منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضغط عابر للحدود.. واشنطن تضع “الإخوان” في قلب استراتيجيتها الجديدة لمكافحة الإرهاب

08 مايو 2026
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

يشكل إدراج جماعة الإخوان المسلمين ضمن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب مؤشرًا على تحول أوسع في مقاربة واشنطن للجماعة، من التعامل معها كفاعل سياسي أو أيديولوجي مثير للجدل، إلى النظر إلى بعض فروعها وشبكاتها باعتبارها جزءًا من منظومة تهديدات أمنية عابرة للحدود.

ولا يعني هذا التحول حتى الآن تصنيفًا شاملًا للتنظيم الدولي ككيان واحد، لكنه يفتح الباب أمام مسار تدريجي يستهدف فروعًا محددة، ويركز على تتبع التمويل، والواجهات الإعلامية والخيرية والمدنية، والعلاقات التنظيمية التي قد تُستخدم لتوسيع النفوذ أو دعم أنشطة مصنفة ضمن نطاق مكافحة الإرهاب.

وتحمل هذه الخطوة دلالات سياسية وأمنية تتجاوز الداخل الأمريكي، إذ قد تمنح دعمًا إضافيًا للدول التي تتعامل مع الإخوان كتهديد للاستقرار، وتدفع نحو تنسيق إقليمي ودولي أوسع في ملفات الرقابة والتصنيف وتجفيف الموارد.

وفي المقابل، يثير هذا التوجه نقاشًا حقوقيًا وقانونيًا حساسًا حول ضرورة الفصل بين النشاط السياسي أو الدعوي السلمي من جهة، وبين التحريض أو التمويل أو الارتباط بجماعات مسلحة من جهة أخرى. ومن هنا، لا يغيّر الإدراج الأمريكي لغة الخطاب فحسب، بل يفتح مرحلة جديدة عنوانها تضييق المساحات الرمادية بين الدعوة والسياسة والتنظيم العابر للحدود.

استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب

وأعلنت الإدارة الأمريكية استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب، والتي حملت تحولاً لافتاً في طريقة تعامل واشنطن مع ملف الإسلام السياسي، بعد إدراج جماعة الإخوان المسلمين ضمن المقاربة الأمريكية لمواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، ولا تكمن أهمية هذا التطور فقط في ذكر الجماعة داخل وثيقة رسمية صادرة عن البيت الأبيض، بل في طبيعة الإطار الذي وُضعت فيه؛ إذ لم تعد المسألة محصورة في توصيف الإخوان كتيار سياسي أو حركة أيديولوجية مثيرة للجدل، بل باتت مرتبطة بمنظور أمني أوسع يرى في بعض فروع الجماعة وشبكاتها امتداداً لبنية تهديد عابرة للدول.

ويعكس هذا التحول انتقالاً تدريجياً في السياسة الأمريكية من مراقبة الإسلام السياسي كظاهرة سياسية واجتماعية، إلى التعامل مع بعض مكوناته كجزء من منظومة مرتبطة بالتجنيد، والتمويل، والتحريض، وبناء النفوذ عبر واجهات متعددة.

وتكتسب الخطوة الأمريكية دلالتها الأوسع من كونها جاءت ضمن استراتيجية رسمية لمكافحة الإرهاب، لا ضمن تصريح انتخابي أو موقف إعلامي عابر، فالاستراتيجيات الصادرة عن البيت الأبيض عادة ما ترسم أولويات المؤسسات الأمنية والدبلوماسية والاستخباراتية، وتحدد طبيعة الشركاء والخصوم، ومسارات الضغط، وأدوات المتابعة خلال المرحلة المقبلة.

وبذلك، فإن إدراج الإخوان في هذه الوثيقة لا يعني فقط التعبير عن موقف سياسي من الجماعة، بل يشير إلى احتمال انتقال الملف إلى مستوى أعلى من التنسيق بين الجهات الأمريكية المعنية بمكافحة الإرهاب وتمويله، وإلى إمكانية توسيع المتابعة لتشمل فروعاً وشبكات وواجهات وأذرعاً إعلامية أو خيرية أو دعوية ترى واشنطن أنها قد تخدم البنية التنظيمية أو تسهّل تمددها عبر الحدود.

