تشهد تركيا خلال عامي 2025 و2026 نقاشًا حقوقيًا واسعًا بشأن العلاقة بين القضاء والحياة السياسية، في ظل قضايا بارزة طالت شخصيات معارضة وصحفيين ومحامين ونشطاء مدنيين، وبينما تؤكد السلطات التركية أن الإجراءات القضائية تتم وفق القانون وباستقلالية المؤسسات، ترى منظمات حقوقية دولية أن بعض الملاحقات والمحاكمات تثير مخاوف جدية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة، وحرية التعبير، وحق المشاركة السياسية.
وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي داخلي حساس، خصوصًا بعد الانتخابات المحلية التي عززت حضور المعارضة في عدد من المدن الكبرى، وقد برزت قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، بعد توقيفه في مارس 2025، ثم توجيه اتهامات موسعة له ولعدد كبير من المسؤولين ورجال الأعمال المرتبطين بالبلدية.
وتؤكد الحكومة التركية أن هذه الملفات تتعلق بادعاءات فساد ومخالفات جنائية، بينما تعتبرها المعارضة ومنظمات حقوقية جزءًا من ضغوط متزايدة على المجال السياسي.
وأشارت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن توقيف إمام أوغلو أثار مخاوف بشأن استهداف النشاط السياسي المشروع، في حين تؤكد السلطات التركية استقلال القضاء وحقه في نظر القضايا المعروضة عليه.
القضاء والمعارضة السياسية
تتناول تقارير حقوقية دولية ملف الملاحقات القضائية بحق معارضين سياسيين وقيادات بلدية ونشطاء باعتباره مؤشرًا على اتساع استخدام المسارات القضائية في القضايا ذات الطابع السياسي، وتشير إلى أن استمرار الدعاوى والاحتجاز السابق للمحاكمة في بعض الملفات قد يؤثر على ثقة قطاعات من المجتمع في حياد الإجراءات، خاصة عندما تتزامن القضايا مع منافسات انتخابية أو استحقاقات سياسية.
وفي المقابل، ترى المؤسسات الرسمية التركية أن مكافحة الفساد والجريمة المنظمة وحماية الأمن القومي من صميم مسؤوليات الدولة، وأن القضاء هو الجهة المختصة بالفصل في الاتهامات.
ومن منظور حقوقي، تظل المسألة الأساسية هي ضمان علنية الإجراءات، واحترام قرينة البراءة، وتمكين المتهمين من الدفاع الكامل، وتجنب استخدام الحبس الاحتياطي على نحو مطول إلا في أضيق الحدود التي يجيزها القانون.
المحامون وحق الدفاع
يمثل حق الدفاع أحد العناصر الجوهرية في أي نظام عدالة، وقد أثارت عدة قضايا الجدل ومنها القضايا المتعلقة بمحامين ونقابات مهنية، من بينها نقابة المحامين في إسطنبول ومحامي دفاع في ملفات سياسية بارزة.
وتثير هذه الوقائع، وفق منظمات حقوقية، تساؤلات بشأن قدرة المحامين على أداء دورهم دون ضغوط أو خشية من الملاحقة.
وفي الوقت نفسه، يظل من حق الدولة التحقيق في أي ادعاءات جنائية وفق معايير قانونية واضحة.
ومن ثم، فإن التوازن المطلوب يتمثل في عدم الخلط بين ممارسة المحامي لواجبه المهني وبين أي مخالفة جنائية مزعومة، مع ضرورة توفير ضمانات مستقلة وشفافة في جميع الإجراءات.
المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان
تعد علاقة تركيا بالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ملفًا مهمًا في تقييم التزاماتها الدولية، نظرًا لعضويتها في مجلس أوروبا والتزاماتها بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وقد انتقدت منظمات حقوقية استمرار عدم تنفيذ بعض الأحكام البارزة، خصوصًا في قضيتي عثمان كافالا وصلاح الدين دميرتاش.
وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن أحكامًا ملزمة للمحكمة الأوروبية لا تزال غير منفذة في عدد من القضايا الرمزية.
