دوغلاس موراي
إذا كنت بحاجة إلى دليل إضافي على مدى الاضطراب الذي يعيشه عصرنا، فما عليك إلا أن تتأمل عدد المرات التي استُخدمت فيها كلمة “مفبرك” في الساعات التي أعقبت حادث إطلاق النار خلال عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض مساء السبت الماضي.
هذه ليست مجرد مشكلة تخص منصات التواصل الاجتماعي فحسب، بل هي أزمة تمس ديمقراطيتنا ذاتها، وعلينا أن نواجهها بجدية.
بينما كان مئات الصحفيين يحتمون في أماكنهم تلك الليلة، وكانت القيادات العليا في الولايات المتحدة تُنقل على عجل من موقع الحدث، كانت منصات التواصل تعيش حالة من الفوضى. فقد أظهرت التحليلات أن مصطلح “مفبرك” ظهر في أكثر من 300 ألف منشور خلال ساعات قليلة، في إشارة إلى محاولة اغتيال الرئيس دونالد ترامب. ولم تقتصر هذه المزاعم على منصة واحدة، بل انتشرت عبر منصات متعددة، ودُفعت بشكل غير طبيعي، بعضها من حسابات خارجية.
ولمن يظن أن محاولة الاغتيال كانت تمثيلية، دعوني أطرح سؤالاً بسيطاً: ما أسوأ مكان يمكن أن يُفبرك فيه حدث كهذا؟ بالتأكيد قاعة مكتظة بوسائل الإعلام من مختلف الاتجاهات التي لا تتفق على شيء، لكنها تتسابق دائماً لكشف أي خلل أو شبهة. فكرة أن تتواطأ إدارة ترامب مع وسائل إعلام تعارضه بشدة لإخفاء “خدعة” كهذه تبدو لي بعيدة عن المنطق.
ومع ذلك، هناك من يعتقد أن مجرد التشكيك في هذه الروايات هو دليل إضافي على صحتها. هذا النوع من التفكير ليس إلا انحداراً عقلياً. لقد كان يُقال قديماً إن الرد على هذه الادعاءات يشبه محاولة إثبات أن القمر ليس مصنوعاً من الجبن، لكننا اليوم أمام عقول تصر على تصديق ما هو أكثر عبثية.
أستطيع أن أؤكد أنه لو كان لديّ أو لدى زملائي الذين كنا على بُعد أمتار من الرئيس أي شك في أن ما حدث كان مفبركاً، لكنا أعلنا ذلك دون تردد.
المشكلة الحقيقية أن منصات التواصل لا تحكمها معايير الحقيقة، بل منطق التفاعل والربح. ومع تراجع ثقة بعض الجمهور في الإعلام التقليدي، وهو تراجع له أسبابه، وجدت هذه المنصات فرصة لتضخيم المعلومات المضللة بشكل يفوق ما يمكن أن تنشره أي وسيلة إعلامية تقليدية.
لا توجد مؤسسة إعلامية مسؤولة، مهما كان توجهها، يمكن أن تنشر ادعاءً خطيراً دون أدلة. أما منصات التواصل، فلا تشترط دليلاً، بل تكافئ الأكثر إثارة وجنوناً؛ لأنها تجذب التفاعل.
وهكذا تنتشر مزاعم لا أساس لها، ويجد مروّجوها جمهوراً واسعاً، ليس لأنهم يقدمون الحقيقة، بل لأنهم يخاطبون فضولاً منحرفاً ويستفيدون من نظام يكافئ الإثارة على حساب الحقيقة.
في مرحلة ما، وربما قريباً، سيكون على شركات التكنولوجيا أن تتحمل مسؤوليتها. فبينما قد تواجه وسائل الإعلام التقليدية عواقب قانونية لنشر معلومات كاذبة، تستفيد هذه المنصات مادياً من نشرها، وتكافئ من يروّج لأكثر الادعاءات تطرفاً وغرابة.
نقلاً عن نيويورك بوست