ورغم أن الخطاب المتداول حول القرار يوحي أحياناً بأن الولايات المتحدة صنفت التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بكامله، فإن القراءة الدقيقة تشير إلى أن السياسة الأمريكية تتحرك باتجاه تصنيف تدريجي وانتقائي لفروع محددة، وليس إعلاناً شاملاً دفعة واحدة ضد كل من يرتبط تاريخياً أو فكرياً بالجماعة، وهذا التمييز مهم جداً، لأن التصنيف القانوني في النظام الأمريكي يحتاج إلى تحديد كيان أو فرع أو شبكة بعينها، وإثبات ارتباطات تنظيمية أو مالية أو عملياتية محددة، بينما يسمح الخطاب الاستراتيجي بتوسيع دائرة الضغط السياسي والأمني على البيئة المحيطة بالتنظيم، ومن هنا، تبدو واشنطن وكأنها تعتمد مقاربة مزدوجة: من جهة، خطوات قانونية محددة ضد فروع أو كيانات بعينها؛ ومن جهة أخرى، خطاب استراتيجي أوسع يضع الجماعة ضمن خريطة التهديدات العابرة للحدود.

ويحمل إدراج الإخوان المسلمين إلى جانب تنظيمات مثل القاعدة وداعش وداعش-خراسان والقاعدة في جزيرة العرب دلالة أمنية ثقيلة، لأن المقارنة لا تضع الجماعة فقط في خانة التنظيمات السياسية العابرة للحدود، بل تربطها بالبيئة الأوسع للتطرف العنيف كما تراها واشنطن، فالإدارة الأمريكية تبدو معنية ليس فقط بالكيانات المسلحة التي تنفذ عمليات مباشرة، بل أيضاً بالشبكات التي قد توفر غطاءً أيديولوجياً أو سياسياً أو مالياً أو دعائياً لحركات أكثر عنفاً، وهذه المقاربة تنقل النقاش من سؤال: هل تمارس الجماعة العنف مباشرة؟ إلى سؤال أوسع: هل تساهم بعض فروعها أو واجهاتها أو خطابها في بناء بيئة تسمح بالتجنيد، أو تبرير العنف، أو توفير الشرعية المعنوية للتنظيمات المتطرفة؟

حدود مكافحة الإرهاب

ومن الزاوية الحقوقية، يفتح هذا التحول نقاشاً حساساً حول حدود مكافحة الإرهاب ومعايير التصنيف، لأن أي توسع في هذا النوع من السياسات قد ينعكس على المجال المدني، وحرية التنظيم، والخطاب الديني، والمشاركة السياسية، فمكافحة الإرهاب ضرورة لحماية أمن المجتمعات والدول، لكنها تصبح أكثر تعقيداً عندما تتداخل مع جماعات لها امتدادات سياسية أو اجتماعية أو دعوية أو خيرية.

لذلك، فإن معيار النجاح في هذه المقاربة لا يرتبط فقط بقدرة الدول على إصدار تصنيفات أو فرض عقوبات، بل بقدرتها على التمييز بين النشاط السلمي المشروع من جهة، والتحريض أو التمويل أو الدعم التنظيمي أو توفير الغطاء للعنف من جهة أخرى، فغياب هذا التمييز قد يفتح الباب أمام تعميمات واسعة، بينما وجود إجراءات قانونية واضحة ومعايير إثبات دقيقة يساعد على حماية الأمن دون تحويل مكافحة الإرهاب إلى أداة فضفاضة تمس الحقوق الأساسية.

كما أن البعد الحقوقي لا يجب أن يُقرأ من زاوية الدفاع عن الجماعة أو مهاجمتها فقط، بل من زاوية أوسع تتعلق بالضمانات القانونية، فالتصنيف الإرهابي، سواء صدر عن الولايات المتحدة أو غيرها، تترتب عليه آثار عميقة تشمل تجميد الأصول، وتجريم تقديم الدعم المادي، وتقييد التعاملات المالية، وفرض قيود على السفر والتواصل والتمويل، لذلك، فإن أي مسار تصنيفي يحتاج إلى شفافية في الأدلة، وإجراءات واضحة، وإمكانية للطعن أو المراجعة، وفصل دقيق بين الانتماء الفكري أو السياسي وبين الارتباط الفعلي بتنظيم مصنف أو نشاط محظور، وهذه النقطة تحديداً هي ما يجعل الملف مفتوحاً على جدل حقوقي وقانوني طويل، خصوصاً إذا توسعت واشنطن في الضغط على الحلفاء لتبني مقاربة مشابهة.

أما دينياً وفكرياً، فإن إدراج الإخوان في الاستراتيجية الأمريكية يعيد طرح سؤال قديم حول توظيف الدين في التنظيم السياسي والعمل العابر للحدود، فالوثيقة الأمريكية تنطلق من رؤية تعتبر أن بعض الحركات الإسلامية الحديثة استندت إلى جذور أيديولوجية مرتبطة بالإخوان أو تأثرت بها، وأن هذه الجذور ساهمت، بدرجات مختلفة، في إنتاج خطاب سياسي ديني يتجاوز حدود الدولة الوطنية.

ولا يعني ذلك أن التدين أو النشاط الديني بحد ذاته يقع ضمن دائرة الاتهام، بل إن الإشكال يظهر عندما تتحول المرجعية الدينية إلى مشروع تنظيمي مغلق، أو إلى أداة للتعبئة السياسية العابرة للدول، أو إلى خطاب يمنح شرعية أخلاقية أو دينية للصراع والعنف والانقسام، ومن هنا، قد يدفع هذا التطور إلى نقاش أوسع داخل المجتمعات العربية والإسلامية حول الفصل بين الدين كقيمة روحية وأخلاقية، وبين استخدامه كإطار حزبي وتنظيمي للصراع على السلطة وبناء النفوذ.

تنظيمات عابرة للحدود

عربياً، يمكن قراءة الموقف الأمريكي الجديد باعتباره تطوراً مهماً للدول التي سبق أن اتخذت مواقف حادة من جماعة الإخوان، واعتبرتها تهديداً للأمن الوطني والاستقرار السياسي، فإدراج الجماعة ضمن استراتيجية أمريكية رسمية يمنح هذه الدول سنداً سياسياً إضافياً في مواجهة التنظيمات العابرة للحدود والواجهات المرتبطة بها، كما يعزز خطابها القائم على أن الخطر لا يقتصر على النشاط المحلي، بل يرتبط بشبكات عابرة للحدود تتحرك بين السياسة والدعوة والعمل الخيري والإعلام.

وتبقى الحسابات العربية غير موحدة، لأن حضور الإخوان يختلف من دولة إلى أخرى؛ ففي بعض الدول تظهر الجماعة كتنظيم محظور أو مصنف، وفي دول أخرى توجد أحزاب أو جمعيات أو شخصيات قريبة من مرجعيتها ضمن مساحات قانونية أو سياسية مختلفة، وهو ما يجعل انعكاسات الاستراتيجية الأمريكية متفاوتة بحسب البنية القانونية والسياسية والأمنية لكل دولة.

إقليمياً، قد يترجم هذا التحول إلى ضغط أكبر على الشبكات العابرة للحدود، خصوصاً تلك التي تتحرك عبر التمويل، وجمع التبرعات، والمنصات الإعلامية، والمنظمات الواجهة، وشبكات المناصرة الدولية، فالاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا تبدو معنية فقط بالكيانات المسلحة، بل بالبنية المحيطة التي قد تمنحها الدعم أو الغطاء أو الشرعية أو القدرة على التأثير، وقد يدفع ذلك عدداً من الدول إلى مراجعة سياساتها المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب، والرقابة على التحويلات المالية، وتنظيم العمل الخيري، ومراقبة الخطاب الإعلامي المؤدلج، وتقييم العلاقات بين بعض المؤسسات المدنية أو الدعوية وبين التنظيمات العابرة للحدود، وفي هذا السياق، يصبح الملف جزءاً من معادلة أوسع تتصل بالأمن الوطني، والاستقرار الإقليمي، وحماية المجال العام من الاختراق التنظيمي.

ولا يقتصر الملف على القرار القانوني أو الأمني، بل يمتد أيضاً إلى معركة سرديات إعلامية، فأنصار الجماعة أو المتعاطفون معها سيحاولون تقديم التطور باعتباره استهدافاً سياسياً للإسلاميين أو تضييقاً على المعارضة أو استخداماً فضفاضاً لتهمة الإرهاب، بينما ستقدمه الدول والجهات المناهضة للإخوان باعتباره اعترافاً أمريكياً متأخراً بخطورة التنظيم العابر للحدود وشبكاته الممتدة.

