في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في إدارة ملف الهجرة، وقعت جامعة الدول العربية والمنظمة الدولية للهجرة خطة عمل مشتركة للفترة بين 2026 و2028، تهدف إلى تعزيز حوكمة بيانات الهجرة في المنطقة، ويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه الدول العربية تحديات متزايدة في إدارة تدفقات بشرية معقدة، وسط فجوات واضحة في توفر البيانات ودقتها، ما يحد من قدرة صناع القرار على التخطيط الفعال.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد المهاجرين الدوليين بلغ نحو 281 مليون شخص بحلول عام 2025، أي ما يعادل 3.6 في المئة من سكان العالم، وفي المنطقة العربية، تبرز الهجرة بوصفها إحدى أهم الظواهر السكانية، حيث تستضيف دول الخليج وحدها أكثر من 30 مليون عامل مهاجر، وفقاً لبيانات البنك الدولي، كما تمثل تحويلات المهاجرين إلى الدول العربية مصدراً اقتصادياً رئيسياً، إذ تجاوزت 60 مليار دولار سنوياً في بعض التقديرات الحديثة.
وتشير بيانات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) إلى أن عدداً من الدول العربية، مثل لبنان والأردن، تستضيف نسباً مرتفعة من اللاجئين مقارنة بعدد السكان، ما يزيد من تعقيد إدارة هذا الملف ويعزز الحاجة إلى بيانات دقيقة ومحدثة.
فجوة البيانات وأثرها في السياسات
يعاني العديد من الدول العربية من تشتت بيانات الهجرة بين جهات حكومية متعددة، مثل وزارات الداخلية والعمل والأجهزة الإحصائية، ما يؤدي إلى تضارب الأرقام وصعوبة استخدامها في صنع القرار، وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن غياب نظام موحد للبيانات يحد من قدرة الحكومات على الاستجابة للأزمات، مثل تدفقات اللاجئين أو الهجرة غير النظامية.
وفي بعض الحالات، يؤدي ضعف البيانات إلى قرارات غير دقيقة، مثل تقدير احتياجات سوق العمل أو توزيع الخدمات الأساسية، ما ينعكس بشكل مباشر على المهاجرين والمجتمعات المضيفة.
ما هي حوكمة بيانات الهجرة؟
تتجاوز حوكمة بيانات الهجرة مجرد جمع الأرقام، لتشمل إطاراً متكاملاً ينظم كيفية إنتاج البيانات وتحليلها وتبادلها واستخدامها، ويشمل ذلك وضع معايير موحدة لتعريف المهاجرين، وضمان جودة البيانات، وتعزيز الشفافية، مع حماية الخصوصية.
وتوضح المنظمة الدولية للهجرة أن الهدف من الحوكمة هو تحويل البيانات إلى أداة استراتيجية تدعم السياسات العامة، بدلاً من أن تبقى معلومات مجزأة وغير مستغلة.
كيف تُدار بيانات المهاجرين فعلياً
تعتمد حوكمة البيانات على عدة مراحل تبدأ بجمع المعلومات من مصادر مختلفة، مثل سجلات الحدود وتصاريح العمل والتعدادات السكانية، ثم توحيدها ضمن قواعد بيانات مركزية، بعد ذلك، يتم تحليل البيانات لاستخلاص الاتجاهات، مثل أنماط الهجرة أو احتياجات سوق العمل.
كما تتطلب العملية إنشاء أنظمة رقمية متطورة تسمح بتحديث البيانات بشكل مستمر، وربطها بين المؤسسات المختلفة، ويشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن بناء هذه الأنظمة يحتاج إلى استثمارات في البنية التحتية الرقمية وتدريب الكوادر.
محاور الخطة العربية الجديدة
تركز خطة العمل بين جامعة الدول العربية والمنظمة الدولية للهجرة على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل تعزيز حوكمة البيانات، وتوحيد المعايير بين الدول، وتطوير القدرات الوطنية.
كما تسعى الخطة إلى تحسين تبادل المعلومات بين الدول العربية، وإنتاج معرفة إقليمية تساعد على فهم أنماط الهجرة، ما يدعم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ويعزز القدرة على التكيف مع التغيرات.
عقبات تعرقل التحول الرقمي
رغم الأهمية المتزايدة لحوكمة بيانات الهجرة، تواجه الدول، خاصة في المنطقة العربية، تحديات هيكلية تعوق التحول الرقمي الفعال، ويأتي في مقدمة هذه التحديات ضعف البنية التحتية الرقمية، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو ثلث الدول النامية لا تمتلك أنظمة بيانات حكومية متكاملة وقابلة للتشغيل البيني، ما يؤدي إلى استمرار الاعتماد على أنظمة تقليدية مجزأة، وفي السياق العربي، توضح تقارير “الإسكوا” أن فجوة التحول الرقمي بين الدول لا تزال كبيرة، إذ تختلف مستويات الجاهزية الرقمية بشكل ملحوظ بين دول الخليج ذات البنية المتقدمة ودول أخرى تعاني من ضعف في البنية التحتية والموارد.
