منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

دجاجتان لعرس يتيمة.. تضامن شعبي يفتح أسئلة الحماية الاجتماعية في الجزائر

06 نوفمبر 2026
دجاجتان لعرس يتيمة.. تضامن شعبي يفتح أسئلة الحماية الاجتماعية في الجزائر
دجاجتان لعرس يتيمة.. تضامن شعبي يفتح أسئلة الحماية الاجتماعية في الجزائر

“أريد دجاجتين فقط لأتعشى بهما في عرسي”، بهذه الكلمات اختصرت فتاة يتيمة من ولاية عين الدفلى الجزائرية احتياجاتها قبل أسبوع من زفافها، لم يتجاوز طلبها تأمين عشاء بسيط، لكن مقطعاً مصوراً انتشر مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026 حوّل أمنيتها الصغيرة إلى حملة تضامن واسعة، وأعاد طرح قضية النساء والفتيات اللائي يواجهن الفقر دون مورد مالي ثابت.

قاد الناشط حميد فرج حملة التضامن، وشارك فيها متبرعون من داخل الجزائر وخارجها. قدم صاحب محل مجوهرات طقما من الذهب، وتكفل محسنون بمستلزمات الزفاف، فيما تعهد متبرع مقيم في باريس ببناء منزل للأسرة وتخصيص راتب شهري لوالدة العروس، كما نظم شبان مسيرة بالدراجات النارية تضامنا معها، قبل إقامة حفل الزفاف في 11 أكتوبر/تشرين الأول.

انتهت حكاية العروس بفرحة أسهم فيها كثيرون، لكن وراءها قضية تتجاوز تكاليف الزواج إلى الأمان الاقتصادي والحماية الاجتماعية. فماذا يحدث للنساء والفتيات اللائي يعشن ظروفا مماثلة، ولا تصل قصصهن إلى مواقع التواصل؟ وهل تتيح برامج الدعم الحكومي لهن الحصول على المساعدة قبل أن تتحول حاجتهن إلى نداء علني؟

ولا تكفي حالة فردية لإثبات وجود خلل شامل في منظومة الحماية الاجتماعية، لكنها تفتح مجالاً لفحص شروط الاستفادة من المساعدات، خصوصاً بالنسبة إلى الشابات اللائي لا يملكن دخلاً ولا يندرجن بالضرورة ضمن الفئات المشمولة بالمنح.

1-من دجاجتين إلى حملة تضامن

مليارات للتضامن.. وحدود الاستفادة

في 17 مارس/آذار 2026، أعلنت وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة صورية مولوجي تخصيص 211 مليار دينار جزائري لبرامج الدعم الاجتماعي التي تديرها وكالة التنمية الاجتماعية.

وتستحوذ المنحة الجزافية للتضامن على نحو 179.4 مليار دينار، ويستفيد منها قرابة 1.5 مليون شخص، بينهم كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والمصابون بأمراض مزمنة مسببة للعجز وربات الأسر، إضافة إلى نحو 400 ألف من ذوي حقوق المستفيدين.

وتتراوح قيمة المنحة بين سبعة آلاف و12 ألف دينار شهريا، بحسب فئة الاستفادة، دون زيادات مقترحة خلال 2026، وفق ما أعلنته الوزيرة في يناير/كانون الثاني، بعد آخر مراجعة عام 2023.

وتشمل جهود توسيع الحماية إنشاء 50 خلية جوارية جديدة للتضامن، ليرتفع العدد المستهدف إلى 390 خلية، وحتى نهاية يونيو/حزيران 2026، أُنشئت 37 خلية تخدم 116 بلدية في 25 ولاية، ليبلغ الإجمالي 377 خلية.

كما تتضمن البرامج 166 مشروعاً للتنمية الجماعية بكلفة تتجاوز 1.16 مليار دينار، تستهدف توفير أنشطة مدرة للدخل وتعزيز التمكين الاقتصادي للنساء، خصوصا في المناطق الريفية. لكن هذه الأرقام لا توضح وحدها عدد النساء المحتاجات اللاتي لا يستوفين شروط المساعدات، أو مدى كفاية المنح لتغطية الاحتياجات الأساسية، أو الفوارق بين الولايات في الوصول إلى الخدمات.

