في ظل تنامي الاعتراف الدولي بدور الرياضة بوصفها أداة للتنمية والتمكين وتعزيز حقوق الإنسان، ناقش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة سبل تعزيز مشاركة النساء والفتيات في المجال الرياضي، وسط تأكيدات أن الرياضة لا تمثل مجرد نشاط بدني أو منافسة، بل تعد مساراً أساسياً لبناء الثقة والقيادة والمشاركة المجتمعية وتحقيق المساواة بين الجنسين.
وجاءت المناقشات خلال الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف، ضمن حلقة نقاش رفيعة المستوى حول الجهود الرامية إلى تمكين النساء والفتيات في الرياضة، بمشاركة مسؤولين أمميين وخبراء ورياضيات وممثلي دول ومنظمات دولية.
وخلال الحلقة النقاشية تم تسليط الضوء على التقدم المحرز عالمياً والتحديات المستمرة التي تعوق المشاركة الكاملة والمتساوية للنساء والفتيات في مختلف المستويات الرياضية.
الرياضة وحقوق الإنسان
في كلمتها، أكدت نائبة المفوض السامي لحقوق الإنسان أن الرياضة تجسد العديد من المبادئ التي تقع في صميم منظومة حقوق الإنسان، موضحة أنها تسهم في تعزيز الصحة والرفاه وتساعد الأفراد على اكتساب مهارات حياتية أساسية مثل المرونة والثقة بالنفس واحترام الآخرين والسعي نحو التميز.
وأشارت إلى أن الرياضة تمثل أيضاً طريقاً مهماً نحو القيادة والتوظيف والمشاركة المجتمعية، لكنها نبهت في الوقت ذاته إلى أن النساء والفتيات ما زلن يواجهن عقبات كبيرة تحد من مشاركتهن الكاملة في الأنشطة الرياضية سواء على المستوى الترفيهي أو الاحترافي.
وأضافت أن المشاورات التي أجراها مكتب المفوض السامي خلال العام الماضي حول الرياضة والعنصرية كشفت استمرار وجود حواجز منهجية قائمة على النوع الاجتماعي، حيث لا تزال فرص الوصول إلى المرافق الرياضية المناسبة وبرامج التدريب والدعم محدودة أمام النساء والفتيات في العديد من الدول.
تحديات للفئات الأكثر هشاشة
وأكدت نائبة المفوض السامي أن الفتيات والنساء ذوات الإعاقة، وكذلك المنتميات إلى أقليات عرقية وإثنية أو خلفيات مهاجرة، يواجهن أشكالاً متعددة ومتقاطعة من التمييز.
ولفتت إلى أن بعض الدول تفرض قيوداً على مشاركة النساء المسلمات في الرياضة بسبب حظر ارتداء الملابس ذات الدلالات الدينية، في حين تفرض دول أخرى اشتراطات تتعلق بالملابس الرياضية تؤثر سلباً في حرية الحركة والمشاركة.
وأوضحت أن الصور النمطية المرتبطة بالنوع الاجتماعي تبدأ منذ الطفولة، عندما تتعرض الفتيات لرسائل مباشرة أو غير مباشرة توحي بأن القوة والطموح ليستا من الصفات المرتبطة بالأنوثة، وهو ما ينعكس لاحقاً على ثقتهن بأنفسهن وفرص مشاركتهن في الرياضة.
وأكدت أن هذه التصورات تؤدي إلى انسحاب أعداد كبيرة من الفتيات من النشاط الرياضي خلال مرحلة المراهقة، ما يحد من فرصهن في الاستفادة من الفوائد الاجتماعية والتعليمية والصحية التي توفرها الرياضة.
فجوات اقتصادية مستمرة
ورغم التوسع السريع الذي تشهده الرياضة النسائية على المستوى العالمي، شددت المسؤولة الأممية على أن الفجوات الاقتصادية لا تزال قائمة بصورة كبيرة.
وأشارت إلى أن قيمة الرياضة النسائية النخبوية بلغت ما لا يقل عن 2.35 مليار دولار خلال عام 2025، إلا أن الوصول إلى هذه المكاسب المالية لا يزال غير متكافئ، حيث تستمر الفجوات في الأجور والرعاية والاستثمار والتمثيل القيادي.
