منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العنف الرقمي ضد المحتجات.. حين تتحول المشاركة السياسية في الهند إلى تهديد للنساء

04 أغسطس 2026
عنف رقمي يستهدف النساء في الهند
عنف رقمي يستهدف النساء في الهند

لم تعد مخاطر المشاركة في الاحتجاجات السياسية تقتصر على ما يحدث في الشوارع، إذ بات الفضاء الرقمي ساحة جديدة لاستهداف الناشطات والمشاركات، حيث يمكن لمقطع فيديو أو منشور عبر الإنترنت أن يتحول إلى أداة للترهيب وكشف البيانات الشخصية والتحريض.

وفي الهند، أثارت حملة تهديدات ومضايقات إلكترونية استهدفت نساء شاركن في احتجاجات بالعاصمة نيودلهي مخاوف حقوقية بشأن تصاعد العنف الرقمي، ومدى قدرة القوانين والمؤسسات على حماية النساء من حملات الانتقام الإلكتروني المرتبطة بآرائهن السياسية.

وبدأت موجة الاستهداف عقب احتجاجات نظمها حزب شعب الصراصير (CJP) في منطقة جانتار مانتار بالعاصمة نيودلهي، حيث انتشرت مقاطع مصورة لنساء مشاركات في التظاهرات وهن يوجهن انتقادات للحكومة ورئيس الوزراء الهندي.

وتحولت هذه المقاطع لاحقاً إلى محور لحملات تحريض إلكترونية، بعدما أعادت حسابات مجهولة، إلى جانب حسابات يُعتقد بارتباطها بمؤيدي حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) الحاكم، نشر معلومات شخصية عن بعض المشاركات.

وشملت البيانات المتداولة أرقام هواتف، وعناوين منازل، ومعلومات عن أفراد من عائلاتهن، ما أدى إلى تعرض عدد من النساء لاتصالات ورسائل تحمل تهديدات وترهيباً.

انتهاك للخصوصية والسلامة

يرى حقوقيون أن نشر المعلومات الشخصية للأفراد دون موافقتهم، والمعروف باسم “كشف البيانات” أو Doxxing، يمثل أحد أشكال العنف الرقمي، خاصة عندما يستخدم بهدف التخويف أو الانتقام أو إسكات الأصوات المعارضة.

وتزداد خطورة هذا النوع من الاستهداف عندما يطال النساء، إذ قد يترافق مع تهديدات ذات طابع جنسي أو حملات تشويه تستهدف السمعة والحياة الخاصة، ما يدفع بعض الضحايا إلى الانسحاب من المجال العام خوفاً على سلامتهن وسلامة أسرهن.

وتؤكد مبادئ حقوق الإنسان أن حرية التعبير والمشاركة السياسية تشمل الحق في إبداء الآراء وانتقاد السياسات العامة، مع ضرورة حماية الأفراد من التهديدات والعنف بسبب ممارستهم لهذه الحقوق.

تهديدات طالت قاصرات

لم تقتصر الحملات الإلكترونية على النساء البالغات المشاركات في الاحتجاجات، إذ كشفت التقارير عن تعرض فتاة تبلغ من العمر 15 عاماً لتهديدات عبر الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي، بعد انتشار منشورات سابقة لها تضمنت انتقادات لرئيس الوزراء ناريندرا مودي.

وأفادت الفتاة بتلقيها تهديدات بالاغتصاب ومحتويات ذات طابع جنسي من مجهولين، رغم تقديمها اعتذاراً علنياً عن بعض منشوراتها.

وشملت المضايقات صحفيين وصحفيات غطوا الاحتجاجات، حيث تحدث بعضهم عن تعرضهم للإهانات والتهديدات، بما في ذلك تهديدات بالقتل والاعتداء الجنسي، ما دفع إحدى الصحفيات إلى تعليق عملها مؤقتاً بسبب حجم الهجمات الإلكترونية.

حماية النساء في الفضاء الرقمي

تؤكد المنظمات الحقوقية أن حق المواطنين في الاحتجاج السلمي وحرية التعبير يمثلان جزءاً أساسياً من الحقوق المدنية والسياسية، وأن أي مساءلة قانونية مرتبطة بالتعبير يجب أن تتم وفق معايير واضحة تضمن عدم استخدام القوانين لإسكات المعارضة.

وفي المقابل، يشدد المدافعون عن حقوق المرأة على أن حماية النظام العام لا يمكن أن تكون مبرراً للتغاضي عن التهديدات والعنف الرقمي، خصوصاً عندما تستهدف النساء بسبب مشاركتهن في الشأن العام.

وتشير المعايير الدولية، ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، إلى ضرورة اتخاذ الدول تدابير لحماية النساء من أشكال العنف والتمييز، بما في ذلك الأشكال التي تظهر في البيئة الرقمية.

البطالة والتعليم جذور الاحتجاجات

تعود الاحتجاجات إلى 16 مايو، عقب تصريحات أثارت جدلاً بشأن الشباب العاطلين عن العمل، لتتطور لاحقاً إلى حركة يقودها شباب يطالبون بمعالجة أزمة البطالة، وتحسين فرص العمل، وإصلاح نظام التعليم.

وشهدت نيودلهي خلال يوليو احتجاجات واسعة شارك فيها عشرات الآلاف، مع مسيرات باتجاه البرلمان، قبل أن تستخدم الشرطة الغاز المسيل للدموع والهراوات لتفريق المتظاهرين.

ووفقاً لبيان الشرطة الهندية، أسفرت المواجهات عن إصابة 60 متظاهراً و118 من أفراد الشرطة.

الهند وحماية الحقوق الرقمية

تكشف هذه التطورات أن التحدي لم يعد يتعلق فقط بإدارة الاحتجاجات في الشوارع، بل بقدرة المؤسسات على حماية المواطنين داخل الفضاء الرقمي، حيث يمكن أن تتحول التكنولوجيا من وسيلة للتعبير والتواصل إلى أداة للتهديد والإقصاء.

وتتطلب مواجهة العنف الرقمي في الهند تعزيز قوانين حماية البيانات، ومحاسبة المسؤولين عن حملات الترهيب، وتوفير آليات فعالة للضحايا، خصوصاً النساء والصحفيين، حتى لا تتحول المشاركة السياسية أو التعبير عن الرأي إلى سبب للتعرض للتهديد أو العنف.

ولا تكتمل حماية حرية التعبير دون حماية أصحابها، سواء في الشارع أو على منصات التواصل الاجتماعي.