2-من يستفيد من الدعم الاجتماعي؟

رد رسمي.. وأسئلة بلا إجابات محددة

في رد على أسئلة «صفر»، أكد القسم الإعلامي في وكالة التنمية الاجتماعية أن الوكالة تدعم الفئات الهشة والمعوزة عبر برامج الحماية والمرافقة الاجتماعية، وفي مقدمتها المنحة الجزافية للتضامن.

وأوضح أن الاستفادة تشمل كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والمصابين بأمراض مزمنة مسببة للعجز وربات الأسر ومن يعيلونهم، وتخضع لشروط قانونية واجتماعية تتحقق منها المصالح المختصة عبر الملفات والتحقيقات الاجتماعية.

غير أن الرد لم يقدم بيانات عن عدد الفتيات اليتيمات أو الشابات دون دخل المستفيدات من برامج الوكالة، ولم يوضح مساراً محدداً لمساعدة فتاة شابة قادرة على العمل ولا تعول أسرة، وهي فئة لا تظهر ضمن المستفيدين من المنحة كما عرضهم الرد.

ولا يعني ذلك استبعاد هذه الفئة من جميع أشكال الدعم. فمنحة البطالة تستهدف طالبي العمل بين 19 و40 عاما، لكنها مشروطة بالتسجيل لدى الوكالة الوطنية للتشغيل واستيفاء شروط الاستفادة وتجديد الملف دورياً.

أما عروس عين الدفلى، فلا تتوافر معلومات موثّقة عمّا إذا كانت أسرتها تتلقى مساعدات حكومية، أو سبق لها طلب الدعم، أو تستوفي شروط البرامج المتاحة. وتبقى الحاجة إلى بيانات عن طلبات الدعم المقبولة والمرفوضة وأسباب الرفض، بما يسمح بتقييم قدرة البرامج على الوصول إلى النساء الأكثر احتياجا.

3-حقوق لا تنتظر التضامن

الحماية حق يتجاوز المساعدة

يكفل الدستور الجزائري المعدل عام 2020 مبادئ المساواة وحظر التمييز وحماية الحقوق الأساسية، فيما يقر العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي صادقت عليه الجزائر عام 1989، بالحق في الضمان الاجتماعي ومستوى معيشي لائق.

كما ترتب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، التي انضمت إليها الجزائر عام 1996 مع تحفظات على بعض أحكامها، التزامات تتعلق بمكافحة التمييز في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وتقول المحامية وعد خير لـ«صفر» إن الفتاة اليتيمة ليست مجرد حالة تستدعي الإحسان، بل صاحبة حقوق يجب صونها، وفي مقدمتها الميراث وحماية الأموال من الاستغلال، إلى جانب النفقة والرعاية وفق الأحكام القانونية ذات الصلة.

وتوضح أن غياب المعيل والضغوط الاقتصادية قد يزيدان تعرض الفتيات للحرمان والتهميش، ما يستدعي آليات قانونية تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها وتحمي حقوقهن.

ولا تشير المعلومات المتاحة عن العروس إلى تعرضها لحرمان من الميراث أو النفقة، لكن رأي المحامية يبرز أهمية ألا تقتصر الحماية على تقديم مساعدات مؤقتة، بل تشمل صون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

من تصل إليهن الحماية قبل الكاميرات؟

أظهرت حملة عروس عين الدفلى قيمة التضامن الشعبي وقدرته على الاستجابة السريعة، لكنها كشفت أيضا أهمية وجود برامج مؤسسية لا يتوقف الوصول إليها على انتشار قصة إنسانية.

ويقتضي تقييم هذه البرامج نشر بيانات تفصيلية عن النساء المستفيدات وغير المستفيدات، وأسباب رفض الطلبات، وآليات التظلم، ومدى كفاية المساعدات، بما يسمح بقياس أثر الإنفاق الاجتماعي على حياة الفئات الأكثر هشاشة.

حصلت عروس عين الدفلى على ما يفوق الدجاجتين اللتين طلبتهما، واحتفل معها متضامنون لم يعرفوها من قبل، فيما لا تزال أوضاع النساء اللائي لا تصل أصواتهن إلى الجمهور بحاجة إلى إجابات مؤسسية واضحة؛ فكم امرأة تحتاج إلى المساعدة ولا يعرف أحد قصتها؟