منذ اندلاع التمرد المسلح في شمال مالي عام 2012، لم تعد جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” مجرد تنظيم متشدد يحمل السلاح ضد الدولة، بل تحولت تدريجياً إلى مشروع سياسي ـ عسكري يسعى إلى فرض سلطة موازية على أنقاض الدولة المنهكة.
الجماعة المرتبطة بتنظيم “القاعدة” المتطرف تأسست رسمياً عام 2017 عبر اندماج عدة فصائل، أبرزها “أنصار الدين” و“كتيبة ماسينا”، بقيادة إياد أغ غالي، لكنها عملياً تمثل امتداداً للحركات المتطرفة التي استغلت انهيار مؤسسات الدولة بعد انقلاب 2012، ثم تمددت مستفيدة من الفقر والانقسامات العرقية والفراغ الأمني.
بحلول عامي 2025 و2026، لم تعد الجماعة مجرد فاعل مسلح في الأطراف الصحراوية، بل تحولت إلى القوة الأكثر تأثيراً في الساحل الإفريقي.
ووفق بيانات مشروع “ACLED” المتخصص في رصد النزاعات المسلحة، فإن أعمال العنف السياسي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر أودت بحياة أكثر من 10 آلاف شخص خلال عام 2025 وحده، في حين وسّعت الجماعة عملياتها نحو بنين ونيجيريا وتوغو، في تحول خطِر جعل غرب إفريقيا بأكمله أمام خريطة تهديد جديدة.
وتكشف الهجمات المنسقة التي نفذتها الجماعة في 25 أبريل 2026 حجم التحول الذي طرأ على قدراتها العسكرية، فقد استهدفت الهجمات العاصمة باماكو ومدناً استراتيجية مثل جاو وموبتي وكيدال، في واحدة من أوسع العمليات المسلحة منذ سنوات.
الأمم المتحدة وصفت الوضع بأنه “تدهور خطِر في حقوق الإنسان”، مؤكدة أن مدنيين قُتلوا ونزح آلاف السكان بسبب الهجمات والحصار الذي فرضته الجماعة على بعض المناطق.
اللافت أن الجماعة لم تعد تعتمد فقط على الخطاب العقائدي التقليدي لتنظيم “القاعدة”، بل انتقلت إلى استراتيجية أكثر براغماتية تقوم على اختراق المجتمعات المحلية، فهي تقدم نفسها في بعض المناطق بديلاً عن الدولة، عبر إنشاء محاكم شرعية وتنظيم التجارة وفرض الضرائب وتأمين الطرق مقابل الجباية.
وفي تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” عام 2025، قُدّر عدد مقاتلي الجماعة بنحو 6 آلاف عنصر، مع امتلاكها شبكات تمويل قائمة على التهريب والضرائب غير القانونية والسيطرة على طرق الذهب والتجارة الحدودية.
كما أن الجماعة باتت تستخدم تقنيات حديثة، بينها الطائرات المسيّرة الصغيرة وأجهزة الاتصال الفضائي، ما يعكس تحولها من جماعة تقليدية إلى تنظيم مرن عالي التكيف.
لكن أخطر ما في صعود “نصرة الإسلام والمسلمين” لا يتمثل فقط في قدرتها العسكرية، بل في نجاحها في استثمار أخطاء السلطة. فمنذ الانقلابين العسكريين في مالي عامي 2020 و2021، تزايدت انتهاكات القوات الحكومية ضد المدنيين، وهو ما وفر للتنظيم بيئة خصبة للتجنيد.
ووفق “هيومن رايتس ووتش”، شهد عام 2025 وحده مئات الهجمات ضد المدنيين، تضمنت إحراق أكثر من ألف منزل ونهب آلاف رؤوس الماشية في مناطق وسط مالي.
هكذا، تبدو الجماعة اليوم أقرب إلى “دولة ظل” تتحرك بين الفراغات الأمنية، لا تكتفي بإسقاط هيبة الدولة، بل تسعى تدريجياً إلى الحلول محلها، مستفيدة من هشاشة الحدود وتفكك المؤسسات وتآكل الثقة الشعبية في السلطة المركزية.
كيف ابتلعت الجماعة يوميات الماليين؟
“نصرة الإسلام والمسلمين” لم تكتفِ بتحويل القرى إلى ساحات قتال، بل نجحت في تحويل الاقتصاد والتعليم والتنقل وحتى الغذاء إلى أدوات ضغط وإخضاع.
في عام 2025، صعّدت الجماعة ما بات يُعرف بـ”الحرب الاقتصادية”، عبر استهداف قوافل الوقود والطرق التجارية بين السنغال ومالي.