كما سبق للجنة وزراء مجلس أوروبا أن دعت السلطات التركية إلى الإفراج عن كافالا ودميرتاش تنفيذًا لأحكام المحكمة الأوروبية.
وفي المقابل، تؤكد أنقرة في مواقف رسمية سابقة إدراكها لمسؤولياتها كعضو مؤسس في مجلس أوروبا، وتشير إلى أنها نفذت آلاف الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية، ما يعكس وجود خلاف قانوني وسياسي حول بعض القضايا المحددة وليس انقطاعًا كاملًا مع المنظومة الأوروبية.
حرية التعبير والفضاء الرقمي
تتناول التقارير الحقوقية أيضًا وضع حرية التعبير والصحافة والفضاء الرقمي في تركيا، وتقول منظمة العفو الدولية إن حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات تعرضت لقيود، وإن ملاحقات بحق صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين سياسيين تصاعدت خلال الفترة الأخيرة.
وفي هذا السياق، استخدمت قوانين مكافحة المعلومات المضللة والأمن القومي في ملاحقات أو قرارات حجب رقمية، ومن زاوية حقوقية، لا خلاف على حق الدولة في مواجهة خطاب الكراهية والتحريض والعنف والمعلومات التي تهدد السلامة العامة، لكن المعايير الدولية تشترط أن تكون القيود على التعبير محددة وواضحة وضرورية ومتناسبة، وألا تتحول إلى وسيلة لتقييد النقد السلمي أو العمل الصحفي.
ولا تنفصل الحقوق السياسية والمدنية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.. فارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم وضغوط السكن والعمل يضاعف هشاشة الفئات محدودة الدخل واللاجئين والعمال غير النظاميين.
ومن منظور حقوق الإنسان، تتطلب مواجهة هذه الضغوط سياسات عامة تضمن الوصول إلى السكن والغذاء والعمل اللائق، وتوفر آليات إنصاف فعالة للمتضررين، مع مراعاة أن الأزمات الاقتصادية لا تعفي الدول من التزاماتها الأساسية تجاه الفئات الأكثر هشاشة.
اللاجئون والحماية القانونية
تستضيف تركيا واحدة من أكبر مجموعات اللاجئين في العالم.. وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن تركيا كانت تستضيف بحلول منتصف 2025 نحو 2.6 مليون لاجئ، من بينهم قرابة 2.5 مليون سوري تحت الحماية المؤقتة.
كما أشار عرض أممي آخر إلى وجود نحو 2.3 مليون سوري تحت الحماية المؤقتة وقرابة 166 ألف لاجئ وطالب لجوء من دول أخرى في 2025.
وتثير بعض التقارير الحقوقية مخاوف بشأن حالات ترحيل أو ضغوط مرتبطة بما يوصف بـ“العودة الطوعية”، خاصة عندما تتعلق بأشخاص يخشون العودة إلى أوضاع غير آمنة، ومن المهم هنا التأكيد أن المعيار الدولي الأساسي هو مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يواجه فيه خطر الاضطهاد أو التعذيب أو الانتهاكات الجسيمة.
ويعكس المشهد الحقوقي في تركيا حالة معقدة تجمع بين مؤسسات قضائية قائمة، ونقاش داخلي حاد، والتزامات دولية محل متابعة، وانتقادات من منظمات حقوقية بشأن حرية التعبير وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق اللاجئين.
هيمنة السياسة وانهيار الثقة
حذّر مجيد بودن، الأكاديمي، ورئيس جمعية المحامين في القانون الدولي في باريس، من خطورة ظاهرة “نكران العدالة” وما يرتبط بها من تدخلات سياسية في عمل القضاء، مؤكدًا أن هذه الممارسات تمس جوهر دولة القانون وتهدد استقرار المجتمعات.
وأشار بودن، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن نكران العدالة لا يقتصر على القضايا ذات الطابع السياسي أو المرتبطة بحرية الرأي والشأن العام، بل يمتد أيضًا إلى القضايا الخاصة التي تمس حقوق الأفراد اليومية، لافتًا إلى أن العدالة يجب أن تبقى مظلة جامعة تحمي الحقوق في جميع المجالات دون تمييز.
