يمثل إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة أحد الاختبارات الحقيقية لجدية المؤسسات في احترام حقوق الإنسان، فالشعارات الكبرى مثل “عدم ترك أحد خلف الركب” لا تكتسب معناها إلا عندما تتحول إلى سياسات وميزانيات وترتيبات تيسيرية وإمكانية وصول ومشاركة فعلية في صنع القرار.
استراتيجية الأمم المتحدة لإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة تعكس اعترافاً مؤسسياً بأن الإدماج يجب ألا يكون ملفاً جانبياً، بل جزء من القيادة والتخطيط والتقييم والتدريب والتواصل والبرامج، وهذا مهم لأن المؤسسات الدولية، قبل أن تطالب الدول بالإدماج، يجب أن تكون نموذجاً في ممارسته داخل هياكلها وعملها.
التقدم في مجالات القيادة والتخطيط والترتيبات التيسيرية المعقولة والتدريب يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يعني أن الإدماج تحقق بالكامل، فلا تزال هناك تحديات تتعلق بإمكانية الوصول، والتشاور المنهجي مع منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة، وإدماج الإعاقة في البرامج القطرية، وبيئة العمل، والمشتريات.
إمكانية الوصول ليست مجرد منحدر عند مدخل مبنى، إنها تشمل المعلومات، والمواقع الإلكترونية، والاجتماعات، والوثائق، ووسائل النقل، وبيئة العمل، وأنظمة الشكاوى، وطريقة تصميم البرامج، فالشخص ذو الإعاقة قد يُستبعد ليس بسبب إعاقته، بل بسبب نظام لم يُصمم ليستوعبه.
كما أن الترتيبات التيسيرية المعقولة ليست امتيازاً، بل حق، وهي تعني تعديل البيئة أو الإجراءات لتسمح للشخص بالمشاركة على قدم المساواة، ورفض هذه الترتيبات أو التعامل معها بوصفها عبئاً إداري يعكس فهماً قاصراً للعدالة والمساواة.
الأهم أن الأشخاص ذوي الإعاقة يجب ألا يكونوا موضوعاً للسياسات فقط، بل شركاء في صياغتها، فلا يمكن تصميم برامج إدماج فعالة من دون الاستماع إلى من يعيشون الإقصاء فعلياً، ومبدأ “لا شيء عنا من دوننا” يجب أن يكون قاعدة مؤسسية لا شعاراً احتفالياً.
ويحتاج الإدماج الحقيقي إلى موارد، فغياب التمويل يعني أن الالتزامات ستبقى شكلية، ويحتاج أيضاً إلى تغيير في الثقافة المؤسسية؛ لأن أكبر المعوقات ليست دائماً مادية، بل ذهنية: افتراضات مسبقة، نظرة خيرية، ضعف فهم، أو اعتقاد بأن الإدماج مسألة إضافية لا جوهرية.
حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لا تتحقق عندما نفتح لهم الباب فقط، بل عندما نعيد تصميم المؤسسة بحيث لا يحتاجوا إلى طلب استثناء كل مرة، هذا هو جوهر الإدماج: أن تصبح المساواة جزءاً من النظام، لا منحة تُمنح عند الحاجة.