ووفق بيانات “ACLED”، فإن هذا النهج أصبح أحد أبرز تكتيكات الجماعات المسلحة في الساحل، بهدف خنق المدن وإرباك الحكومات عوضاً عن السيطرة العسكرية المباشرة.
وقد انعكست هذه الإستراتيجية مباشرة على العاصمة باماكو، ففي أواخر 2025، اضطرت السلطات إلى إغلاق مدارس وجامعات بسبب نقص الوقود، فيما امتدت طوابير السيارات أمام محطات البنزين لساعات طويلة.
وبحسب الأمم المتحدة، فإن الحصار الذي فرضته الجماعة على بعض المناطق أدى إلى تعطيل وصول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية، مع تزايد المخاوف من مجاعة موضعية في بعض القرى.
الأطفال كانوا الضحية الأكثر هشاشة، منظمة “يونيسف” أكدت في مايو 2026 أن المدارس والمراكز الصحية تعرضت لهجمات أو أُغلقت بسبب وجود جماعات مسلحة، ما أثّر على مئات الأطفال في مناطق موبتي وغاو، وفي بلد يعاني أصلاً من أحد أدنى معدلات التعليم في العالم، تحولت المدارس إلى مبانٍ خاوية، أو ثكنات مؤقتة، أو أهداف عسكرية.
أما في الريف، فقد فرضت الجماعة نمطاً قاسياً من السيطرة الاجتماعية، فالرعاة والتجار يدفعون “الزكاة” والرسوم مقابل السماح لهم بالمرور أو ممارسة التجارة.
ومن يرفض، يواجه العقاب أو الحرق أو التهجير. “هيومن رايتس ووتش” وثّقت خلال 2025 إحراق أكثر من ألف منزل في وسط مالي على يد عناصر مرتبطة بالجماعة، إضافة إلى نهب أكثر من 3500 رأس ماشية، وهي الثروة الأساسية لسكان تلك المناطق.
تمدد يهدد غرب إفريقيا
لم تعد أزمة “نصرة الإسلام والمسلمين” شأناً مالياً داخلياً، بل تحولت خلال عامي 2025 و2026 إلى تهديد إقليمي يمتد من عمق الساحل حتى تخوم خليج غينيا، فالجماعة التي انطلقت من شمال مالي باتت تتحرك اليوم عبر فضاء جغرافي مفتوح، مستفيدة من حدود رخوة وضعف التنسيق الأمني بين الدول الإفريقية.
بحسب بيانات “ACLED”، شهدت مناطق الحدود بين بنين والنيجر ونيجيريا تصاعداً حاداً في نشاط الجماعة خلال 2025، مع تحول تلك المنطقة إلى “جبهة جديدة” للصراع، قد سجلت بنين أعلى مستويات العنف في تاريخها الحديث، بعدما نفذت الجماعة هجمات دامية ضد الجيش البنيني، بينها هجوم أدى إلى مقتل أكثر من 50 جندياً قرب مجمع “دبليو ـ أرلي ـ بنجاري” الطبيعي.
وفي أكتوبر 2025، أعلنت الجماعة لأول مرة تنفيذ هجوم داخل الأراضي النيجيرية، في مؤشر خطِر على اتساع رقعة نفوذها، هذا التطور يثير مخاوف من نشوء ممر للتطرف يمتد من مالي حتى شمال نيجيريا، بما يربط بين جماعات “القاعدة” و“بوكو حرام” وشبكات التهريب العابرة للحدود.
التوسع لم يكن عسكرياً فقط، بل اقتصادياً أيضاً، فالجماعة تسعى للسيطرة على طرق التجارة والذهب والوقود، لأنها تدرك أن المال هو الوقود الحقيقي للحرب، ووفق تقارير غربية، تعتمد “نصرة الإسلام والمسلمين” على شبكات تهريب وضرائب محلية وفديات رهائن، ما يمنحها استقلالاً مالياً يصعب خنقه بالعقوبات التقليدية.
في المقابل، تبدو الحكومات الإفريقية عاجزة عن بناء إستراتيجية موحدة، فبعد انسحاب القوات الفرنسية وتقليص الوجود الأممي في مالي، ظهر فراغ أمني استغلته الجماعة بسرعة، وتشير تقارير دولية إلى أن تراجع الدعم الغربي، بالتزامن مع اعتماد بعض الأنظمة العسكرية على متعاقدين روس، أسهم في تعقيد المشهد بدل احتوائه.
