منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فضاء جديد للتقييد.. العنف الرقمي ينتهك حقوق المرأة في الدول العربية

18 يوليو 2026
حقوق المرأة تواجه عدة تحديات في العالم العربي
حقوق المرأة تواجه عدة تحديات في العالم العربي

فتحت المنصات الرقمية أمام النساء في الدول العربية مساحات واسعة للتعبير والمشاركة في النقاش العام والدفاع عن الحقوق والحريات، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى ساحة جديدة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث تتعرض ناشطات ومدافعات عن حقوق المرأة لحملات تشهير وتحريض ووصم، تتجاوز أحياناً حدود الإساءة اللفظية إلى نشر البيانات الشخصية، والتهديد، والتلاعب بالصور، ومحاولات إسكات الأصوات النسوية.

وأصبح العنف الرقمي ضد النساء والفتيات واحداً من أسرع أشكال العنف انتشاراً، خاصة مع اتساع استخدام المنصات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي في إنتاج حملات مضللة أو محتوى مسيء أو تهديدات تستهدف النساء في المجال العام.

وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء اللواتي يشاركن في العمل العام، وبينهن الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات، يتعرضن بصورة متزايدة للتهديدات والإساءات والمعلومات المضللة بهدف دفعهن إلى الانسحاب من الحياة العامة.

من المشاركة إلى الاستهداف

لم يعد العنف الرقمي ضد النساء في المنطقة العربية مجرد تعليقات مسيئة أو خلافات فردية على منصات التواصل، بل أصبح في كثير من الحالات نمطاً منظماً من الاستهداف، يقوم على تشويه السمعة، والتحريض، واجتزاء التصريحات، ونشر صور أو معلومات شخصية، واستخدام خطاب أخلاقي أو اجتماعي لإسكات النساء اللواتي يطرحن قضايا مرتبطة بالمساواة أو الحريات أو الحماية من العنف.

وتتخذ هذه الحملات أشكالاً متعددة، منها الهجوم الجماعي على الحسابات الشخصية، والرسائل الخاصة التي تتضمن تهديدات، ونشر أرقام الهواتف أو العناوين، والتشهير الأسري أو المهني، إضافة إلى حملات منظمة تسعى إلى عزل المدافعات عن حقوق المرأة اجتماعياً أو تقديمهن باعتبارهن خارجات عن القيم السائدة.

وتكتسب هذه الممارسات خطورتها من أنها لا تستهدف المرأة بوصفها فرداً فقط، بل تستهدف فكرة المشاركة النسائية في المجال العام، فحين تتعرض ناشطة أو صحفية أو محامية أو باحثة لحملة تشهير واسعة بسبب رأي أو موقف، تصبح الرسالة موجهة أيضاً إلى نساء أخريات: المشاركة قد تكون مكلفة، والصمت قد يبدو أكثر أماناً.

اتساع الظاهرة عربياً

تكشف بيانات أممية وإقليمية أن النساء في الدول العربية يواجهن مستويات مرتفعة من انعدام الأمان الرقمي. ووفق مواد نشرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أفادت نسبة كبيرة من مستخدمات الإنترنت في الدول العربية بتعرضهن أو شعورهن بالخطر من العنف والتحرش الإلكتروني.

وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 60% من النساء مستخدمات الإنترنت في الدول العربية تعرضن للعنف عبر الإنترنت خلال عام واحد، في حين أورد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 49% من النساء مستخدمات الإنترنت في المنطقة شعرن بعدم الأمان من التحرش الإلكتروني.

وتعكس هذه الأرقام حجم الفجوة بين الوجود المتزايد للنساء على الإنترنت وبين مستوى الحماية المتاح لهن. فبالرغم من أن المنصات الرقمية أصبحت أداة للتعليم والعمل والتنظيم المجتمعي والحملات الحقوقية، فإن غياب الحماية الفعالة قد يجعلها أيضاً مساحة للابتزاز والتهديد والإقصاء.

وتزداد الخطورة عندما ينتقل العنف من الفضاء الرقمي إلى الواقع. فقد أشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، في سياق تناولها للعنف الرقمي في الدول العربية، إلى أن قرابة نصف النساء اللواتي تعرضن لعنف إلكتروني ذكرن أن الإساءة انتقلت إلى مساحات مادية أو واقعية، وهو ما يجعل العنف الرقمي مقدمة محتملة لأضرار نفسية واجتماعية ومهنية وأمنية أوسع.

المدافعات عن حقوق المرأة في خطر

تمثل المدافعات عن حقوق المرأة إحدى أكثر الفئات تعرضاً للعنف الرقمي؛ لأن نشاطهن يرتبط بقضايا حساسة في المجال العام، مثل العنف الأسري، والتمييز، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتمثيل السياسي، والحريات الشخصية، وحماية الناجيات من الانتهاكات.

