منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

شائعات الإيبولا تدفع الحوامل بعيداً عن المستشفيات وتفاقم أزمة وفيات الأمهات في الكونغو

04 أغسطس 2026
فحص إحدى السيدات في الكونغو
فحص إحدى السيدات في الكونغو

الخوف من الإصابة بفيروس الإيبولا لم يقتصر في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية على القلق من العدوى، بل امتد ليخلق أزمة صحية جديدة تدفع النساء الحوامل إلى تجنب المستشفيات وتأجيل الفحوصات الطبية الضرورية، وهو ما أدى إلى ارتفاع مقلق في وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة، وسط تحذيرات أممية من أن المعلومات المضللة أصبحت تهدد حياة النساء بقدر ما يهددهن الفيروس نفسه.

وأفادت وكالة أسوشيتد برس، نقلاً عن مسؤولين صحيين وبيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان، بأن المخاوف من العزل الصحي والإصابة بالإيبولا دفعت أعداداً كبيرة من النساء الحوامل إلى الابتعاد عن المرافق الصحية منذ إعلان السلطات تفشي فيروس إيبولا في إقليم إيتوري يوم 15 مايو الماضي، الأمر الذي انعكس مباشرة على ارتفاع وفيات الأمهات وتراجع الإقبال على خدمات رعاية الحمل والولادة.

تعكس قصة إستر لوتولا، البالغة من العمر 26 عاماً، حجم هذه المخاوف. فقد أوقفت زياراتها الدورية لمتابعة الحمل بعد فترة قصيرة من إعلان تفشي الإيبولا، خشية أن يعزلها الأطباء إذا ظهرت عليها الحمى، رغم أن هذا الاعتقاد لا يستند إلى أسس طبية، وقالت من مدينة بونيا، عاصمة إقليم إيتوري، إنها فضلت الانتظار حتى انتهاء التفشي قبل العودة إلى المستشفى، وهو قرار يرى العاملون في القطاع الصحي أنه قد يعرض حياة كثير من النساء وأطفالهن للخطر.

ارتفاع مقلق في الوفيات

أظهرت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان ارتفاع متوسط وفيات الأمهات في إقليم إيتوري من 3.1 حالة أسبوعياً قبل تفشي الإيبولا إلى 5.8 حالة أسبوعياً خلال الفترة الممتدة بين 25 مايو و19 يوليو، كما ارتفعت نسبة الوفيات التي حدثت خارج المراكز الصحية من 9.1 بالمئة إلى 17.4 بالمئة خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس تزايد اعتماد النساء على الولادة خارج المؤسسات الصحية بسبب الخوف من الذهاب إليها.

وأكدت نعومي دالمونتي، نائبة ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أن الإقليم يسجل حالياً نحو ست وفيات للأمهات أسبوعياً بسبب مضاعفات الحمل والولادة، موضحة أن انتشار الشائعات المرتبطة بالإيبولا عمق حالة انعدام الثقة في المؤسسات الصحية، ودفع كثيراً من النساء إلى تفادي الحصول على الرعاية الطبية حتى في الحالات الطارئة.

تراجع كبير في خدمات الحمل

رصد العاملون في القطاع الصحي انخفاضاً حاداً في أعداد الحوامل اللاتي يراجعن المستشفيات والعيادات، وأوضحت الطبيبة سوني ميمبو التي تعمل في عيادة بينديكت بمدينة بونيا أن عدد النساء المسجلات للحصول على رعاية ما قبل الولادة تراجع من نحو 60 امرأة شهرياً إلى نحو 10 فقط، في مؤشر واضح على حجم الخوف الذي يسيطر على السكان.

وتقول إيلودي يابيري التي تعيش أشهر حملها الأخيرة، إنها تتجنب الذهاب إلى المستشفى قدر الإمكان؛ لأنها تخشى أن يضعها الأطباء في الحجر الصحي بمجرد شعورها بالإرهاق أو الحمى، وأضافت أنها تكتفي بمتابعة حركة جنينها باعتبارها دليلاً على سلامته، وهو اعتقاد يحذر الأطباء من خطورته لأنه قد يخفي مضاعفات تحتاج إلى تدخل طبي عاجل.

ضغوط على النظام الصحي

يواجه النظام الصحي في جمهورية الكونغو الديمقراطية تحديات كبيرة مع استمرار انتشار الإيبولا، حيث يستهلك التعامل مع التفشي جزءاً كبيراً من الموارد الطبية والبشرية، في حين تتراجع الخدمات الأساسية الخاصة بالأمومة والطفولة، كما يواجه العاملون في المجال الصحي صعوبات إضافية بسبب تعرض بعض مراكز علاج الإيبولا لهجمات من السكان الذين تأثروا بالمعلومات المضللة أو رفضوا الإجراءات الوقائية الصارمة.

وسجل التفشي الحالي أكثر من 1600 وفاة مؤكدة، في وقت يواصل فيه المسؤولون الصحيون حملات التوعية لمواجهة الشائعات وتصحيح المفاهيم الخاطئة حول المرض، خاصة بين النساء الحوامل اللاتي يحتجن إلى متابعة طبية منتظمة.

مخاطر مضاعفة على الحوامل

أكدت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن إصابة المرأة الحامل بفيروس الإيبولا تزيد من احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة، منها الإجهاض وفقدان الحمل. كما أوضحت نعومي دالمونتي أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في الإصابة بالفيروس، بل أيضاً في تأخير الحصول على الرعاية الصحية؛ لأن كثيراً من النساء يفقدن فرصة العلاج في الوقت المناسب نتيجة الخوف من المستشفيات.

وأضافت أن توفير المعلومات الصحيحة وتعزيز ثقة السكان بالمرافق الصحية يمثلان عنصرين أساسيين لحماية الأمهات والحد من ارتفاع الوفيات، مؤكدة أن الرعاية الطبية المبكرة تنقذ حياة النساء حتى في ظل استمرار مواجهة الإيبولا.

تعد جمهورية الكونغو الديمقراطية من أكثر دول العالم تأثراً بفيروس الإيبولا، وشهدت خلال العقود الماضية عدة موجات تفشٍ أودت بحياة آلاف الأشخاص، وينتقل الفيروس عبر ملامسة سوائل جسم المصاب أو الأدوات الملوثة، ويتميز بارتفاع معدل الوفيات إذا لم يحصل المريض على الرعاية الطبية المناسبة.

كما تسجل البلاد واحداً من أعلى معدلات الخصوبة في العالم، إذ تنجب المرأة نحو ستة أطفال في المتوسط، في حين تشير أحدث بيانات الأمم المتحدة إلى وفاة ما لا يقل عن 19 ألف امرأة بسبب مضاعفات الحمل والولادة خلال عام 2023، لتحتل الكونغو المرتبة الثانية عالمياً بعد نيجيريا في عدد وفيات الأمهات، في حين تمثل منطقة إفريقيا جنوب الصحراء نحو 70 بالمئة من وفيات الأمهات على مستوى العالم، مع تسجيل قرابة 180 ألف حالة وفاة سنوياً في القارة بسبب مضاعفات الحمل والولادة.