بيتسي ماكوجي
المخيم الضخم للمشردين الذي يتمدد بسرعة على امتداد اثني عشر شارعاً في الجانب الغربي من مانهاتن ليس مجرد أزمة محلية، بل رسالة تحذير إلى سكان نيويورك في جميع الأحياء: في ظل إدارة العمدة زهران ممداني، لم تعد حماية المواطنين أو أعمالهم أو ممتلكاتهم أولوية.
فالمنطقة الممتدة من متحف إنتريبيد إلى مركز جافيتس تُعد واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المدينة، وتستقطب الزوار طوال العام، وهو ما ينعكس إيجاباً على المطاعم والمتاجر القريبة. لكن أي سائح سيعيد التفكير في زيارته عندما يجد نفسه مضطراً لتجاوز الفضلات البشرية، أو المرور بجوار مدمني مخدرات فاقدي الوعي، أو تحمل الروائح الكريهة التي تملأ المكان.
وكما حذرت كريستين لاتيجانو، المسؤولة السابقة عن قطاع السياحة في نيويورك، فإن قرار السائح بالسفر يبقى دائماً خياراً وليس التزاماً. فإذا شاهدت أم تخطط لإجازة عائلية صوراً وتقارير عن هذه الأوضاع قرب متحف إنتريبيد، فمن المرجح أن تختار مدينة أخرى.

ورغم ذلك، وعندما سُئل ممداني هذا الأسبوع عن خطته للتعامل مع هذا المشهد المتفاقم، تجاهل المخاوف تماماً، ولم يأتِ على ذكر تأثير الأزمة في العاملين وأصحاب الأعمال والأسر وسكان المنطقة.
لكن هذه المخاوف ليست مبالغاً فيها. فمخيمات المشردين لا تغير المشهد الحضري فحسب، بل تحول الشوارع إلى بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية، مثل التهاب الكبد الوبائي “أ” والسل.
كما تسهم في انتشار أمراض أخرى مثل التيفوس الذي ينقله القمل والبراغيث، حتى إن حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم وصفه بأنه “مرض من العصور الوسطى”.
وتظهر أيضاً حالات من الإصابة ببكتيريا Bartonella quintana التي ينقلها القمل، وقد تؤدي إلى فشل في عضلة القلب. هذا المرض كان شائعاً في خنادق الحرب العالمية الأولى، وظن كثيرون أنه اختفى، لكنه عاد للظهور داخل تجمعات المشردين.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن يصف الطبيب الشرعي في ولاية لويزيانا دوايت ماكينا مخيمات المشردين بأنها “قنابل موقوتة للأمراض المعدية”.
أما مدينة نيويورك التي يبلغ فيها معدل الإصابة بالسل ضعف المتوسط الوطني، فلا تحتاج بالتأكيد إلى مزيد من عوامل الخطر.
ولا تتوقف المشكلة عند الصحة العامة، بل تمتد إلى الأمن أيضاً. فهذه المخيمات تصبح بؤراً للجريمة، ويقع ضحيتها المشردون أنفسهم، إلى جانب السكان وأصحاب الأعمال المجاورين.
وقد أظهرت دراسة أجريت في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون أن معدلات الجريمة داخل نطاق شارع واحد من مخيمات المشردين تصل إلى نحو ثلاثة أضعاف متوسط الجريمة في المدينة.
لكن الخطر الأكبر، من وجهة نظري، يكمن في الضربة التي يتعرض لها قطاع السياحة، وهو ما يجب أن يدفع ممداني إلى إعادة التفكير في موقفه.
فالخبير السياحي جورج لينس حذر من أن المدينة والولاية قد تخسران نحو 7.5 مليار دولار من الإيرادات الضريبية المرتبطة بالسياحة نتيجة هذه الأزمة، وهي أموال يحتاجها العمدة بشدة إذا كان ينوي تنفيذ وعوده الانتخابية.
وليس على نيويورك أن تبحث بعيداً لمعرفة ما يمكن أن يحدث. ففي لوس أنجلوس، حيث سمحت الإدارات اليسارية بانتشار مخيمات المشردين في الأحياء والمعالم الشهيرة، تراجع الإقبال السياحي الدولي بصورة ملحوظة، وأخشى أن تكون معالم نيويورك هي التالية.
لكن ممداني يتمسك بأيديولوجية الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA) التي ترفض حتى الإجراءات البديهية مثل إزالة المخيمات.

وبحسب هذا التوجه، فإن حقوق السكان، وصحتهم، وقيمة منازلهم أو أعمالهم، ليست اعتبارات تستحق الأولوية.
ويزداد الأمر تعقيداً لأن العمدة يحظى بأغلبية داخل مجلس المدينة.
حتى عضو المجلس الديمقراطي كارل ويلسون الذي يمثل الجانب الغربي من مانهاتن، اعترف بأن هذه المخيمات “تهدد الصحة العامة، وتقوض الأمن، وتضر بالمشروعات الصغيرة”، لكنه رفض المطالبة بإزالتها فوراً، مفضلاً الحديث عن “الأسباب الجذرية” للتشرد.
في المقابل، يرى الجمهوريون، رغم أنهم أقلية داخل المجلس، أن هذه المخيمات ليست سوى بداية لتدهور أوسع.
ويقول عضو المجلس عن جزيرة ستاتن فرانك مورانو إن المواطن قد يتصل بالرقم 311 أو 911 طلباً للمساعدة، وقد تتضرر تجارته أو يُغلق الرصيف أمام متجره، لكن المدينة قد تقرر ببساطة أنها لم تعد تملك الإرادة لتطبيق أبسط قواعد النظام العام.
ويحذر مورانو من أن ذلك يمثل تآكلاً خطيراً للعقد الاجتماعي بين سكان نيويورك وحكومتهم.
وأعتقد أن هناك سبباً آخر لا يقل أهمية، وهو ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد التشرد”. فكلما استمرت الأزمة وتوسعت، واصل كثيرون تحقيق المكاسب منها.

فالمؤسسات التي تدير الملاجئ تحصل على التمويل مقابل تشغيلها، ومنظمات التواصل مع المشردين تحصل على التمويل مقابل نشاطها، والمتعهدون يتقاضون الأموال لإدارة المرافق، لكن لا أحد يحصل على مكافأة عندما يصبح المشرد قادراً على الاعتماد على نفسه والخروج من دائرة التشرد.
في النهاية، لا أرى أمام سكان نيويورك سوى خيارين: إما الرحيل، أو انتخاب قيادات سياسية جديدة تضع الأمن والنظام العام في مقدمة أولوياتها.
وتقدم فلوريدا نموذجاً مختلفاً؛ إذ تمنع الولاية البلديات من السماح بالنوم في الأماكن العامة أو إقامة مخيمات غير مرخصة.
وقال الحاكم رون ديسانتيس بوضوح إن فلوريدا لن تسمح لمخيمات المشردين بأن تنتقص من جودة حياة مواطنيها كما يحدث في نيويورك وكاليفورنيا.
وعلى الجانب الآخر، اختارت بعض الولايات ذات الأغلبية الديمقراطية منح هذه الظاهرة غطاءً قانونياً. فقد أقرّت ولاية كونيتيكت هذا العام قانوناً يمنع البلديات من إزالة مخيمات المشردين، وهو قرار أراه غير منطقي.

لكن حتى بعض المدن الليبرالية بدأت تتراجع عن هذه السياسات.
ففي سان فرانسيسكو، أطلق العمدة الجديد دانيال لوري برنامج “كسر الحلقة” الذي يقوم على إزالة المخيمات بدلاً من التعايش معها، مع إلزام معظم المشردين بالالتحاق ببرامج علاج الإدمان والرعاية النفسية بوصفه شرطاً للحصول على السكن.
وبذلك، نجح سكان سان فرانسيسكو في استعادة مدينتهم من قبضة ما أسميه “صناعة التشرد” ومن التشدد الأيديولوجي لليسار المتطرف.
وأعتقد أن الوقت قد حان لكي يبدأ سكان نيويورك الاستعداد للانتخابات المقبلة، إذا كانوا يريدون استعادة النظام العام وإنقاذ مدينتهم.
نقلاً عن نيويورك بوست
