منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فيتنام تعزز جهود مكافحة الفقر المستدام بخطة جديدة وتمكين أكبر للسلطات المحلية

09 يونيو 2026
قدامى المحاربين في فيتنام خلال مؤتمر تدريبي حول التنمية الاقتصادية والحد من الفقر
قدامى المحاربين في فيتنام خلال مؤتمر تدريبي حول التنمية الاقتصادية والحد من الفقر

تواصل فيتنام تنفيذ خطوات واسعة لتعزيز جهودها في مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، عبر تطوير برامج التنمية الاقتصادية وتوسيع آليات الدعم الموجهة للفئات الأكثر احتياجاً، بالتزامن مع إطلاق مرحلة جديدة من الإصلاحات تستهدف رفع كفاءة إدارة الموارد، وتحقيق تنمية أكثر استدامة في مختلف المناطق.

وفي هذا السياق، أفادت وسائل إعلام فيتنامية بأن جمعية المحاربين القدامى في مقاطعة باك نينه نظمت مؤتمراً تدريبياً موسعاً حول التنمية الاقتصادية والمساعدة المتبادلة في الحد من الفقر، والأنشطة المرتبطة ببرامج التمويل الاجتماعي، بمشاركة نحو 200 مسؤول يمثلون جمعيات المحاربين القدامى في 99 دائرة انتخابية وبلدية بمختلف أنحاء المقاطعة.

تدريب لدعم التنمية الاقتصادية

ركز المؤتمر على تزويد المشاركين بأحدث المعلومات المتعلقة بمفاهيم الحد من الفقر متعدد الأبعاد، وآليات تطوير المشاريع الاقتصادية، وسبل إدارة القروض والتمويلات الاجتماعية بكفاءة، بما يسهم في تحسين مستويات الدخل وتعزيز جودة الحياة للأعضاء وأسرهم.

وأكد نائب رئيس جمعية المحاربين القدامى في المقاطعة، لاي فو توي، أن هذه البرامج التدريبية تأتي في إطار استراتيجية مستمرة تهدف إلى رفع كفاءة الكوادر المحلية وتمكينها من تقديم المشورة والدعم للأعضاء في مجالات الإنتاج والتنمية الاقتصادية، وأوضح أن الجمعية تسعى من خلال هذه الدورات إلى تشجيع الأعضاء على تطوير مصادر دخل مستدامة والمشاركة الفاعلة في جهود التنمية المحلية والحد من الفقر.

مراجعة نتائج مكافحة الفقر

وشهدت أعمال المؤتمر تقديم عروض متخصصة تناولت مسار تطور معايير الفقر في فيتنام، إضافة إلى استعراض نتائج برامج الحد من الفقر خلال عام 2025، وأبرز التوجهات الجديدة المتعلقة بالمعايير الوطنية للفقر متعدد الأبعاد للفترة الممتدة بين عامي 2027 و2030.

كما ناقش المشاركون مجموعة من الحلول الرامية إلى رفع فعالية البرامج الحكومية المخصصة لمكافحة الفقر، إلى جانب آليات تعزيز التعاون الاقتصادي بين أعضاء جمعيات المحاربين القدامى وتطوير سبل الاستفادة المثلى من برامج التمويل الاجتماعي.

وشكل المؤتمر منصة لتبادل الخبرات والتجارب الميدانية، حيث عرض المشاركون التحديات التي تواجههم على المستوى المحلي، وقدموا مقترحات عملية لتعزيز فعالية برامج التنمية الاقتصادية وتحقيق نتائج أكثر استدامة في مجال تحسين مستويات المعيشة.

مرحلة جديدة من الإصلاحات

وتأتي هذه الجهود بالتزامن مع استعداد فيتنام لإطلاق مرحلة جديدة من البرنامج الوطني للحد من الفقر المستدام خلال الفترة بين 2026 و2030، وهي مرحلة تتضمن تغييرات جوهرية في أساليب الإدارة والتمويل والتنفيذ.