وحذرت الأمم المتحدة في مايو 2026 من “كارثة إنسانية متفاقمة” بسبب اتساع العمليات المسلحة، مؤكدة أن المدنيين باتوا محاصرين بين الجماعات المتشددة والانتهاكات الحكومية. كما أن استمرار النزوح الجماعي يهدد بإشعال أزمات غذائية وصحية في دول الجوار، خاصة مع تزايد الضغوط على الموارد المحدودة أصلاً.
الخطِر أيضاً أن الجماعة باتت أكثر قدرة على التكيّف التكنولوجي، تقارير ميدانية تحدثت عن استخدام الطائرات المسيّرة وأجهزة الإنترنت الفضائي وأنظمة الاتصال الحديثة، وهو ما يمنحها مرونة في التنقل والتنسيق تتجاوز قدرات بعض الجيوش المحلية.
اليوم، لم تعد “نصرة الإسلام والمسلمين” مجرد جماعة متمردة، بل أصبحت فاعلاً إقليمياً يمتلك المال والسلاح والقدرة على التكيّف الاجتماعي، أما الدولة المالية، فتبدو في كثير من المناطق سلطة غائبة تظهر فقط عبر الحملات العسكرية أو الحواجز الأمنية.
حياة تُختنق وحقوق تتآكل
أكد سيكو غامبي، من أهالي مالي، والناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان، أن الجماعات المرتبطة بالعنف المسلح ما تزال تمثل في نظر الغالبية الساحقة من الشعب المالي “قوى تدمير ممنهجة”، مشيراً إلى أن هذه النظرة لم تتغير منذ اندلاع الأزمة عام 2012 وحتى اليوم، رغم كل التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد.
وقال غامبي في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إن “الشعب المالي ينظر إلى هذه الجماعات بوصفها جماعات إرهابية زرعت الخراب والدمار في كل أنحاء البلاد منذ ظهورها، وهذه القناعة لم تتبدل، بل ترسخت أكثر بعد الأحداث الأخيرة، خصوصاً هجمات 25 أبريل التي أعادت إلى الأذهان حجم التهديد الذي تمثله هذه التنظيمات”.
وفي تفسيره لاستمرار تمدد هذه الجماعات، أشار غامبي إلى أن أحد أبرز العوامل يتمثل في وجود فراغات أمنية واسعة، رغم الجهود التي تبذلها الدولة. وقال إن “اتساع رقعة مالي الجغرافية وتعقيد تضاريسها يجعلان من الصعب للغاية السيطرة الكاملة على جميع المناطق، وهو ما يمنح هذه الجماعات هامش حركة كبيراً”.
ونبّه إلى أن طبيعة هذا الصراع غير متكافئة، حيث تواجه الدولة تشكيلات مرنة تعتمد على أساليب حرب العصابات، ما يزيد من تعقيد المواجهة.
وأضاف أن التحولات في السياسة الخارجية لمالي كان لها تأثير غير مباشر على المشهد الأمني، موضحاً أن “النهج الجديد للدولة، خاصة في ما يتعلق بعلاقاتها مع دول الجوار ودول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس)، أدى إلى نوع من الانغلاق، وهو ما انعكس على مستوى التنسيق الأمني الإقليمي، ومنح الجماعات المسلحة فرصة أكبر للتحرك والتوسع”.
وفي ما يتعلق بتأثير هذه الجماعات على الحياة اليومية، قال غامبي إن الأوضاع أصبحت “شديدة القسوة”، مشيراً إلى أن أنشطة السكان تأثرت بشكل مباشر في مختلف المجالات.
وأضاف: “الحياة اليومية تعطلت بشكل كبير، سواء في العمل أو التنقل أو الزراعة، في القرى والمناطق النائية، توقف كل شيء تقريباً، وحتى في المدن الكبرى بات الوصول إلى الوقود صعباً، وأصبحت الخدمات الأساسية غير مستقرة”.
وعن تقييمه لأداء الدولة، قال غامبي إن المواطنين يدركون وجود جهود حكومية، لكنه شدد على أن هذه الجهود لم تترجم حتى الآن إلى نتائج ملموسة، مضيفا: “نعم، هناك قناعة بأن الدولة تحاول، لكن الناس لا يرون تحسناً حقيقياً على الأرض، وهذا يخلق فجوة بين التوقعات والواقع، ويؤثر في مستوى الثقة”.
وفي ختام تصريحه، أكد غامبي أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط، داعياً إلى تبني مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمة.