وقالت إن النساء الرياضيات لا يزلن أقل حصولاً على الرواتب والرعاية وفرص التقدم إلى المناصب القيادية مقارنة بنظرائهن الرجال، مؤكدة أن الصور النمطية لا تعكس عدم المساواة فحسب بل تسهم في إعادة إنتاجها وترسيخها.
مكافحة التمييز والعنف
وأبرزت نائبة المفوض السامي أن العديد من النساء والفتيات يواجهن أشكالاً مختلفة من العنف داخل البيئات الرياضية، ومنها العنف الجنسي والاستغلال والتحرش.
وأكدت الحاجة إلى اعتماد أطر حماية فعالة تتضمن قنوات مستقلة وسرية للإبلاغ عن الانتهاكات وآليات تحقيق ومساءلة فعالة، ما يضمن بيئات رياضية آمنة وشاملة.
وأعربت عن القلق إزاء عودة بعض الهيئات الرياضية إلى اعتماد اختبارات الجنس الجينية الإلزامية، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات تنطوي على مخاطر تمييزية وتمثل انتهاكاً للحقوق الأساسية للرياضيات.
حقوق العمل في الرياضة
من جانبها، أكدت فيرجينيا باكيتي بيرديغاو، مديرة دائرة الإدارة القانونية والشؤون الدولية في جمهورية الرأس الأخضر، أن الرياضة تشكل أداة مهمة لتحقيق المساواة بين الجنسين وتعزيز مشاركة النساء في سوق العمل والحياة العامة.
وأوضحت أن النساء والفتيات اللواتي يمارسن الرياضة يتمتعن بمستويات عليا من الثقة بالنفس والقيادة والعمل الجماعي، وهي مهارات أساسية تسهم في تحسين فرصهن الاقتصادية والاجتماعية.
وكشفت أن اجتماعاً للخبراء عقد في مارس الماضي أسفر عن إعداد مبادئ توجيهية جديدة لتعزيز الحقوق الأساسية في العمل الرياضي ومنع العنف والتحرش ضد الرياضيين المحترفين.
وأضافت أن هذه المبادئ تتضمن ضمان حرية تكوين الجمعيات والحق في المفاوضة الجماعية، وتوفير حماية خاصة للأطفال الرياضيين، وضمان المساواة في الأجور للرياضيات، فضلاً عن حماية الأمومة وإجازات الوالدين والحق في العودة إلى النشاط الرياضي بعد الإنجاب.
وشددت على أهمية توفير خدمات صحية ومهنية تراعي النوع الاجتماعي، مع الاهتمام بالصحة النفسية للرياضيين في مواجهة ضغوط المنافسة والتدقيق الإعلامي والمخاطر المهنية.
الرياضة من حقوق الإنسان
بدورها، أكدت مريم بنت عبد الله العطية، رئيسة اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر، أن الرياضة معترف بها بوصفها حقاً من حقوق الإنسان، مشددة على أهمية قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 59/17 المتعلق بتكثيف الجهود لتمكين النساء والفتيات في الرياضة ومن خلالها.
وقالت إن القرار يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز المساواة بين الجنسين وتوسيع مشاركة النساء والفتيات وتسخير الرياضة بوصفها وسيلة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين.
وأشارت إلى أن النساء والفتيات ما زلن يواجهن تحديات متعددة تشمل فجوات الأجور وضعف فرص الاستثمار والرعاية والتمثيل المحدود في مواقع القيادة وصنع القرار، فضلاً عن استمرار الصور النمطية الاجتماعية والثقافية.
وأكدت أن النساء ذوات الإعاقة والفتيات في البيئات الفقيرة أو المتأثرة بالنزاعات المسلحة يواجهن تحديات إضافية تعوق وصولهن إلى الأنشطة الرياضية والاستفادة من آثارها الإيجابية.
واستعرضت التجربة القطرية في دعم الرياضة النسائية، مشيرة إلى أن إنشاء لجنة رياضة المرأة القطرية عام 2000 أسهم في توسيع مشاركة النساء والفتيات في مختلف الأنشطة والمسابقات الرياضية، كما عززت استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022 قيم الاحترام والتنوع والشمول وتكافؤ الفرص.
تجربة ملهمة من الرياضة
وفي شهادة مؤثرة، تحدثت البطلة البارالمبية السويسرية سيلين فان تيل، عن تجربتها الشخصية مع الرياضة والإعاقة.
وروت كيف واجهت منذ طفولتها تحديات كبيرة بسبب النظرة النمطية للفتيات، قبل أن تتعرض لحادث رياضي خطير أدى إلى إصابات دماغية ودخولها في غيبوبة لمدة شهر وإصابتها بشلل جزئي وإعاقات دائمة.
