دونالد كوهين*
قبل ست سنوات نشرت كتابي «الرحلة الداخلية: مسار نحو الرجولة» الذي رويت فيه قصة العلاقة الاستثنائية التي جمعتني بوالدي ماكس. وعلى مدى ما يقرب من ثلاثين عاماً، تبادلنا -ونحن الاثنان نعمل معالجين نفسيين- مئات الرسائل المكتوبة بخط اليد. كشفنا فيها عن خلافاتنا وأحلامنا، وعن رؤيتنا للسياسة والشغف، وللعائلة والصداقة، وللهشاشة الإنسانية ومعنى الرجولة.
ما بدأ بوصفه محاولة واعية لعبور المسافة العاطفية التي يعجز كثير من الآباء والأبناء عن تجاوزها، تحول إلى أعمق شريان دعم عرفته في حياتي.
رحل والدي عام 2011، لكن حوارنا لم يتوقف يوماً.
لقد حاولت أن أسير على خطاه بأفضل ما أستطيع، وأنا أربي طفليّ جاريد وإيميلي، وأكتشف بنفسي أفراح الأبوة ومخاوفها وإرهاقها وجمالها العميق، ذلك الجمال الذي أمضى سنوات طويلة يهيئني لفهمه. واليوم أصبح جاريد وإيميلي بدورهما أباً وأماً، ويخوضان التحديات المقدسة نفسها، والانتصارات المبهجة ذاتها، والانكسارات الصامتة التي ترافق رحلة تربية الأبناء.
وهكذا تستمر الدائرة في الدوران.
أن تكون أباً هو أمر مرهق ومثير في آن واحد، محبط ومفعم بالنشوة في الوقت نفسه. إنها التجربة الأكثر تواضعاً وإخافة ومكافأة التي عشتها في حياتي.
ولم أكن لأستبدل بلحظة واحدة منها أي شيء آخر.
ومع اقتراب عيد الأب هذا العام، وبينما أستعد لدخول عامي الخامس والسبعين، أجد نفسي أمد يدي مرة أخرى عبر الحجاب الفاصل بين العالمين. وما يلي هو أحدث رسالة أكتبها إلى والدي في السماء؛ امتداداً لحوار يرفض أن ينتهي. إنها شهادة على حب يتجاوز حدود الجسد، وعلى دروس يتردد صداها عبر الأجيال، وعلى القوة العلاجية للصدق والانكشاف العاطفي بين الرجال.
أبي العزيز،
استيقظت هذا الصباح قبل بزوغ الفجر بقليل، وكان صدري مثقلاً بالشوق إليك مع اقتراب عيد الأب واقترابي أنا أيضاً من عامي الخامس والسبعين.
كنت قد عدت للتو من جبال رواندا التي يغلفها الضباب، حيث سافرت برفقة حفيدك وعائلته الجميلة. هناك، في أعماق تلك البرية العتيقة، اصطحبني إلى المكان الذي اشتعلت فيه روحه لأول مرة بالحلم والشغف، وهو إرث حي ولد من الرحلات التي ساعدنا أنا وأنت يوماً على صنعها عندما كان لا يزال طفلاً صغيراً.
أما حفيدتك، فهي تقف اليوم بشجاعة في الصفوف الأمامية للدفاع عن حقوق الإنسان، مقاتلة متحمسة من أجل العدالة. وحفيدك يشق طريقه بحكمة واتزان في أكثر ممرات العالم تعقيداً بين الصراعات والآمال. وكلاهما يزدهر وينمو، في حين يضيء حياتنا خمسة من أبناء الأحفاد، لكل واحد منهم نوره الخاص وطريقه الفريد.
لا شيء يلامس روحي أكثر من رؤية أبنائي وهم يواجهون التحديات المقدسة والمرهقة والجميلة نفسها التي واجهتها أنا يوماً وجئت أحدثك عنها. أشعر وكأن رسائلنا الأخيرة كانت بالأمس فقط، ومع ذلك فإن شوقي للحديث معك من جديد يزداد اشتعالاً يوماً بعد يوم.
وبوصفي معالجاً أسرياً، حملت ذكرى رسائلنا كمن يحمل مصباحاً يضيء طريقه. لقد رافقتني تلك الرسائل في عملي مع عدد لا يحصى من الآباء والأبناء، وشجعتهم على التحلي بالشجاعة اللازمة للتأمل والمصالحة وبناء روابط لا يمحوها الزمن.
وفي عصر لا يزال كثير من الرجال يجدون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم، تبدو هذه الرسالة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
في رواندا، سرنا عبر الغابات الخضراء الكثيفة لنقف بين الغوريلا العملاقة، ذلك الحلم الذي حملته في قلبك بصمت لسنوات طويلة. شعرت بروحك ترافقني في كل خطوة.
كانت لحظة اكتمال دائرة أخرى في حياتنا؛ تماماً كما اصطحبتني أنت يوماً إلى إسرائيل على أمل أن تعرفني بالجذور القديمة التي أنتمي إليها. وفي سنوات تمردي لم أستطع أن أستوعب قيمة تلك الهدية بالكامل. أما اليوم، وقد بلغ أحفادك الأربعينيات من أعمارهم، وأنا أقترب من الخامسة والسبعين، فإننا نقف معاً في موسم أكثر هدوءاً ونضجاً، مستعدين أخيراً لاحتضان إرثنا المشترك.
أبي،
كما كتبت لك قبل سنوات طويلة: «مرحباً يا أبي»، أجدني أهمس بها مجدداً عبر السماوات: مرحباً.
ومثل لاعب البيسبول الأسطوري لو غيريغ حين وقف في ملعب يانكي معلناً امتنانه للحياة، أقف اليوم بقلب ممتلئ ومتواضع لأقول:
لقد كنت أسعد رجل على وجه الأرض
لأن القدر منحني إياك.
لقد نقلت بأمانة الحب والدروس التي أغدقتها عليّ إلى الأجيال التالية. وأبناء أحفادك يحملون اليوم تلك الشعلة المقدسة إلى المستقبل. وما زالت السلسلة الذهبية متصلة لا تنكسر، بل تزداد بريقاً مع كل جيل جديد.
أحمد الله لأننا اخترنا أن نكتب تلك الرسائل.
لقد أصبحت الجسر الأبدي بيننا، والدليل الحي على معنى أن نحب بعمق، وأن نتحدث بصدق، وألا نعد أبداً الأشخاص الذين يصنعون حياتنا أمراً مفروغاً منه.
فالهشاشة العاطفية ليست ضعفاً كما يظن البعض، بل هي أشجع الطرق نحو أعمق أشكال التواصل الإنساني.
ورغم أنني أعلم أنه لا توجد مكالمات فيديو في الجنة، فإنني ما زلت أرى وجهك. وما زلت أشعر بحبك وهو يحيط بنا ويرعانا.
وفي عيد الأب هذا، أريدك أن تعرف شيئاً واحداً:
لقد منحتنا إرثاً يفوق جماله وقدرته على البقاء كل الكلمات التي يمكن أن تصفه.
شكراً لك على الحب.
ابنك المحب دائماً.
*نقلاً عن نيويورك بوست