وفي كثير من السياقات العربية لا تواجه المدافعات عن حقوق المرأة انتقادات موجهة إلى أفكارهن فقط، بل يتعرضن لهجمات تستهدف السمعة الشخصية والعائلية والمهنية.

وغالباً ما تُستخدم ضدهن اتهامات نمطية، أو صور مجتزأة، أو مقاطع خارجة من سياقها، ما يحول النقاش من قضية حقوقية عامة إلى محاكمة أخلاقية لصاحبة الرأي.

وتؤكد تقارير أممية أن النساء العاملات في المجال العام، ومنهن المدافعات عن حقوق الإنسان والصحفيات والناشطات، يتعرضن لعنف رقمي مصمم لدفعهن إلى الصمت أو الخروج من المجال العام.

وذكرت دراسة حديثة نشرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة وشركاء لها أن أكثر من ثلثي النساء الصحفيات والمدافعات عن الحقوق والناشطات المشاركات في الدراسة تعرضن لعنف عبر الإنترنت، وأن أكثر من 40% أبلغن عن اعتداءات أو مضايقات واقعية مرتبطة بالإساءة الرقمية.

التشهير والوصم أداتان لإسكات النساء

تقوم حملات الاستهداف الرقمي في كثير من الأحيان على تشويه الخطاب النسوي نفسه، وليس فقط مهاجمة المدافعات عنه، ويتم ذلك عبر ربط المطالب الحقوقية بصور سلبية، أو تصوير الدفاع عن حقوق المرأة باعتباره تهديداً للأسرة أو المجتمع أو القيم الدينية والاجتماعية.

ويعد هذا النوع من الخطاب شكلاً من أشكال العنف الرمزي؛ لأنه لا يكتفي بإهانة النساء، بل يسعى إلى نزع الشرعية عن القضايا التي يطرحنها، ومع تكرار هذه الحملات، قد تتحول الصورة النمطية إلى أداة ضغط مجتمعي تمنع النساء من التعبير عن آرائهن، أو تدفعهن إلى تخفيف خطابهن، أو تجنب المشاركة في ملفات حساسة.

ولا يقتصر أثر الوصم على النساء المستهدفات مباشرة، إذ يمتد إلى المجال الحقوقي كله. فعندما تصبح كلفة الحديث عن قضايا النساء مرتفعة، تتراجع القدرة على بناء نقاش عام صحي حول العنف والتمييز والحماية القانونية والمساواة في الفرص.

الأثر النفسي للعنف الرقمي

لا تتوقف آثار العنف الرقمي عند حدود المنشور أو التعليق المسيء، بل تمتد إلى الحياة اليومية للنساء المستهدفات، فقد يؤدي التعرض المستمر للهجوم إلى القلق، واضطرابات النوم، والخوف من الظهور العام، والتردد في المشاركة في الفعاليات أو النقاشات، فضلاً عن أضرار مهنية قد تنتج عن التشهير أمام جهات العمل أو الشركاء أو الجمهور.

وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن العنف الإلكتروني ضد النساء يرتبط بنمط أوسع من تقليص المساحات المدنية وتراجع مشاركة النساء في المجال العام، خصوصاً عندما تصبح المنصات الرقمية أداة لتخويف النساء اللواتي يتحدثن في السياسة أو الحقوق أو الإعلام أو قضايا المجتمع.

ويضيف تصاعد تقنيات الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً للتهديد، إذ يمكن استخدام أدوات رقمية لإنتاج صور أو مقاطع مزيفة أو محتوى مضلل يستهدف النساء، وهو ما يزيد صعوبة الإثبات ويضاعف الضرر النفسي والاجتماعي، خاصة في المجتمعات التي تتحمل فيها النساء عبئاً أكبر في مواجهة الوصم المرتبط بالسمعة والصورة الشخصية.

فجوات قانونية وتحديات

تعتمد دول عربية عديدة على قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية أو قوانين العقوبات أو التشريعات الخاصة بحماية البيانات والخصوصية لمواجهة بعض صور العنف الرقمي، مثل الابتزاز، وانتهاك الخصوصية، ونشر الصور دون موافقة، والتهديد، والتشهير، لكن التحدي لا يكمن في وجود نصوص قانونية فقط، بل في مدى وضوحها، وقدرة الضحايا على استخدامها دون أن تتحول ضدهن.

