عادت قضايا الهجرة والأمن مجدداُ إلى صدارة النقاش السياسي في فرنسا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، في سياق يتسم بتصاعد الاستقطاب السياسي وتزايد المخاوف المجتمعية المرتبطة بالجريمة والإرهاب والهوية الوطنية، وبينما تظل القدرة الشرائية والتضخم من أبرز اهتمامات الناخبين الفرنسيين، فإن قضايا الأمن والهجرة باتت تشكل أحد أهم محددات السلوك الانتخابي، وتؤثر بشكل مباشر في استراتيجيات الأحزاب الكبرى في البلاد، وفق تحليل صادر عن معهد إيفوب ومركز “CEVIPOF” للدراسات السياسية في فرنسا.
تصاعد القلق الأمني داخل المجتمع الفرنسي
تشير البيانات الصادرة عن بارومتر الأولويات الفرنسية إلى أن الأمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن اهتمامات المواطنين إلى جانب الأزمة الاقتصادية والقدرة الشرائية، وهو ما يعكس تزايد الشعور بعدم الاستقرار داخل المجتمع الفرنسي، وفق نتائج مركز CEVIPOF للدراسات السياسية في باريس، ويكشف استطلاع لمعهد إيفوب أن 88 بالمئة من الفرنسيين يعتقدون أن العالم أصبح أكثر خطورة خلال السنوات العشر الأخيرة، وهو شعور يتجاوز التهديدات الخارجية ليشمل المخاوف الداخلية المرتبطة بالعنف والجريمة.
كما تشير بيانات معهد إيفوب إلى تراجع واضح في الثقة بالمؤسسات السياسية، حيث لا تتجاوز الثقة في الجمعية الوطنية نحو 20 بالمئة، في حين تستمر الثقة في الأحزاب السياسية في الانخفاض إلى مستويات تاريخية، ما يعكس أزمة ثقة سياسية متفاقمة داخل النظام الديمقراطي الفرنسي.
الهجرة بين الواقع الديموغرافي والجدل السياسي
تُظهر البيانات الديموغرافية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي “INSEE” أن نسبة المهاجرين في فرنسا تقترب من 14 بالمئة من إجمالي السكان، في حين تبلغ نسبة المقيمين الأجانب من داخل وخارج الاتحاد الأوروبي نحو 13.7 بالمئة، وعلى الرغم من أن هذه النسب ليست العليا أوروبياً، فإن ملف الهجرة يحتل موقعاً مركزياً في النقاش العام، وفق معهد إيبسوس للدراسات الاستطلاعية.
ويشير معهد إيبسوس إلى أن الهجرة أصبحت من أبرز القضايا التي يعدها الفرنسيون مؤثرة في مستقبل البلاد، ليس فقط من زاوية اقتصادية، بل أيضاً من زاوية الهوية الوطنية والنموذج الجمهوري الفرنسي والعلمانية والاندماج الاجتماعي.
الإرهاب وتأثيره في السياسات العامة
لا يمكن فصل تصاعد الاهتمام الفرنسي بملفي الهجرة والأمن عن سلسلة الهجمات الإرهابية التي شهدتها فرنسا خلال العقد الأخير، فقد شكلت هجمات باريس 2015 وعمليات الاغتيال التي استهدفت معلمين في السنوات اللاحقة نقطة تحول في السياسات الأمنية، وفق بيانات وزارة الداخلية الفرنسية.
وتؤكد وزارة الداخلية الفرنسية أن الأجهزة الأمنية لا تزال تعد التهديد الإرهابي قائماً رغم تراجع وتيرة الهجمات، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية الدولية، ما جعل ملف الأمن أحد المحاور الأساسية في الخطاب السياسي الفرنسي خلال السنوات الأخيرة.
صعود اليمين المتطرف وتوظيف ملفي الهجرة والأمن
يشكل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف أحد أبرز المستفيدين من تصاعد أهمية ملفي الهجرة والأمن، وفق مراكز استطلاع فرنسية متعددة، ويقوم خطاب الحزب على تشديد سياسات الهجرة، وتقليص منح الجنسية، وتسريع الترحيل، وتعزيز مبدأ الأفضلية الوطنية في بعض السياسات الاجتماعية.
وتشير استطلاعات الرأي التي أوردتها مؤسسات فرنسية متخصصة في تحليل السلوك الانتخابي إلى أن هذا الحزب يتصدر نوايا التصويت في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية المقبلة، ما يعكس نجاحه في تحويل ملفي الهجرة والأمن إلى محورين مركزيين في النقاش الانتخابي.