وأكدت أن الأشخاص ذوي الإعاقة يضطرون إلى بذل جهود مضاعفة لإثبات قدراتهم والحصول على الاحترام والاعتراف داخل الوسط الرياضي.
وقالت إن الرياضة منحتها مساحة للشعور بالحماية والانتماء والكرامة، وساعدتها لاحقاً على الانخراط في العمل العام والسياسي، حيث أصبحت أول ضابطة من ذوي الإعاقة في الجيش السويسري وعضواً في برلمان جنيف.
وشددت على أهمية منح النساء والفتيات، خاصة ذوات الإعاقة، مزيداً من الظهور والمنصات لسرد قصصهن وتجاربهن الملهمة.
مطالب أوروبية وخليجية
وخلال النقاشات، أكد الاتحاد الأوروبي أن الرياضة تمثل أداة قوية لتعزيز الصمود والقيادة والتضامن، لكنه أشار إلى استمرار الفجوات الهيكلية في الأجور والاستثمار والتمثيل الإعلامي والقيادي.
وأوضح أن أي امرأة لم تظهر ضمن قائمة أعلى 50 رياضياً دخلاً في العالم خلال عام 2025، ما يعكس استمرار التفاوتات الاقتصادية داخل القطاع الرياضي.
ودعا الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز البيئات الرياضية الآمنة والشاملة، وتطوير سياسات تضمن المساواة في فرص المشاركة والتدريب والقيادة.
وشددت مجموعة دول البنلوكس على ضرورة إزالة الحواجز الهيكلية التي تعوق مشاركة النساء والفتيات، واعتماد مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار أوضاع الفئات الأكثر هشاشة.
من جانبها، أكدت البحرين، متحدثة باسم دول مجلس التعاون الخليجي، أهمية الرياضة في التنمية البشرية وترسيخ قيم الشمول وتكافؤ الفرص.
وأشارت إلى أن دول الخليج أولت اهتماماً متزايداً بتمكين النساء والفتيات في الرياضة عبر تطوير السياسات الوطنية وتوسيع فرص المشاركة، مؤكدة ضرورة توفير بيئات رياضية آمنة وخالية من التمييز والعنف والاستغلال.
دعم أممي واسع
في بيان مشترك أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين أن الرياضة يمكن أن تكون أداة قوية لتعزيز قدرات النساء والفتيات وبناء القيادة وتحسين الصحة والرفاه.
لكنها شددت على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب معالجة الحواجز الهيكلية المستمرة، ومنها الصور النمطية والتحرش والعنف وعدم المساواة في الأجور وضعف التغطية الإعلامية والاستثمار.
ودعت الوكالات الأممية إلى توفير بيئات رياضية آمنة ومتاحة للجميع، واعتماد تدابير حماية قوية، وضمان العمل اللائق والمساواة في الأجور، وتوفير خدمات صحية شاملة، إضافة إلى تعزيز تمثيل النساء في هياكل الحوكمة الرياضية.
الرياضة بوصفها أداة للتمكين
وأجمعت المداخلات على أن الرياضة ليست مجرد نشاط ترفيهي أو تنافسي، بل تمثل أداة فعالة لتحقيق المساواة وتمكين النساء والفتيات وتعزيز مشاركتهن في مختلف مجالات الحياة.
وأكد المشاركون أن إزالة الحواجز القانونية والاجتماعية والثقافية، وتوفير الحماية من التمييز والعنف، وضمان المساواة في الفرص والموارد والقيادة، تمثل خطوات أساسية نحو تحقيق مشاركة رياضية عادلة وشاملة.
وشددوا على أن الاستثمار في الرياضة النسائية لا يقتصر على تحقيق العدالة الاجتماعية فحسب، بل يسهم أيضاً في التنمية الاقتصادية وتعزيز التماسك المجتمعي وإطلاق طاقات ملايين النساء والفتيات حول العالم.
واختتمت الحلقة النقاشية بتأكيد أن تمكين النساء والفتيات في الرياضة يجب أن يظل جزءاً أساسياً من الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، مع الدعوة إلى تحويل الالتزامات السياسية إلى إجراءات عملية تضمن بيئات رياضية أكثر أمناً وإنصافاً وشمولاً للأجيال الحالية والقادمة.