وتبرز عدة إشكاليات في التعامل القانوني مع العنف الرقمي ضد المدافعات عن حقوق المرأة، منها صعوبة إثبات الضرر، وكثرة الحسابات الوهمية، وسرعة حذف المحتوى أو نقله بين المنصات، والطبيعة العابرة للحدود للهجمات، إضافة إلى خشية بعض الضحايا من الإبلاغ بسبب الوصم أو عدم الثقة في آليات الحماية.

وتتضمن بعض التشريعات الرقمية قد تتضمن نصوصاً واسعة أو فضفاضة يمكن استخدامها ضد حرية التعبير، ما يخلق مفارقة قانونية؛ فالمرأة التي تلجأ إلى الفضاء الرقمي للدفاع عن الحقوق قد تجد نفسها معرضة للملاحقة بسبب منشور أو رأي، في حين يصعب في الوقت نفسه محاسبة من يشاركون في حملات تشهير جماعية أو تهديدات منظمة.

مسؤولية المنصات الرقمية

تلعب شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل دوراً محورياً في الحد من العنف الرقمي؛ لأن جزءاً كبيراً من الانتهاكات يحدث داخل فضاءات تديرها هذه الشركات.

وتشمل المسؤولية تطوير آليات إبلاغ أكثر فعالية باللغة العربية، والاستجابة السريعة للتهديدات، وحماية الضحايا من إعادة نشر المحتوى المسيء، ومواجهة الحسابات المنظمة التي تُستخدم في حملات التشهير والتحريض.

وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن مواجهة العنف الرقمي ضد النساء والفتيات تتطلب مقاربة قائمة على حقوق الإنسان وتراعي النوع الاجتماعي، ما يضمن أن التحول الرقمي لا يتحول إلى أداة لتقويض حقوق النساء، بل إلى مساحة آمنة للمشاركة والوصول إلى المعلومات والعمل العام.

وتزداد أهمية هذه المسؤولية في المنطقة العربية، حيث تتداخل الاعتبارات الاجتماعية والثقافية مع المخاطر الرقمية، ما يجعل آثار التشهير أو نشر الصور والمعلومات الشخصية أكثر حدة على النساء والفتيات.

الحماية لا تتحقق بالقانون وحده

تتطلب مواجهة العنف الرقمي ضد المدافعات عن حقوق المرأة في الدول العربية مسارات متوازية، تبدأ بإصلاح التشريعات وتوضيح تعريفات العنف الرقمي، ولا تنتهي عند تدريب جهات إنفاذ القانون والقضاء على التعامل مع الجرائم الإلكترونية ذات الطابع الجندري.

وتحتاج المؤسسات الحقوقية والإعلامية والتعليمية إلى تعزيز الوعي بالأمن الرقمي، ومنه حماية الحسابات، وتقليل نشر البيانات الشخصية، وتوثيق الانتهاكات، وتوفير الدعم النفسي والقانوني للضحايا، وإنشاء مسارات آمنة للإبلاغ.

ولا يقل التضامن المجتمعي أهمية عن المسار القانوني؛ فحملات التشهير تزدهر عندما تجد جمهوراً يتفاعل معها أو يعيد نشرها، في حين يضعف أثرها عندما تواجهها بيئة عامة ترفض الوصم والتحريض، وتتعامل مع المدافعات عن حقوق المرأة بوصفهن جزءاً من المجال العام لا هدفاً مباحاً للهجوم.

مستقبل المشاركة النسائية

يعكس العنف الرقمي ضد المدافعات عن حقوق المرأة في الدول العربية أزمة أوسع تتعلق بحرية التعبير والمشاركة العامة والمساواة في الوصول إلى المجال الرقمي، فالإنترنت لم يعد مساحة هامشية، بل أصبح جزءاً أساسياً من العمل السياسي والحقوقي والإعلامي والاجتماعي.

وأي بيئة رقمية تدفع النساء إلى الصمت أو الانسحاب أو الرقابة الذاتية لا تضر النساء وحدهن، بل تضعف النقاش العام كله، وتحد من قدرة المجتمعات على الاستفادة من أصوات وخبرات نصف سكانها.

لذلك، فإن حماية المدافعات عن حقوق المرأة من العنف الرقمي ليست قضية نسوية فقط، بل هي جزء من حماية الحق في التعبير، وضمان المشاركة المتكافئة، وبناء فضاء عام عربي أكثر أماناً وعدلاً وتعدداً.

وتبقى المعادلة الأساسية في المرحلة المقبلة هي قدرة الحكومات والمنصات والمجتمع المدني على تحويل الإنترنت من مساحة قابلة للتشهير والترهيب إلى فضاء يحمي النساء ويضمن حقهن في المشاركة دون خوف من العنف أو الوصم أو الإقصاء.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان