منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ساعة ري مفقودة.. صغار مزارعي مصر في مواجهة كلفة الندرة المائية

07 سبتمبر 2026
أزمة الري وصغار المزارعين في مصر
أزمة الري وصغار المزارعين في مصر

لا يقيس المزارع المصري عبد الله يحيى أزمة المياه بالمليارات من الأمتار المكعبة، مقياسه أبسط من ذلك بكثير: ساعة واحدة، فهو يملك ثلاثة أفدنة في إحدى قرى الفيوم، ويقول إن أرضه كان يفترض أن تحصل على ساعتين من مياه الري أسبوعيا، لكن ما وصل إليها خلال موسم الصيف لم يتجاوز ساعة واحدة.

الساعة التي غابت عن جدول الري لم تبق رقما على الورق، يقول عبد الله لـ”صفر” إنه لم يتمكن من زراعة نحو 75% من أرضه، وإن مزارعين مجاورين واجهوا المشكلة نفسها، وبالنسبة إليه، تعني الأرض التي لم تزرع تكاليف لم تسترد ومحصولا لم ينتج ودخلا فقده قبل أن يبدأ الموسم.

تجربة عبد الله مع فلسفة الري تنسحب على الكثير من صغار المزارعين في مصر، وتضع أيضا وجها إنسانيا لسؤال أكبر تفرضه الندرة المائية في البلاد: كيف تصل كلفة إدارة مورد محدود إلى أصحاب الحيازات الصغيرة، وهل يمتلكون القدرة نفسها على التكيف معها؟

موارد أقل من الطلب

تواجه مصر فجوة كبيرة بين احتياجاتها المائية والموارد المتاحة، ففي عرض رسمي لوزارة الموارد المائية والري في يناير/كانون الثاني 2026، بلغ الطلب السنوي نحو 88.55 مليار متر مكعب، مقابل 65.35 مليار متر مكعب من الموارد المائية المتجددة، فيما تسد الدولة جزءا من الفجوة بإعادة استخدام نحو 23.20 مليار متر مكعب من المياه سنويا.

وتقع الزراعة في قلب هذه المعادلة، إذ يبلغ طلبها نحو 68.10 مليار متر مكعب سنويا، مقابل 12.45 مليارا لمياه الشرب و5.50 مليارات للصناعة و2.50 مليار للاستخدامات الأخرى، وفي الوقت نفسه، تراجع نصيب الفرد من المياه في مصر إلى نحو 500 متر مكعب سنويا، بحسب تصريحات وزير الموارد المائية والري في 2026، أي نصف خط الفقر المائي المقدر بألف متر مكعب للفرد سنويان فيما كانت الحصة تقارب ألفي متر مكعب عام 1962.

ويزيد اعتماد مصر الكبير على النيل حساسية وضعها المائي، إذ تقول وزارة الري إن النهر يوفر نحو 98% من موارد البلاد المائية، بينما تواجه الدولة بالتوازي ضغوط النمو السكاني و تغير المناخ وارتفاع الطلب، لكن هذه المؤشرات الوطنية لا تفسر بمفردها، سبب نقص مياه الري في أرض بعينها، فانتظام وصول المياه إلى الحقول يرتبط أيضا بإدارة شبكات الري والمناوبات وحالة البنية المائية وموقع الأرض داخل الشبكة، وهي عوامل يجب التمييز بينها وبين العجز المائي القومي عند تقييم حالة كل منطقة.

الندرة لا تصل إلى الجميع بالطريقة نفسها

لا تتوقف المشكلة عند مقدار المياه المتاح، بل تمتد إلى قدرة المزارع على تحمل نقصها، فصاحب الحيازة الصغيرة الذي يعتمد جانب كبير من دخله على موسم زراعي واحد قد تكون مساحة غير مزروعة بالنسبة إليه خسارة مباشرة يصعب تعويضها، فيما تحتاج بعض حلول التكيف، سواء تطوير أساليب الري أو تغيير المحاصيل أو تحمل تكاليف إضافية، إلى قدرة مالية وفنية لا تتوافر بالدرجة نفسها لجميع المنتجين.

ويقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الزراعة تستحوذ على نحو 85% من استخدامات المياه في مصر، ويربط الضغوط على الموارد المائية بعوامل تشمل النمو السكاني وتغير المناخ وتراجع تدفقات النيل، كما تشير تقديراته إلى احتمال انخفاض إنتاجية بعض المحاصيل الرئيسية، ومنها القمح والذرة، بما يصل إلى 19% بحلول 2050 نتيجة آثار تغير المناخ.

ولا يعني ذلك أن تغير المناخ هو السبب المثبت لخسارة عبد الله في موسمه الحالي، لكنه يضيف ضغطا طويل الأمد إلى قطاع يعتمد بصورة مباشرة على انتظام المياه، ومن هنا تتحول الندرة المائية إلى قضية عدالة أيضا، تتمحور حول التساؤل التالي: هل يستطيع صغار المزارعين التكيف مع المورد المحدود من دون أن تتحول كلفة التكيف نفسها إلى عبء يهدد مصدر رزقهم؟

الدولة: إدارة كل قطرة

يقول المهندس وليد حقيقي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الموارد المائية والري، إن مصر تتعامل مع المياه باعتبارها قضية أمن قومي، وإن الاستراتيجية القومية للمياه حتى عام 2050 تقوم على الإدارة المتكاملة للموارد وإدارة الطلب وتعظيم العائد من كل وحدة مياه ورفع كفاءة البنية الأساسية.

ويضيف حقيقي في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن الوزارة تعمل ضمن ما تصفه بـ”الجيل الثاني لمنظومة إدارة المياه”. سألنا كيف ؟ فأجاب: “عبر توسيع استخدام البيانات والتكنولوجيا وتنويع المصادر ومعالجة مياه الصرف الزراعي والتحلية، إلى جانب الاستعانة بالذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة في الرصد والمتابعة”.

وتشمل الإجراءات كذلك تأهيل الترع والمنشآت المائية ورقمنة الشبكات، فيما يشير حقيقي إلى أن قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021 منح المزارعين دورا من خلال روابط مستخدمي المياه للمشاركة في إدارة وصيانة شبكات الري المحلية بالتنسيق مع الوزارة.

وبالنسبة إلى صغار المزارعين تحديدا، يقول المتحدث إن نجاح التحول إلى نظم الري الحديثة يحتاج إلى شراكة معهم، وإن الوزارة توفر الدعم الفني والحقول الإرشادية لمساعدتهم على اختيار النظم الملائمة لطبيعة الأراضي وأحجام الحيازات، مؤكدا أن ترشيد المياه لا يعني بالضرورة خفض الإنتاج، وإنما رفع كفاءة الاستخدام وزيادة الإنتاجية والعائد الاقتصادي.

من يتحمل كلفة التكيف؟

لكن الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ في مصر، يرى أن تقييم إدارة الندرة لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الموارد والمشروعات، بل يجب أن يشمل من يتحمل كلفة التحول.

ويقول فهيم لـ”صفر” إن مسؤولية الدولة تشمل حسن إدارة الموارد وتقليل الفاقد وتنويع مصادر المياه وضمان عدالة الوصول إليها، خصوصا للفئات والمناطق الأكثر احتياجا، مشددا على أن صغار المزارعين لا ينبغي أن يتحملوا وحدهم الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للانتقال إلى نظم أكثر كفاءة، وأن تطوير أساليب الري والزراعة يجب أن يقترن بدعم يمكنهم من التكيف.

وبالنسبة إليه، لا يكفي قياس نجاح السياسة المائية بعدد المشروعات أو حجم الإنفاق، بل بما يصل إلى المزارع نفسه، وبما يجيب على الأسئلة الملحة: هل تحسنت كفاءة المياه؟ هل انخفض الفاقد؟ وهل استفاد أصحاب الحيازات الصغيرة فعليا من برامج التطوير؟، داعيا في الوقت عينه إلى إتاحة البيانات والمؤشرات بصورة منتظمة بما يسمح بتقييم السياسات المائية ونتائجها على أساس علمي.

ما بين المليار والساعة

تدير مصر ميزانا مائيا تحسب تفاصيله بمليارات الأمتار المكعبة، لكن هذه الأرقام تتغير وحدتها عندما تصل المياه إلى باب الحقل.

بالنسبة إلى عبد الله، لم تكن المشكلة 88.55 مليار متر مكعب من الطلب ولا 65.35 مليار متر مكعب من الموارد المتجددة. كانت ساعة ري لم تصل لحقله؛ فأثرت على موازنته المائية وعلى حصاده الموسمي، إذ بقيت ثلاثة أرباع أرضه خارج الموسم الزراعي. حسبما قال لـ”صفر” .

في بلد يواجه فجوة متزايدة بين موارده المائية واحتياجاته، لا تتوقف عدالة إدارة المياه عند القدرة على توفير كل متر مكعب ممكن، بل تمتد إلى كيفية توزيع كلفة الندرة نفسها، فكلما ضاق المورد أصبحت حماية الفئات الأقل قدرة على التكيف جزءا من كفاءة الإدارة لا مسألة منفصلة عنها، ولا تقاس نتائج السياسات المائية بحجم المشروعات أو تطور تقنيات الإدارة وحدها، وإنما بما يبقى من الأرض قابلا للزراعة، وبقدرة المزارع على مواصلة إنتاجه من دون أن تتحول ندرة المياه من قرار تصنعه السياسات إلى خسارة يتحملها وحده .