تكون المهمة الأولى هي التوقف عن جعل الأزمة أسوأ، فالدول التي استفادت أكثر من عقود من النمو القائم على الوقود الأحفوري تتحمل مسؤولية خاصة عن خفض الانبعاثات بسرعة، كما أن لديها موارد أكبر بكثير للقيام بذلك.

ومن ثم، فإن الانتقال العادل بعيداً عن الفحم والنفط والغاز نحو الطاقة المتجددة يمثل مسألة عدالة عالمية.

ولا يمكن فصل صناعة الوقود الأحفوري عن هذه المناقشة، فقد حققت الشركات أرباحاً هائلة من استخراج وبيع أنواع الوقود التي أدت إلى ارتفاع حرارة العالم، في حين يُطلب من المجتمعات الموجودة في الخطوط الأمامية لأزمة المناخ الاستعداد لتأثيرات مدمرة بصورة متزايدة، بموارد أقل بكثير.

وحتى التخفيف السريع للانبعاثات لا يمكنه التراجع عن الاحترار الذي أصبح بالفعل جزءاً من النظام المناخي، أو عكس التغيرات التي تحدث بالفعل في جبال الهيمالايا على الفور.

وهناك درس أيضاً لنيبال، فينبغي لها ألا تنسخ النموذج الاقتصادي الذي تسبب في أزمة المناخ ثم تسميه تنمية.

لدينا فرصة لبناء شيء مختلف: اقتصاد يضع الناس وسبل العيش والقدرة البيئية على الصمود قبل استخراج الموارد.

الدول الملوثة تاريخياً

تتطلب المهمة الثانية أن تدفع الدول المسؤولة تاريخياً عن التلوث تكاليف الخسائر والأضرار.

فقد أسهمت نيبال بأقل من 0.1% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة العالمية تاريخياً، ولا تزال انبعاثاتها للفرد من بين الأدنى في العالم.

ومع ذلك، فإننا ندفع بصورة متزايدة ثمن أزمة لم نفعل سوى القليل جداً للتسبب فيها، وهناك شيء بالغ الظلم في ذلك.

ولا تمثل تكلفة مثل هذه الكارثة رقماً مجرداً في تقييم لمخاطر ما بعد الكوارث، إنها أرواح الأشخاص الذين قتلوا جراء الفيضانات، ومحطة للطاقة الكهرومائية استغرق بناؤها سنوات واختفت خلال دقائق، وسبل العيش، وأموال عامة يتعين الآن إنفاقها على التعافي بدلاً من الصحة والتعليم.

دعت نيبال وغيرها من الدول الأكثر عرضة للخطر مراراً الدول المتقدمة إلى دفع تعويضات، ولا ينبغي إجبار البلاد على الاقتراض للتعافي من كوارث لم تسهم فيها إلا بقدر ضئيل جداً، كما لا ينبغي تحويل مواردها المحلية المحدودة مراراً لإصلاح الأضرار الناجمة عن انبعاثات الشمال العالمي.

لذلك، يجب أن تكون تمويلات الخسائر والأضرار إضافية إلى المساعدات الإنمائية الرسمية القائمة، وتمويلات التكيف والتخفيف من آثار تغير المناخ.

ويجب أن تكون هذه التمويلات متاحة وأن تكون في معظمها على شكل منح، لكنها لا يمكن أن تحل محل جهود التخفيف من آثار تغير المناخ.

فلا يوجد قدر من التعويضات سيكون كافياً إذا واصل العالم حرق الوقود الأحفوري بالمستوى الذي يفعله اليوم، ولا يمكن لأي برنامج للتكيف أن يواكب إلى أجل غير مسمى مناخاً يزداد خطورة كل عام.

لم يختر الأشخاص الذين يعيشون على امتداد نهر بوتيكوشي جبال الهيمالايا الآخذة في الاحترار، ولم يختاروا اقتصاد الوقود الأحفوري الذي تسبب في معظم الاحترار،لكن، مع تقديم الدعم الكافي، يمكنهم الاستعداد بصورة فضلى وبناء سبل عيش أكثر قدرة على الصمود.

وللأسف، لا يمكنهم التكيف للخروج من كل كارثة.

ولهذا السبب، فإن تمويل الخسائر والأضرار ليس صدقة، بل التزام تجاه الأشخاص الذين يدفعون الثمن بالفعل.

 

ترجمة: زينب مكي

نقلاً عن الغارديان