إعادة تموضع اليمين التقليدي والمعسكر الوسطي
يحاول حزب الجمهوريين في اليمين التقليدي استعادة جزء من قاعدته الانتخابية عبر تبني خطاب أكثر تشدداً في ملفي الهجرة والأمن، وفق تقارير البرلمان الفرنسي وتحليلات المشهد السياسي. وفي المقابل، تبنى المعسكر الوسطي بقيادة التيار الرئاسي سياسات أكثر صرامة في الهجرة، شملت تشديد إجراءات اللجوء وزيادة عمليات الترحيل، بحسب بيانات حكومية فرنسية رسمية.
هذا التقارب النسبي بين التيارات السياسية المختلفة يعكس تحوّل ملف الهجرة والأمن إلى قضية توافق سياسي نسبي من حيث المبدأ، مع اختلافات في مستوى التشدد وآليات التطبيق.
اليسار الفرنسي بين العدالة الاجتماعية والأمن الجمهوري
يقدم الحزب الاشتراكي الفرنسي مقاربة تستند إلى تنظيم الهجرة القانونية وتعزيز سياسات الاندماج، مع رفض الربط المباشر بين الهجرة والجريمة، وفق بيانات الحزب وبرامجه السياسية، ويؤكد الحزب أن معالجة الجريمة ترتبط بالعدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر والتهميش وتحسين الخدمات العامة، وليس فقط بالسياسات الأمنية.
أما اليسار الراديكالي بقيادة حزب فرنسا الأبية، فيرفض الخطاب الأمني المتشدد ويركز على قضايا التفاوت الاجتماعي والعدالة الاقتصادية، وفق تحليلات مراكز بحث سياسية فرنسية.
الهجرة بوصفها قضية هوية في المجتمع الفرنسي
تشير دراسات معهد الدراسات السياسية في باريس “Sciences Po” إلى أن النقاش حول الهجرة في فرنسا تجاوز البعد الإداري والاقتصادي ليصبح جزءاً من النقاش حول الهوية الوطنية والعلمانية والنموذج الجمهوري، وتوضح هذه الدراسات أن الخطاب العام حول الهجرة بات مرتبطاً بأسئلة الاندماج الثقافي والديني ودور الدولة في إدارة التنوع.
ويظهر ذلك بوضوح في تداخل مفاهيم الأمن والهوية والانتماء داخل الخطاب السياسي والإعلامي الفرنسي خلال السنوات الأخيرة.
الحاجة الاقتصادية والخوف السياسي
تعتمد فرنسا بشكل متزايد على العمالة المهاجرة في قطاعات حيوية تمسّ مباشرة استمرارية الدولة الاجتماعية والاقتصاد اليومي، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي “INSEE” الصادرة في تقاريره الديموغرافية لسنة 2025، وتشير هذه البيانات إلى أن نسبة الأجانب والمهاجرين تمثل نحو 13.7 إلى 14 بالمئة من سكان البلاد، مع تركّز واضح في قطاعات العمل ذات الطلب المرتفع مثل الصحة والبناء والخدمات والنقل والعمل المنزلي.
وفي قطاع الصحة تحديداً، تكشف بيانات وزارة الصحة الفرنسية أن نسبة العاملين من أصول مهاجرة أو من مواليد خارج فرنسا داخل المستشفيات ودور الرعاية تجاوزت 18 بالمئة من إجمالي العاملين في بعض المناطق الحضرية الكبرى، مع اعتماد متزايد على الأطباء والممرضين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي لسد العجز في الكوادر الطبية، كما تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD إلى أن فرنسا تواجه عجزاً هيكلياً في الكفاءات الصحية يرتبط بارتفاع متوسط عمر السكان، حيث يتجاوز عدد من هم فوق سن 65 عاماً نسبة 21 بالمئة من السكان وفق تقديرات 2025.
وفي قطاع البناء والأشغال العامة، توضح بيانات الاتحاد الفرنسي للبناء “Fédération Française du Bâtiment” أن العمالة الأجنبية أو ذات الأصول المهاجرة تمثل ما بين 20 إلى 25 بالمئة من القوة العاملة في بعض المشاريع الكبرى، خصوصاً في مناطق باريس الكبرى وليون ومارسيليا، كما يعتمد قطاع الخدمات، ومنها التنظيف والرعاية المنزلية والفندقة، بشكل واسع على العمالة المهاجرة، حيث تشير تقديرات المعهد الأوروبي للإحصاء Eurostat إلى أن أكثر من 30 بالمئة من العاملين في الخدمات منخفضة الأجر في فرنسا هم من أصول مهاجرة أو مولودون خارج البلاد.