ويشكل نقص التمويل معوقاً رئيسياً، حيث يؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن بناء أنظمة بيانات حديثة يتطلب استثمارات مستمرة، تشمل تطوير البرمجيات، وتحديث مراكز البيانات، وتأهيل الكوادر البشرية، وهي تكاليف قد تتجاوز قدرات بعض الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، كما أن غياب التنسيق المؤسسي يؤدي إلى ازدواجية الجهود، إذ تحتفظ جهات متعددة ببيانات منفصلة حول الهجرة، ما يخلق تضارباً في الأرقام ويحد من إمكانية استخدامها بشكل فعال في صنع القرار.
وتبرز حماية البيانات الشخصية بوصفها أحد أكثر التحديات حساسية، خاصة مع الطبيعة الخاصة لبيانات المهاجرين التي قد تتضمن معلومات قانونية أو إنسانية دقيقة، وتشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 60 في المئة من الدول حول العالم لا تزال في مراحل مختلفة من تطوير تشريعات شاملة لحماية البيانات، ما يفتح المجال أمام مخاطر تسرب المعلومات أو إساءة استخدامها، وفي هذا الإطار، تحذر المنظمة الدولية للهجرة من أن ضعف أنظمة الحماية قد يحد من ثقة المهاجرين في المؤسسات، ويؤثر في دقة البيانات المجمعة.
كما تواجه الدول تحدياً إضافياً يتمثل في نقص الكفاءات الفنية المتخصصة في تحليل البيانات الضخمة، حيث تشير تقارير البنك الدولي إلى أن العديد من الإدارات الحكومية تفتقر إلى خبراء قادرين على تحويل البيانات إلى مؤشرات قابلة للاستخدام في السياسات العامة، ويؤدي ذلك إلى فجوة بين جمع البيانات واستخدامها الفعلي.
وفي المحصلة، تؤكد هذه التحديات أن التحول نحو حوكمة بيانات الهجرة لا يقتصر على الجانب التقني فقط، بل يتطلب إصلاحات مؤسسية وتشريعية واستثمارات طويلة الأمد، إلى جانب بناء قدرات بشرية قادرة على إدارة هذا التحول بشكل مستدام.
التأثير المتوقع في السياسات
يسهم تحسين حوكمة بيانات الهجرة في تصميم سياسات أكثر دقة، مثل تحديد احتياجات سوق العمل، وتوجيه الخدمات الاجتماعية، وإدارة الحدود بشكل أكثر كفاءة، كما يساعد في تقييم أثر الهجرة في التنمية الاقتصادية.
وتؤكد “الإسكوا” أن البيانات الدقيقة تمكن الحكومات من تحقيق توازن أفضل بين الاستفادة من الهجرة وتقليل تحدياتها، خاصة في الدول التي تعتمد على العمالة الوافدة.
البعد الإقليمي والتعاون العربي
تعكس الخطة المشتركة توجهاً نحو تعزيز التعاون الإقليمي في إدارة الهجرة، حيث تسعى الدول العربية إلى تبادل البيانات وتوحيد المعايير، وتشير جامعة الدول العربية إلى أن هذا التعاون يمكن أن يحسن من قدرة الدول على التعامل مع التحديات المشتركة.
كما يسهم التنسيق الإقليمي في إنتاج بيانات قابلة للمقارنة، ما يسهل اتخاذ قرارات مشتركة على مستوى المنطقة.
تأتي هذه المبادرة في سياق توجهات دولية أوسع تدعو إلى تحسين إدارة بيانات الهجرة وتعزيز التعاون بين الدول، حيث تؤكد الأمم المتحدة أهمية البيانات الدقيقة في دعم السياسات العامة، مع ضرورة احترام حقوق الإنسان وحماية الخصوصية.
تكشف حوكمة بيانات الهجرة عن تحول جوهري في طريقة إدارة هذا الملف، حيث تنتقل الدول من الاعتماد على التقديرات إلى استخدام البيانات الدقيقة في صنع القرار، وفي ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة العربية، تمثل هذه الخطوة بداية مسار طويل نحو بناء سياسات أكثر كفاءة ومرونة. ويبقى نجاح هذا التحول مرهوناً بقدرة الدول على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وتوفير الموارد اللازمة، وتحقيق التنسيق الفعلي بين مؤسساتها.