التمييز بين الوقائع والتعميمات

بين هاتين الروايتين، تبرز أهمية الإعلام المهني القادر على التمييز بين الوقائع والتعميمات، وبين التصنيف القانوني والتحليل السياسي، وبين التنظيمات المصنفة والنشاط السلمي المشروع، فالتغطية الإعلامية غير الدقيقة قد تحول الخبر إلى أداة تعبئة واستقطاب، بينما التغطية التحليلية المتوازنة تساعد الجمهور على فهم ما جرى فعلاً، وما لم يجرِ، وما قد يترتب عليه لاحقاً.

قانونياً، يحمل أي تصنيف لفروع أو كيانات مرتبطة بالإخوان آثاراً واسعة لا تقف عند حدود الولايات المتحدة، لأن النظام المالي العالمي شديد الارتباط بالمؤسسات الأمريكية وبالعقوبات الصادرة عنها، فتجميد الأصول، وتقييد التحويلات، وتجريم الدعم المادي، وفرض القيود على المؤسسات أو الأفراد المرتبطين بكيانات مصنفة، كلها إجراءات قد تمتد آثارها إلى خارج الحدود الأمريكية.

لذلك، فإن أي توسع في التصنيف قد ينعكس على المؤسسات التي يشتبه بصلتها بالفروع المصنفة، أو على شبكات التمويل التي تتحرك بين دول مختلفة، أو على المنصات والكيانات التي تقدم دعماً إعلامياً أو سياسياً أو مالياً يمكن أن تفسره واشنطن ضمن نطاق الدعم المادي أو المعنوي لكيانات محظورة، ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين الخطاب السياسي وبين التصنيف القانوني، لأن ليس كل انتقاد للجماعة يعني مسؤولية قانونية، وليس كل ارتباط فكري أو تاريخي يعني تلقائياً تورطاً في نشاط محظور.

وتبدو الاستراتيجية الأمريكية الجديدة أيضاً محاولة لبناء اصطفاف دولي أوسع في مواجهة ما تعتبره واشنطن تهديدات عابرة للحدود، وهذا يعني أن الولايات المتحدة قد تسعى خلال المرحلة المقبلة إلى دفع حلفائها، خصوصاً في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، نحو تعاون أكبر في مراقبة فروع الجماعة وواجهاتها ومسارات تمويلها.

وقد يضع هذا الأمر بعض الدول أمام اختبار سياسي وقانوني معقد، خاصة الدول التي لم تعتمد حتى الآن تصنيفاً واضحاً للإخوان، أو التي تفضل التعامل مع الملف من زاوية الرقابة السياسية والأمنية دون الوصول إلى الحظر الكامل أو التصنيف الإرهابي، وهنا قد تظهر فجوة بين المقاربة الأمريكية الحادة، والمقاربات الأوروبية أو الدولية الأكثر حذراً في التعامل مع الجماعات السياسية والدينية ذات الامتدادات الاجتماعية.

تقليص المساحات الرمادية

يمثل إدراج الإخوان المسلمين في استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية محاولة لتقليص المساحات الرمادية التي تحركت فيها الجماعة لعقود بين السياسي والدعوي والخيري والإعلامي، فالتنظيمات العابرة للحدود غالباً ما تستفيد من صعوبة الفصل بين الواجهة المدنية والبنية التنظيمية، وبين الخطاب العام والولاء الداخلي، وبين النشاط المحلي والامتداد الدولي.

ومن هذه الزاوية، قد تكون المرحلة المقبلة أكثر صعوبة على الجماعة وشبكاتها، ليس فقط بسبب احتمال توسع التصنيفات، بل بسبب زيادة التدقيق في التمويل والعلاقات والشراكات والمنابر الإعلامية والواجهات المدنية، وفي المقابل، قد تؤدي الضغوط المتزايدة إلى محاولات إعادة تموضع تحت عناوين جديدة، أو عبر خطاب حقوقي وإعلامي مختلف، أو من خلال تفكيك الروابط التنظيمية الظاهرة مع الإبقاء على شبكات التأثير غير المباشرة.