وأكد أن هذا المبدأ يمثل أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها دولة القانون ودولة الحقوق، حيث لا يمكن تجزئة العدالة أو تطبيقها بشكل انتقائي.
ونبّه إلى أن احترام القانون لا يُعد مسؤولية منظمات المجتمع المدني أو الهيئات الحقوقية فقط، بل هو التزام جماعي يشمل كل مواطن وكل مؤسسة داخل الدولة.
وأضاف أن الاقتصار على حماية فئة معينة، كالنشطاء الحقوقيين أو المدافعين عن الحريات، رغم أهميته، لا يكفي لضمان سيادة القانون، مشددًا على أن المعيار الحقيقي يكمن في تطبيق العدالة على الجميع، بغض النظر عن الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي، سواء كانوا من النخب أو من عامة الناس.
وأكد بودن أن غياب الثقة في القضاء، أو شعور المواطنين بأن الأحكام لا تصدر وفق القانون أو لا يتم تنفيذها بشكل فعلي، من شأنه أن يهز أركان المجتمع ويقوض استقراره.
وأشار إلى أن العدالة لا تتحقق فقط بإصدار الأحكام، بل بمدى انعكاسها على الواقع، وتنفيذها بما يعزز ثقة الناس ويمنحهم الطمأنينة في حياتهم اليومية.
وفي هذا السياق، شدد على أن التدخل السياسي في القضاء يعد محظورًا بشكل صريح في جميع التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية، موضحًا أن مثل هذا التدخل يشكل إفسادًا لمنظومة العدالة وزعزعة للعقد الاجتماعي، وقد يرقى إلى مستوى الجريمة الكبرى التي تستوجب المساءلة والعقاب.
ونبّه إلى أن هذه المسألة ليست نظرية أو مجرد مبدأ قانوني، بل يجب تفعيلها عمليًا من خلال ضمان استقلال القضاء ونزاهته.
وأشار إلى أن معيار الدولة التي تحترم القانون يقاس بمدى قدرتها على حماية القضاء من أي تأثيرات سياسية، وضمان أن تصدر الأحكام عن قضاة يتمتعون بالكفاءة والاستقلالية والموضوعية.
وأضاف أن القاضي مطالب بالالتزام بمبادئ العدالة المنصفة، وأن أي حكم لا يستند إلى هذه المبادئ قد يشكل في حد ذاته صورة من صور نكران العدالة.
وأكد بودن أن نكران العدالة لا يُعد مجرد خلل إجرائي، بل يمثل خرقًا للقانون الدولي والنظام العام الدولي، خاصة عندما يُحرم الأفراد أو العائلات من حقوقهم أو يتم تجاهل الأحكام الصادرة لصالحهم أو تهميشها.
وأضاف أن الضحايا في مثل هذه الحالات يملكون الحق في اللجوء إلى القضاء الوطني أو الدولي لضمان حصولهم على محاكمة عادلة ومنصفة، وتنفيذ الأحكام بشكل فعلي.
عدالة معلّقة بين النص والتطبيق
من جانبها، قالت الناشطة الحقوقية الدكتورة أسماء رمزي، إن استمرار عدم تنفيذ بعض أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بحق تركيا يطرح إشكاليات عميقة تتجاوز البعد القانوني لتطال جوهر مفهوم العدالة ذاته، وتمتد لتؤثر بشكل مباشر على علاقة المواطن بالدولة، لا سيما في القضايا ذات الطابع السياسي أو المرتبطة بحرية التعبير والمعارضة.
وأشارت رمزي، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن إحدى أبرز الإشكالات تكمن في اهتزاز ثقة المواطن العادي بمنظومة العدالة عندما تصدر أحكام دولية واضحة ثم تبقى دون تنفيذ فعلي.