هذا الاعتماد الاقتصادي يتزامن مع تحول ديموغرافي عميق، إذ تشير بيانات “INSEE” إلى أن معدل الخصوبة في فرنسا انخفض إلى أقل من 1.7 طفل لكل امرأة في عام 2025، وهو مستوى دون عتبة الإحلال السكاني البالغة 2.1، ما يفاقم الحاجة إلى العمالة الأجنبية لتعويض التراجع الطبيعي في قوة العمل، كما تشير التوقعات السكانية إلى أن نسبة كبار السن ستقترب من 27 بالمئة من إجمالي السكان بحلول عام 2035، ما يزيد الضغط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية ويعزز الحاجة إلى تدفقات عمالية جديدة.
وفي المقابل، تواجه هذه الضرورة الاقتصادية ضغوطاً سياسية واجتماعية متزايدة تدفع نحو تشديد سياسات الهجرة، فبحسب استطلاع معهد إيفوب IFOP لسنة 2026، يرى 61 بالمئة من الفرنسيين أن الهجرة الحالية مرتفعة أكثر من اللازم، في حين يربط 54 بالمئة بين زيادة الهجرة وتدهور الوضع الأمني، رغم عدم وجود علاقة إحصائية مباشرة مؤكدة بين المتغيرين في الدراسات الجنائية الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية.
كما تظهر بيانات مركز “CEVIPOF” أن ملف الهجرة أصبح ضمن المراتب الثلاث الأولى في اهتمامات الناخب الفرنسي إلى جانب القدرة الشرائية والأمن، وهو تحول يعكس انتقال النقاش من البعد الاقتصادي البحت إلى بعد هوياتي وثقافي وسياسي أكثر تعقيداً، وتشير هذه الدراسات إلى أن هذا التداخل بين الأمن والهجرة يغذي خطاباً سياسياً متشدداً لدى عدد من الأحزاب، خصوصاً في فترات الأزمات الاقتصادية أو ارتفاع معدلات البطالة.
وتبرز هنا المفارقة التي توثقها أيضاً منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “OECD”، إذ تؤكد في تقاريرها حول الهجرة لسنة 2025 أن المهاجرين في فرنسا يسهمون بشكل إيجابي في النمو الاقتصادي وفي تغطية العجز في سوق العمل، خصوصاً في القطاعات التي يعزف عنها المواطنون الفرنسيون، ومع ذلك، تستمر السياسات العامة في التذبذب بين الحاجة إلى فتح سوق العمل أمام الهجرة المنظمة وبين تشديد القيود استجابة للضغوط الانتخابية.
معادلة معقدة
هذا التناقض البنيوي بين الحاجة الاقتصادية للمهاجرين والخوف السياسي والاجتماعي منهم لا يقتصر على فرنسا وحدها، لكنه يتخذ فيها طابعاً أكثر حدة بسبب خصوصية النموذج الجمهوري الفرنسي القائم على فكرة الاندماج الصارم والعلمانية، وفق تحليلات معهد الدراسات السياسية في باريس “Sciences Po”، إذ تتحول الهجرة في هذا السياق من ملف اقتصادي إلى سؤال حول الهوية الوطنية وحدود الانتماء الاجتماعي.
وبذلك يصبح ملف الهجرة في فرنسا ليس مجرد قضية إدارة تدفقات بشرية، بل معادلة معقدة تجمع بين ضرورات الاقتصاد ومقتضيات الديموغرافيا وضغوط السياسة الانتخابية، وهو ما يجعل منه أحد أكثر الملفات حساسية واستمرارية في المشهد العام الفرنسي خلال العقد الحالي. وتؤكد مؤشرات مركز “CEVIPOF” ومعهد إيفوب ومعهد إيبسوس أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027 لن تكون مجرد تنافس اقتصادي أو سياسي تقليدي، بل ستكون أيضاً معركة حول تعريف الهوية والأمن والهجرة في فرنسا، وفي ظل تراجع الثقة السياسية وارتفاع القلق الاجتماعي، تتحول هذه الملفات إلى أدوات مركزية في إعادة تشكيل المشهد الانتخابي الفرنسي ومستقبل النظام السياسي.
وفي هذا السياق، تبدو فرنسا أمام لحظة إعادة تعريف لعلاقتها بالهجرة والأمن، ليس فقط بوصفها سياسات عامة، بل جزء من سؤال أعمق حول مستقبل النموذج الجمهوري في مجتمع متعدد ومتحول.