وأشار إلى أن إطلاق حوار شامل قد يشكل نقطة تحول حقيقية، إذا ما توفرت له الإرادة السياسية والضمانات اللازمة، مضيفاً أن “مستقبل البلاد أصبح على المحك، والاستمرار في النهج الحالي دون معالجة سياسية واجتماعية عميقة قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد”.
صراع يبتلع المستقبل
من جانبه، أكد الإعلامي المالي حمزة سيد، أن جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم “القاعدة” تمثل فاعلاً مسلحاً يسعى منذ عام 2012 إلى فرض نفسه كقوة موازية للسلطة في البلاد، مشيراً إلى أن مسارها لم يعد يقتصر على العمل المسلح التقليدي، بل تطور إلى محاولة مستمرة للتأثير في معادلة الحكم والسيطرة على مناطق واسعة من الأراضي المالية.
وأشار في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن جزءاً من النقاش السياسي في الخارج بات يتجه نحو الدعوة إلى التفاوض مع هذه الجماعات المسلحة، حيث برز في أوساط المعارضة في المنفى من يطالب بفتح قنوات حوار مع التنظيمات المتطرفة، وهو ما اعتبره تطوراً مثيراً للجدل يعكس حجم التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة في مالي.
وأكد حمزة سيد أن النظرة الشعبية تجاه جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” ما تزال في جوهرها سلبية، إذ يعتبرها المواطنون تنظيماً إرهابياً، في بلد تصل فيه نسبة المسلمين إلى نحو 95% من السكان، لكنه نبه في الوقت ذاته إلى تحول لافت في بعض المناطق الريفية، حيث بات بعض السكان تحت سيطرة الجماعة يرون أن إدارتها اليومية قد تبدو “أكثر عدالة” مقارنة بسلطات الدولة، خصوصاً فيما يتعلق بغياب الرشاوى وفرض قواعد محلية صارمة.
وأضاف أن هذا التناقض يعكس حالة مركبة يعيشها المجتمع المالي، حيث تتقاطع عوامل الخوف والاضطرار مع تقييمات مقارنة بين سلطتين: سلطة الدولة وسلطة الجماعات المسلحة.
وفي سياق متصل، قال إن ثقة المواطنين في قدرة الحكومة على مواجهة هذا التهديد تراجعت بشكل ملحوظ، مشيراً إلى أن ذلك تعزز بعد الهجمات التي استهدفت مواقع عسكرية حساسة، بينها حادثة كاتي التي أدت إلى اغتيالات داخل منشآت عسكرية وصفت بأنها من أكثر المواقع تحصيناً في البلاد.
وأشار كذلك إلى أن الجماعة تحاول توظيف هذا الوضع لتقديم نفسها كطرف “يحمي” بعض الفئات المهمشة، رغم أن ممارساتها المسلحة تعمّق الأزمة الإنسانية وتزيد من هشاشة الأوضاع الأمنية.
وفي ما يتعلق بالعوامل التي ساعدت على تمدد نفوذ الجماعة، أوضح حمزة سيد أن ذلك يرتبط بجملة من التطورات السياسية والأمنية، من بينها ما وصفه بـ“تشدد الحكم العسكري” في مالي، إلى جانب تدهور العلاقات مع المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية.
وأضاف أن إعادة تموضع السياسة الخارجية لمالي، ومنها ذلك التقارب مع روسيا، أدى إلى تعقيد إضافي في المشهد، حيث أصبح الصراع في البلاد متأثراً بتشابكات إقليمية ودولية متداخلة، مؤكدا أن هذه العوامل مجتمعة وفرت بيئة ملائمة لتوسع الجماعة وتعزيز حضورها في مناطق متعددة.
وفي ما يتعلق بالاستقرار، شدد على أن أي حل واقعي للأزمة لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط، بل يتطلب تدخلاً عاجلاً ومنسقاً من المجتمع الدولي، محذراً من أن تسارع الأحداث قد يقود إلى سيناريوهات أكثر خطورة، ومنها تهديد مباشر للعاصمة باماكو.
ونبّه إلى أن التحولات الأخيرة في خطاب الجماعة، ومنها إشادتها باعتقالات في صفوف ضباط الجيش، تعكس ثقتها المتزايدة في مسار الأحداث، وهو ما يستدعي قراءة دقيقة لموازين القوة المتغيرة على الأرض.
وختم بالتأكيد على أن مالي تقف اليوم أمام لحظة حرجة، حيث تتقاطع فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والاجتماعية، وأن استمرار الوضع الحالي دون معالجة شاملة قد يؤدي إلى مزيد من الانهيار في بنية الدولة والمجتمع.