وأكدت أن المواطن لا يقيس العدالة بنصوص القوانين وحدها، بل بمدى قدرتها على حماية حقوقه على أرض الواقع، لافتة إلى أن أي انطباع بأن تنفيذ الأحكام يخضع لحسابات سياسية أو لموازين القوى يخلق شعورًا بأن العدالة قد تصبح انتقائية، وأن القانون لا يُطبق بالقدر نفسه على الجميع.
ونبّهت إلى أن هذا الوضع لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار كامل في الثقة، لكنه يخلق فجوة متزايدة بين المؤسسات القانونية والمجتمع، خصوصًا لدى الفئات التي تشعر بأنها أكثر عرضة للتهميش أو الاستهداف.
وفي ما يتعلق بالضحايا وعائلاتهم، أكدت أن صدور حكم دولي يُعد في حد ذاته اعترافًا مهمًا بوقوع الانتهاك، لكنه يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا لم يترجم إلى نتائج ملموسة.
وأشارت إلى أن كثيرًا من الضحايا يجدون أنفسهم عالقين بين نظام قضائي محلي لا يستجيب، ومنظومة دولية لا تملك أدوات تنفيذ مباشرة، ما يعمّق لديهم الإحساس بالعزلة والإقصاء.
ونبّهت إلى أن طول أمد الإجراءات دون تغيير فعلي في أوضاع المعتقلين أو المتضررين قد يحوّل العدالة من أداة إنصاف إلى مصدر إحباط، خاصة عندما يصبح الاعتراف القانوني منفصلًا عن الواقع المعيش.
وأوضحت رمزي أن تداخل السياسة مع القضاء لا يقتصر تأثيره على النخب أو المعارضين، بل يمتد إلى الحياة اليومية للمجتمع بأكمله.
وأشارت إلى أن الإحساس بأن القضاء يتأثر بالمناخ السياسي يدفع الصحفيين والأكاديميين والناشطين، وحتى المواطنين العاديين، إلى إعادة حساباتهم في التعبير عن آرائهم أو المشاركة في النقاش العام.
وأكدت أن هذا المناخ يوسع دائرة الرقابة الذاتية داخل المجتمع، ويؤدي إلى تراجع مساحة النقاش الحر، ويضعف الثقة بالمؤسسات، كما نبّهت إلى أن القضايا ذات الطابع السياسي تتحول في نظر الرأي العام إلى مؤشر على حدود الحريات داخل الدولة، وليس مجرد ملفات قانونية منفصلة.
وفي سياق متصل، أشارت إلى أن المجتمع المدني لا يزال ينظر إلى المؤسسات الدولية باعتبارها مساحة مهمة للتوثيق والضغط، حتى وإن كان أثرها التنفيذي محدودًا في بعض الحالات.
وأكدت أن الأحكام الدولية تمنح شرعية قانونية للمطالب الحقوقية، وتُبقي الانتهاكات تحت الضوء، وتُشكل سجلًا يصعب تجاهله على المدى الطويل، لكنها في الوقت نفسه نبّهت إلى وجود حالة متزايدة من الإحباط لدى بعض الفاعلين الحقوقيين، نتيجة تكرار صدور الأحكام دون تنفيذ فعلي، أو بسبب محدودية أدوات الضغط الدولية في تغيير السياسات الداخلية.
وأكدت رمزي أن هذا الواقع يفتح نقاشًا أوسع حول حدود فاعلية القانون الدولي نفسه، ومدى قدرته على إلزام الدول عندما تتقاطع الاعتبارات السيادية مع الالتزامات الحقوقية.
وأشارت إلى أن هذه الإشكالية لا تخص تركيا وحدها، بل تعكس توترًا بنيويًا أعمق بين منطق السيادة الوطنية ومنظومة العدالة الدولية.
واختتمت بالتأكيد على أن استمرار هذا التوتر دون معالجات جدية قد يؤدي إلى إضعاف الثقة في العدالة على المستويين الوطني والدولي، مشددة على أن حماية الحق في محاكمة عادلة وتنفيذ الأحكام القضائية بشكل فعلي يظل حجر الأساس لأي نظام قانوني يسعى إلى تحقيق الاستقرار والعدالة معًا.