ويعد أبرز هذه التحولات دمج ثلاثة برامج وطنية كبرى في برنامج موحد يشمل تنمية المناطق الريفية الجديدة، والحد المستدام من الفقر، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية للمناطق الجبلية ومناطق الأقليات العرقية.

وتهدف هذه الخطوة إلى توحيد الجهود والموارد الحكومية ضمن إطار تنموي متكامل، بما يسهم في تقليل التداخل بين البرامج المختلفة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتوجيه الموارد نحو أولويات التنمية الفعلية في كل منطقة.

تعزيز اللامركزية

وتعتمد الآلية الجديدة على منح السلطات المحلية صلاحيات أوسع في التخطيط وتخصيص الموارد واختيار المشاريع التنموية المناسبة لاحتياجاتها، في حين يتركز دور الحكومة المركزية على وضع السياسات العامة والإشراف والتقييم.

ويمثل هذا التوجه تحولاً من الإدارة المركزية التقليدية إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على النتائج ويمنح المجتمعات المحلية دوراً أكبر في تحديد أولوياتها التنموية.

كما تتجه السياسات الجديدة إلى التركيز على دعم سبل العيش المستدامة بدلاً من الاعتماد على برامج المساعدات المباشرة فقط، من خلال تشجيع خلق فرص العمل، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتعزيز استخدام التكنولوجيا والتحول الرقمي، ودعم المبادرات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والتكيف مع التغيرات المناخية.

المواطن في قلب التنمية

ومن بين أبرز ملامح المرحلة الجديدة توسيع مشاركة المواطنين في مختلف مراحل تنفيذ البرامج التنموية، بدءاً من تحديد الاحتياجات واختيار المشاريع، وصولاً إلى متابعة التنفيذ وتقييم النتائج.

وترى الحكومة الفيتنامية أن إشراك المجتمعات المحلية بصورة أكبر يسهم في ضمان توافق المشروعات مع الاحتياجات الحقيقية للسكان، ويرفع من كفاءة الاستثمارات العامة ويعزز الشفافية في إدارة الموارد.

كما تم تطوير معايير قياس الفقر متعدد الأبعاد لتشمل مؤشرات أكثر شمولاً تتعلق بالحصول على الخدمات الأساسية والقدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن استهدافاً أكثر دقة للفئات المستحقة للدعم.

آفاق التنمية المستدامة

 الإصلاحات الجديدة لا تقتصر على تعديل الإجراءات الإدارية أو آليات التمويل، بل تعكس تحولاً أوسع في فلسفة إدارة التنمية، يقوم على تمكين السلطات المحلية وإشراك المواطنين وتعزيز كفاءة استخدام الموارد العامة لتحقيق نتائج تنموية ملموسة ومستدامة.

وتكتسب هذه الإصلاحات أهمية خاصة بالنسبة للمناطق الجبلية والنائية ومناطق الأقليات العرقية التي ما تزال تواجه تحديات تنموية كبيرة، حيث يُنتظر أن تسهم السياسات الجديدة في تسريع وتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الاستقرار المعيشي خلال السنوات المقبلة.

تعد فيتنام من بين الدول التي حققت تقدماً ملحوظاً في مجال الحد من الفقر خلال العقود الأخيرة، إذ نجحت عبر برامج تنموية متكاملة في خفض معدلات الفقر بشكل كبير، وتحسين مستوى الخدمات الأساسية في العديد من المناطق الريفية والنائية، ويشكل البرنامج الوطني للحد من الفقر المستدام أحد أهم أدوات السياسة الاجتماعية في البلاد، حيث يركز على دعم الفئات الأكثر هشاشة، من خلال توفير فرص العمل وتحسين البنية التحتية وتعزيز الوصول إلى التعليم والخدمات الصحية، ومع اقتراب إطلاق المرحلة الجديدة بين عامي 2026 و2030، تراهن الحكومة الفيتنامية على اللامركزية، وتكامل الموارد والتنمية القائمة على المشاركة المجتمعية، لضمان تحقيق نتائج أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية.