منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فنّدت أفكاراً شائعة.. دراسة تكشف استمرار التمييز ضد المهاجرين في فرنسا

22 مايو 2026
إجراءات أمنية مشددة في أوروبا للتصدي للمهاجرين
إجراءات أمنية مشددة في أوروبا للتصدي للمهاجرين

كشف مسح إحصائي شامل أجراه المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية بالتعاون مع المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية عن صورة أكثر تعقيدا للهجرة والاندماج في فرنسا، مسلطا الضوء على استمرار أشكال من اللامساواة والتمييز ضد المهاجرين وأحفادهم، رغم ارتفاع مؤشرات الاندماج والانتماء داخل المجتمع الفرنسي.

ونشر المعهدان نتائج الدراسة التي حملت عنوان “مسارات وأصول 2: تنوع السكان وعدم المساواة الاجتماعية في فرنسا”، وهي دراسة استغرقت نحو عشر سنوات من الأبحاث وشارك فيها 35 باحثا وباحثة، وشملت 27 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و59 عاما.

وخلصت الدراسة إلى أن الهجرة أصبحت مكونا بنيويا داخل المجتمع الفرنسي، إذ يرتبط نحو ثلث السكان في الفئة العمرية المشمولة بشكل مباشر بالهجرة عبر ثلاثة أجيال، سواء كمهاجرين أو أبناء مهاجرين أو أحفاد لهم.

كما أظهرت النتائج أن المجتمع الفرنسي يشهد مستويات مرتفعة من التداخل الاجتماعي والمصاهرة بين الفئات المختلفة، حيث تبين أن 59 بالمئة من أبناء الجيل الثاني من المهاجرين لديهم شركاء من أصول مختلفة، فيما يعيش 41 بالمئة من السكان في بيئة مرتبطة بالهجرة سواء عبر الأصول أو المصاهرة.

ورغم هذا التداخل، وصف معدو الدراسة المجتمع الفرنسي بأنه “مختلط لكنه لا يزال مجزأ”، في إشارة إلى استمرار الفوارق الاجتماعية والتمييز المرتبط بالأصول العرقية والاجتماعية.

تمييز في العمل والسكن

وأظهرت الدراسة أن المهاجرين وأحفادهم، خصوصا المنحدرين من دول المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، ما زالوا يواجهون صعوبات أكبر في مجالات التعليم والتوظيف والسكن مقارنة بغيرهم.

وأكد الباحثون أن الولادة في فرنسا لا توفر بالضرورة حماية من التمييز، خاصة داخل سوق العمل، حيث يستمر ما وصفته الدراسة بـ”الخطر الإضافي” للبطالة لدى أبناء الجيل الثاني من المهاجرين.

وأشارت البيانات إلى وجود فجوة واضحة في معدلات البطالة، إذ تصل الزيادة إلى أكثر من ست نقاط لدى الرجال المنحدرين من أصول مغاربية مقارنة بغير المهاجرين ممن يمتلكون المؤهلات نفسها.

تفنيد أفكار شائعة

وسلط التقرير الضوء على عدد من الأفكار الشائعة المرتبطة بالمهاجرين، والتي اعتبر أنها لا تعكس الواقع الإحصائي.

ومن بين هذه الأفكار الاعتقاد بأن غالبية المهاجرين يدخلون فرنسا بصورة غير نظامية، إذ أظهرت الدراسة أن نصف المشاركين تقريبا دخلوا البلاد بطريقة قانونية قبل أن يفقد بعضهم وضعه القانوني لاحقا بسبب تعقيدات الإجراءات الإدارية، قبل أن تتم تسوية أوضاع عدد منهم لاحقا أو حصولهم على الجنسية الفرنسية.

كما بينت الدراسة أن المهاجرين الجدد إلى فرنسا يتمتعون بمستويات تعليمية مرتفعة مقارنة بما كان عليه الوضع في العقود السابقة، إذ ارتفعت نسبة الحاصلين على شهادات جامعية بين الوافدين من 29 بالمئة قبل عام 1989 إلى 53 بالمئة لدى الوافدين بعد عام 2009.

ووفقا للتقرير، فإن نسبة الحاصلين على شهادات جامعية عليا بين المهاجرين أصبحت في المتوسط أعلى من تلك الموجودة لدى السكان الأصليين الذين لا يمتلكون أصولا مهاجرة.

انفتاح أكبر على التنوع

ومن النتائج التي اعتبرها الباحثون لافتة أن الأشخاص المنحدرين من أصول مهاجرة أظهروا مستويات أعلى من الانفتاح الاجتماعي والتنوع مقارنة ببعض الفئات من السكان الأصليين.

وخلص التقرير إلى أن المهاجرين وأبناءهم أكثر انخراطا في البيئات المختلطة اجتماعيا وثقافيا، بينما تميل بعض الفئات غير المهاجرة إلى العيش ضمن دوائر اجتماعية أكثر انغلاقا تجاه المهاجرين وأحفادهم.

وتأتي نتائج الدراسة في وقت يحتل فيه ملف الهجرة موقعا مركزيا في النقاش السياسي الفرنسي، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، وتصاعد الخطابات المرتبطة بالهوية والاندماج والأمن.

وأكد الباحثون أن الهدف من الدراسة يتمثل في توفير بيانات علمية دقيقة تساعد على تقييم السياسات العامة المرتبطة بالتعليم والتوظيف ومكافحة التمييز، بعيدا عن الخطابات التبسيطية أو الصور النمطية المرتبطة بالمهاجرين في فرنسا.